As Safir Logo
المصدر:

موجة الصعود الإسلامية الشيعية.. العراق وطّدها والعراق يحققها من »الاجتهاد« إلى »دولة العارفين«

المؤلف: الركابي عبد الامير التاريخ: 2000-09-02 رقم العدد:8694

ظهرت حركة التشيع الاسلامي في العصر الحديث مترابطة مع حكم وشروط التطور الوطني في كل من إيران والعراق، فالحركة الصفوية التي يعود لها الفضل في تشييع إيران في القرن السادس عشر تؤرخ ايضا لبدايات النهضة الوطنية الايرانية الحديثة، بينما تنامت حركة التشيع المعاصرة في العراق على يد النجف والدعاة »الموامنة« التسمية الشائعة في العراق عن رجال الدين الشيعة من الدعاة الذين كانوا ينتشرون بين العشائر في جنوب العراق ووسطه وأفلحوا في القرنين الثامن والتاسع عشر في تشييع العشائر العربية العراقية، وأصل التسمية على الارجح مستمد من قرية »المؤمنين« التي أقيمت على يد أحد الدعاة في وقت متأخر من القرن الماضي في جنوب العراق قرب سوق الشيوخ في الناصرية لتكون بمثابة »الحوزة« المنافسة للنجف أن أصل هذه التسمية كما نفترض قد انتهى الى فاجعة فتشتت أعضاء تلك المدينة الفاضلة تحت وطأة الصراع الحاد بين الإخباريين والأصوليين وكفر سكان هذا المكان من المجتهدين وضاعت أغلب كتاباتهم ونتاجاتهم، بينما أقفرت قرية المؤمنين الذين هربوا منها يلاحقهم غضب السكان وتحفزهم الدامي. كان هذا المكان أصلا وليد الصدف وعثرات السير ما بين الموت والأمل، فمؤسسها الأول هو هارب من قتل مؤكد على يد الأتراك الذين سجنوا وقتلوا في الكاظمية على أطراف بغداد أهله الأقربين واخوته، وكاد يكون مصيره كمصيرهم لولا انه قد اتخذ دجلة وسيلة انحدر معها الى الجنوب تتلاقفه العشائر تستلمه وتسلمه، مرافقة قاربه الصغير حتى جنوب الكوت (واسط القديمة التي درست عن آخرها في أسفل أرض العراق مقبرة المدن الزاهرة التي تطبق شهرتها الآفاق ثم تنهار وتختفي دونما اثر يذكر بوجودها أو بمجدها الماضي) ومن هناك عبر نهر الغراف وانحدر جنوبا حتى وصل الى عاصمة المنتفك (سوق الشيوخ) او سومر العراق الحديث المنيعة على الحكام العثمانيين، حيث استقر وقرر تأسيس ذلك الصرح من أكواخ القصب وبيوت الطين، قبل ان يعود ليقفر من سكانه طلبة العلم وأهله، ولا يبقى منه للحياة والتاريخ سوى اسم وصفة ودليل على زمن تتنازعه القصص ما بين الجهود التي تغور في النفوس وتشكل العقائد وبين صراعات الأفكار وأهواء الحكام وأحقادهم ورغبات العامة والشعب الطامح للخلاص من الظلم ورياح العصور الحديثة وتقلبات الزمن الجديد وتشكلات الدول والافكار والنهضات الضائعة القليلة والانكسارات المطوية تحت حجاب طغيان الحدث على الفكرة، والمعاش على المفسر، والمتداول على ما يفهم ويعقل. كم من التشعبات ومن الوجوه يمكن ان تستخلص من هذا التاريخ ومن المصائر الشتى التي تشكله والأبطال الذين صنعوه بالسيف كما فعل الشاه اسماعيل، وهو يصعد بالحركة الصفوية الناشئة سلم الدولة، او مع ابنه طهماسب الذي اعتلى العرش في عام موت أبيه 1524 ليبدأ عصر استخدام »العلماء« من الكركي أولهم، الذي غادر النجف ليدخل في خدمة السلطان، الى الرجال الكبار من النوابغ الذين خلفوه على عهد الشاه عباس، مثل الشيخ البهائي الذي عاش في ظل أكبر السلاطين متأففا منكرا صحبة الحكام، او المجلسي الذي عاش في ترف على آخر أيام دولة الصفويين أم ابراهيم القطيفي زميل الكركي الذي ظل متمسكا بحرفية الآية الكريمة القائلة »ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار« وكل حكومة لا يتولاها الإمام ظالمة فلازم النجف وشن حربه السجالية الشهيرة على الكركي وأمثاله من المتنعمين في قصور السلاطين والحكام. أية حكمة تؤخذ من قلب هذا المسار الطويل الهائل التشعبات المتداخل مع اليقظة على العصور الحديثة والموكول الى تجليات صفحة أخرى كان العراق يقرأها على أنها الدورة الثالثة من عودته للحياة بعدما صعد من انهياره الطويل المريع الذي ابتدأ في القرن الثالث عشر مع هولاكو مدمر بغداد الزاهرة عاصمة العراق الذي ينهار إذا انهار حتى الابتداء الاول بالضبط كما حدث له إبان سقوط بابل حين عم الخراب المديد حتى مجيء العرب المسلمين الذين سرعوا يقظته فارتفع من جديد معانقا الذرى التي لا يبلغها مكان سواه، ولا شك ان هذا المسار لم يكن ليقرأ على مدى القرنين الماضيين على انه الدورة التاريخية الناهضة والضائعة من يد العرب المسلمين، فالتاريخ الحديث اتجه في وقت لاحق ومنذ الفاطميين والأيوبيين نحو الساحل العربي الذي تتوسطه مصر، فهناك حتى محمد علي وعبد الناصر وما يسمى بالنهضة وأفكارها قام منظور العرب المعروف اليوم عن ذواتهم باعتباره بديلا عن ضائع ومتحققا عن غائب، ظل ينتظر زمنا طويلا قبل ان يطل من جديد ويغدو حقيقة ماثلة تستوجب تغيير القراءات وتبديل زوايا النظر والمعاني والأفكار. فهنا لم تقم للسلفية قائمة، مع انها ضربت حدود العراق مرات وهاجمته في كربلاء والنجف مرتكبة تعديات فظيعة، كما لم تعرف »الوطنية« الحديثة التي يباهى بها رسوخا ما وعانت القومية وأفكارها من اضطرارها للعنت ولسحق التلونات والأفكار الجذرية العميقة حتى كاد الموت والخراب يصبحان هما وغياب الحرية والتعدد شيئا واحدا، ومع الزمن كانت التجربة القاسية المتعددة الوجوه المأخوذة بإسهام الناس على أوسع نطاق تسير مؤكدة بأن التاريخ لم ينته وان الحاضر ما زال بعيدا، لا كما ادعت بعض التفكرات العجولة التي تظن انها تدخل حياض العصر متى أرادت ومن دون ان تتحقق في الواقع والتاريخ بالفكر والتجربة التي تصهر الماضي لتجعله حيا نابضا والحاضر حتى ينطق، وإذ تأخر النطق فان الحقيقة الحاضرة كانت تكتسب مصداقيتها وتصبح جديرة بالانتباه، فمحمد بن عبد الوهاب كان تلميذا في بغداد لكنه استطاع ان ينطق ويحقق مشروعا، بينما العراق صامت يرى بأن الأوان لم يأت، والصفوية أخذت العلماء من النجف ومن جبل عامل واحتفظت لنفسها بشهرة واسعة وأكيدة كمنارة للتشيع الحديث، بينما التجربة في العراق لم تأخذ مكانها الذي تستحقه بالفعل، وبانتظار الغد ما يزال هذا الموضع يعيش التاريخ الحديث ويدخر الكلام الذي ما كان ليقال ويصبح حقيقة راهنة قبل التجربة المعاصرة الحية وقبل ان يتحقق تاريخ راهن قابل للقياس المؤكد. فما الذي ادخرته يا ترى فصول تلك التجربة بما يتعلق بالتشيع المعاصر والحديث، من عبر تذكر وتشكل جوهر هذا التاريخ وروح مساره، لننظر ونتفحص: فلقد بدا العراق كعادته منشقا يرفض دمج الدين بالحكم، وهذا ما كرسه القطيفي يوم كان يشن حملته على الكركي، والاهم في ذلك الانشقاق الذي سترعاه لاحقا توجهات علماء آخرين كثر انه كان ينطوي على منظور وعلى حقيقة معيشه سرعان ما تجسدت في مفهوم »الحوزة« اي دولة المدينة التي يقودها العارفون، وهذه كانت ابتكارا نابعا من خصائص العراق تمثل في النجف واستمد من شروط وخصائص ونمط حياة بحر المشاعات الزراعية المحاربة الديموقراطية غير الوراثية المحتكمة الى سلطة العوارف العشائريين من الحكماء والقانونيين الخبراء بالسناين ومن سياق العلاقة التي توطدت بين المشاعات في الجنوب والوسط تشكل نظام دولة المدينة الثانية النجف التي ستصبح هي القيادة الوطنية للنضال ضد الاتراك العثمانيين بعد دولة المدينة العشائرية الاولى »سوق الشيوخ«، ان الديموقراطية المساواتية وتعدد مراجع التقليد وحيوية المنافسة في ظل وجود مجتهد اكبر ونموذج المدينة الدولة المدارة من رجال العلم هي الابتكار الأبقى والأخطر في تاريخ التشيع الحديث وهو الذي ثبت لامتحان الزمن وتقلباته وأعطى هذا المسار قوته وعمق صلته بالحياة وبالناس، وإذ طوى التاريخ حكاما من الصفويين وغيرهم وانهارت دول استعملت العلماء على الطريقة المألوفة في وضع هؤلاء في حمى أهل السلطة والحكم فان سلطة بلا دولة وبلا سلطان منفصل عن الناس قد ظلت حية وكانت حاضنة، امكنها ان تحفظ العلاقة بالتاريخ. وبإمكانات وضرورات الاجابة على تحديات ظلت مستمرة وما تزال. دخل هذا الابتكار الباقي حيا الى الآن عهد أزمة شاملة منذ ثورة العشرين التي قادتها النجف وقيام ما يسمى بالدولة الحديثة تحت حراب الانكليز على أنقاض الثورة وكانت الازمة هذه قد أصابت الحوزة أصلا ابتداء من الاحتلال التركي الثالث عام 1831 حين قرر العثمانيون انهاء حكم المماليك وإقامة حكمهم المباشر، هم، مما غير قواعد الصراع وأدخل الحوزة منذ قيام الدولة في العزلة وأجبرت على ترك مكانها للقوى العصرية والعلمانية التي تصدرت النضال الوطني بعد الثلاثينيات، فكان من الواضح وقتها ان المطلوب هو نقلة كبرى في الشكل والمضمون وان المحاولة المبكرة التي اختطها الشيرازي في آخر أيامه بانتقاله ونقله بذلك مقر المجتهد الاكبر من النجف الى سامراء طامحا لتوسيع نطاق التشيع شمالا، ما كانت لتفي بالغرض في حينه رغم انها قد نمّت عن بعد نظر فريد وثاقب. ومن يومها ولعبة تقلب المصائر الفاجعة عادت لتشتد على وقع احتدام الازمة وإلحاح الاسئلة الصعبة حتى ظهر محمد باقر الصدر في الخمسينات وأوحى لأول مرة بمفهوم الولاية الموضوعية ومرجعية الميدان والمرجع مبسوط اليد بينما رأى الخميني الحل في قيام الدولة الاسلامية وفي قيادة المجتهد وولايته، حتى قامت الدولة ومر الزمن وثبت ان ما قد حدث لم ينه الازمة بل أبقاها مفتوحة بعد حرب بين العراق وإيران وحرب على العراق وحصار وتدمير مما أوجب في ظروف قاهرة ظهور صوت اكد وصايا الصدر الاول وأضاف لرؤيته تجربة مبدعة عاشت على مدى عشر سنين غنية قبل ان تذبح ويقتل صاحبها محمد صادق الصدر كما قتل سلفه قبل عقدين. لكن السلسلة لم تنته وهي لم تكن لتتوقف لا في إيران ولا في العراق، من منتظري الى شرعتي ومن طالقاني الى خاتمي ومن العشرات من المجاهدين في العراق الى السيد محمد حسين فضل الله المحاصر الذي جفاه الناس واعتزل كأنه يتذكر عهد جده بعد السقيفة، يناجي اذا خرج للناس لغة الملائكة بعدما أعرض عنه الانسيون وأهل الارض وهو ممنوع من حقه، يصده الجهال ويضعف صوته الغوغاء. غير ان هذا ليس اكثر من دليل على ذروة الصراع وقرب الاجوبة المعطلة التي هي ببساطة انتقال من نظام الاجتهاد داخل الدين والمذهب الى نظام دولة العارفين التي تتسع لكل التوجهات والآراء والعقائد، فلا بد من قيام نظام تعددي يتيح لكل العارفين حق المنافسة في العلم وفي توجيه شؤون الامة وهذا بشير تعد به اليوم مؤكدا، أيام العراق القادمة وهو يقترب هذه المرة محاذيا صعود الخاتمية واحتمالات لقائها مع الصعود العراقي نحو التعميم الوطني لمبدأ الاجتهاد لكي يشمل كل تيارات الافكار القومية والعلمانية وغيرها داخل دولة أمة بدل الدولة المدينة التي أدت دورها وانتهت من سجلات التاريخ والافكار، وبعد الحوزة ها نحن على موعد مع ثورة كبرى تدق على الأبواب. يقترب ذلك المسار الحي المديد الغزير الواعد من حكاية اخرى عن التاريخ والعصر، بينما تقترب آخر لحظات الحوزة لينبثق نظام أشمل مفعم بالتعددية والتجديد والانفتاح، نظام غناه يتطلب توسعا لا حدود له يمتد حتى ليقارب كل نبض الأمة وآلامها وأملها الذي يجل على الوصف... ولكن آه من ضيق رقعة »السفير« وما تفرضه من حدود على الكلام ومن شحة في عدد الكلمات، يستحيل معها نوال كرم المعنى واتساع القصد والمنشود. * كاتب عراقي مقيم في باريس.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة