As Safir Logo
المصدر:

»طواحين العبث« قصيدة واحدة للجزائري أحمد شنة شعر القسوة والصوت العالي

الغلاف بريشة الفنان وجيه نحلة
المؤلف: الفاروق فضيلة التاريخ: 2000-09-12 رقم العدد:8702

الكتاب: طواحين العبث المؤلف: أحمد شنة الناشر: مؤسسة هديل للنشر والتوزيع الجزائر أحمد شنة شاعر جزائري من شعراء الثمانينات، قرأنا له فيما سبق »زنابق الحصار« (1989)، وقد صدر له مؤخرا ديوان جديد بعنوان »طواحين العبث«، وقد كان جريئا جدا بإصدار هذا الديوان، أولا لأنه قصيدة واحدة يواجه فيها الإرهاب، وثانيا لأنه مهدى إلى ضابط شرطة، صديق حميم اغتالته أيادي الغدر، والى ضباط وأعوان الأمن في ولايته، وكأن الإهداء لم يكف المشاعر لإشفاء غليله، فيضيف كلمة تحت عنوان »مذكرات قصيدة من القرن العشرين« يحكي فيها ما واجهه من صعاب لنشر القصيدة في كتاب، وربما تلك معاناة مشتركة، يعانيها كل كتاب الجزائر، ما يجعل أي نتاج أدبي ينام سنوات في أدراج المكاتب ورفوف النشر قبل أن يرى النور و»الطواحين« ظلت سبع سنوات حبيسة الانتظار ثم خرجت. حماسة في »طواحين العبث« نقرأ شاعرا يستفز كل الجبهات ويحارب بقوافيه اكثر من عدو، ويحرض على حرب قوامها الكلمة: »تكلّم... لكي لا أراك تكلم... لكي لا تطهرني بالدماء يداك« يتكرر هذا المقطع ثلاث مرات عند إقلاع القصيدة على إيقاع بركان من الغضب، وعلى مدى القصيدة كلها والتي تشغل اكثر من مئة صفحة تتكرر كلمة »تكلم« آمرة ربما تلك الأفواه التي كبلها الخوف لتتحداه، وكأن مفعول الكلمة أقوى، وربما هو الأقوى فعلا فوحدها الكلمة لا تموت. ولهذا اختار شنة سرد الحقائق مكتوبة: »تكلم.. لكي لا أراك شهيدا!.. فأحقر ما في بلادي.. هم الشهداء. وأفقر ما في بلادي هم الشهداء. يموتون فوق المنابر، فوق المآذن، فوق الجرائد، في خطبة العيد، في شرفات القصور يموتون في دفتر الطفل... بين السطور يموتون كي يكتب الخطباء... مراثيهم (رحم الله الشهداء..) ثم يسيرون خلف الجنازة مثل الصخور«. بلد المليون ونصف المليون شهيد، يصل الى هذه الحقيقة مع مطلع القرن الواحد والعشرين، فمن سيضحي من أجل الوطن بعد هذا، لكن الشاعر رغم اشارته اللامباشرة هذه، الا انه يشير الى حقيقة مفزعة وهي ان الموت حاضر في كل مكان، متكاثر، ومنتعش، وأنه يسكن حتى السطور في دفتر طفل، انه يبين مدى قوة الموت، ولا مجابهة لها غير الكلمة، وبكل ثقة يزرع فينا تلك الحقيقة التي وان كنا نعرفها لكننا لم نعد نؤمن بها كثيرا أمام ما أحدثته آلة الموت في الجزائر. شنة ليس انهزاميا في قصيدته كما قد يبدو، لكنه اعتمد تقنية أشبه بتقنيات الاعلان، يعرض ما هو موجود بصور بليغة، ثم يلقي اقتراحاته المدبجة بالحماس. يقول مثلا في وقفة تاريخية مهمة: »فنحن الذين اغتصبنا الشموس ونحن الذين انهزمنا أمام البراغيث في قرطبه..« ويسمي هذا العصر ب»عصر التيوس، وعصر القطيع« ويفكك قطع التاريخ كلها على إيقاع بالغ السخرية ليصف أزمان الهزيمة وأوجهها: »أرى شاعرا ينتحر أرى قبلة تختفي في الجفون أرى دمعة في حجر أرى صوت طوفان نوح«. لكنه ينهي المقطع قائلا: »أرى ثورة... في الطريق«. متفائل في النهاية، يحلم بالتغيير، ويعمل بقصيدته على إحلاله. ليس فقط على مستوى الوطن، ولكن على مستوى العالم العربي الذي تتشابه قضاياه: »فأوراس لا ينتهي في الكلام« و».. أجداث صيدا أبت أن تموت«. و»... بغداد لن تنكسر«. ويستمر في تحفيز قارئه على التمرد والثورة الى أن يقول: »تكلم.. فها أنت تأتي وحيدا لقلب النظام وإعلاء صوتي ودفن الظلام..« وصية وأكثر من ذلك يقول: »ما عاد يكفي إذا نحن متنا لكي لا يموت الوطن«. إن شيئا واحدا نشعر به حاضرا بقوة في قصيدة شنة وهو ارتباط ذاتية المتكلم بعلاقة وطيدة مع ذاتية المتلقي، بشكل أشبه بالوصية، بالتالي فان كل صيغ الأمر الواردة في النص انما تحمل في طياتها كثيرا من الرجاء والتمني لتحقيق رغبة انقاذ الجزائر: »أقول لكم أيها اللاهثون وراء الكراسي وخلف الوزارات.. والأظرفة بأن البلاد اشتراها الطواريس وذلّت لخصيان باريس غدرا ولا بد من.. مجرفة... فلا حل عندي لهذي الدماء ولا حل عندي لهذي الفتن سوى »الأورسة««. و»الأورسة« كلمة منحوتة من إسم جبال الأوراس المعروفة ويشير بها الشاعر الى رغبته في قيام ثورة تقتلع المجرمين من حيث تجذّروا لمنح الجزائر تاريخا جديدا وإنقاذها من السقوط وحمام الدماء. ولعل الذي يجب فعله حقا أمام قصيدة أحمد شنة هو إلقاؤها من على منبر، او إنشادها، ليس فقط لأنها منظمة على إيقاعات جميلة، بل لأنها ثائرة وما ورد فيها من كلام وغضب يستحق أن يسمع. ولهذا السبب اكثرت من إعطاء امثلة منها، ولم أتوقف عندها كقارئة دارسة لتقنيات بنائها او تحليلها على نسق النصوص التي نتعاشى معها عادة حين نقرأها أول مرة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة