As Safir Logo
المصدر:

أرمن وفلسطينيون ويهود »اللاجئ اليهودي« يقتل من جديد »اللاجئ الفلسطيني«

المؤلف: عبد الرحمن اسعد التاريخ: 2000-08-28 رقم العدد:8689

تساءل صاحبي وهو يرمي إلى هدف أبعد من السؤال موحيا أيضا بالجواب. وكان التساؤل قد جاء في سياق استقراء الماضي، والتوقف عند الوضع الراهن، لاستنباط ما قد يسود في المستقبل. أما التساؤل فقد اتخذ شكل المقارنة بين تجربتنا مع الأرمن وبين تجربتنا مع اليهود مشيرا الى أوجه شبه كبيرة في جوانب أساسية من واقع »الآخر« في التجربتين، مستخلصا في نهاية السؤال المركب سؤالا ختاميا: لكن لماذا جاءت النتيجة في التجربتين متعاكسة الى هذه الدرجة؟ لماذا أصبح الارمن بيننا كأنهم منا رغم أصولهم الاثنية (العرقية/ القومية) المختلفة، ولماذا بقي اليهود أغرابا يبتعدون عنا رغم أنهم يعيشون كذلك بين ظهرانينا؟ أما وجه الشبه الاول في تجربة كل من الأرمن واليهود فيكمن في حقيقة أنهما تعرضا لمذابح ومجازر جماعية على يد غيرنا من الشعوب غير مبررة ولا مقبولة إنسانيا. ودون ان نخوض في مستنقعات متاهة (من عانى أكثر من الآخر؟) حيث ان كل فريق من الفريقين لديه الكثير من الوقائع والحقائق والحجج التي تجعله يرى معاناته »أكبر« من الآخر، نقول: المعاناة في الحالتين كانت كبيرة بحيث تجاوزت، من الناحية النوعية في كل الكوابيس التي شهدتها الانسانية، حدود الأسوأ الى درجة أن فارق »حجم« المعاناة لا يعود في المحصلة مهما ذلك ان حاجز »الأسوأ« إنسانيا قد تم تجاوزه في الحالتين. أما وجه الشبه الثاني في تجربة الارمن واليهود على حد سواء فقد تجلى في حقيقة ان مجموعات كبيرة منهما قد هاجرت من مجتمعهم الاكبر من مواقع الاضطهاد القديمة الى مواقع اللجوء الجديدة. وكان طبيعيا ان تذهب المجموعات المهاجرة/ المهجرة الى أحضان مناطق وشعوب أكثر دفئا وأكثر تفهما وأكثر تسامحا وبالتالي أكثر قبولا لهم من مواقع الاضطهاد. وفي الحالتين، كانت حصة الوطن العربي، باعتباره »حاضنة« متسامحة مع الآخر، حصة كبيرة. وهكذا، انتهى الأرمن في أصقاع عربية عديدة مثلما سبق لليهود وفعلوا حين انتهوا ضيوفا في بلدان مثل المغرب وتونس ومصر واليمن والعراق وفي جميع مناطق سوريا الطبيعية. أما وجه الشبه الثالث فقد تجسد في حقيقة ان الضيوف الأرمن مثلهم مثل سابقيهم من اليهود الضيوف، قد تحولوا الى مواطنين حيث أقاموا. وقد تم قبول مجموعات الطرفين الأرمن واليهود على نطاق واسع كجزء من الموزاييك الاجتماعي المستجد، لهم ما لأهل البلاد وعليهم ما على أهل البلاد. بل ان ما كان على أهل البلاد من واجبات (حربية او غيرها) فاق كثيرا ما على أهلها المستجدين، مع الاعتراف بأن ما كان لهم من حقوق كان أحيانا أقل من أهل البلاد الأصليين مع التأكيد على ان الفارق بين طرفي الواجب والحق كان دائما راجحا لمصلحة الحقوق الى درجة ان المساواة كانت هي الطابع الغالب في حين ان التمييز كان هو الاستثناء. وبدون أي مبالغة، نستطيع الجزم بأن الوطن العربي و(شعوبه الأصلية) كان دائما متفوقا في تسامحه حتى عندما نعقد مقارنات بينه وبين مناطق و(شعوب) أخرى مستقبلة للاجئين سواء كانوا يهودا او أرمن او غير ذلك؟ وقد كان وجه الشبه الرابع في حقيقة ان الطرفين (اليهودي أولا، والأرمني لاحقا) قد انسجما في المجتمعات العربية مع محافظتهما في الحالتين على تراثهما بل انهما في الحالتين طورا بعض جوانب تراثهما لدينا أكثر مما طوّراه في بلادهم الأصلية، فاللغتان العبرية والارمنية كانتا قد أصبحتا لغتي صلاة غير محكيتين تم إحياؤهما. بل ان كلا منهما وان عاش في أحيائه الخاصة لاعتبارات جوهرها الاختيار الحر وليس التمييز القسري قد نجحا في دخول النسيج الثقافي (اللغة، الملبس، العادات الاجتماعية... الخ) ثم الاجتماعي الى درجة جاز معها ان نصنف فيه الحال بأنه »اندماج« والى لم يصل الى درجة »الذوبان« الذي لم يكن أصلا أمرا مطلوبا او مرغوبا. فالجميع شكل، معا، حديقة تزينها ورود... ولو مختلفة! تلكم كانت المقدمات والتطورات! أما المحصلة الختامية، أي ما آل اليه الحال في العام (2000) فقد جاءت مختلفة الى درجة مزعجة، بل ضارة وقاتلة، على الأقل في سنوات القرن الماضي. وكان وراء ذلك يهوديا سببان رئيسيان: أولهما، الفهم السياسي ضيق الأفق الذي انتهى الى صيغة الصهيونية الاستيطانية التوسعية الاجلائية الاستعمارية العنصرية. وثانيهما، الفهم الديني ضيق الأفق أيضا الذي ركز على »تفوق« اليهود باعتبارهم دون غيرهم »شعب الله المختار« الذي يخوض معاركه ضد »الأغيار الأدنى في سلم البشرية« وعلى غرار ما قال به بعضهم جيلا بعد جيل وسنة تلو السنة وآخرهم »طيب الذكر« الحاخام عوفاديا يوسف! و»بفضل« هذين العاملين، انتهينا الى عداوة لا يعرف الا الله مداها وأمدها ليس مع يهود الغزو الصهيوني فحسب وانما للأسف الشديد مع غالبية ساحقة من اليهود العرب الذين أصبحوا »إسرائيليين«! المفارقة ها هنا ان »اللاجئ« الأرمني جاء صديقا وأقام في منطقتنا ذات الأغلبية المسلمة الكاسحة فأصبح »منا وفينا«، في حين ان »اللاجئ« اليهودي الذي سبقه وجاء على امتداد القرون الماضية وأصبح أيضا »منا وفينا« سرعان ما انقلبت غالبيته لتنضم الى »اللاجئ« اليهودي الاستيطاني/ الاجلائي/ العدواني/ التوسعي/ العنصري الذي جاء تحت يافطة (هرتزل بن غوريون جابوتنسكي) ليجعل من »المضيف« الفلسطيني »اللاجئ الجديد« مضيفا إليه وطاردا معه اللاجئ الارمني والشركسي... الخ، وليكرس حالة غير مسبوقة تحول فيها »اللاجئ الضحية« اليهودي الى »اللاجئ الجلاد«! ليس هذا فحسب! بل ان »اللاجئ الجلاد« ما يزال منذ 52 عاما حتى تاريخه يمارس جلدا مستمرا للاجئ الفلسطيني من خلال الإصرار على استمرار الطرد وتجاهل قرارات الشرعية الدولية وفي الطليعة منها القرار (194). ثم يأتي إلينا »بطل السلام« الجديد إيهود باراك ليقول لنا في كامب ديفيد: لا لحق العودة للاجئين الفلسطينيين وفق القرار (194)، أي يعودون فقط الى الضفة والقطاع، والباقي »جمع شمل« لبضعة آلاف ممن عاشوا في فلسطين في العام 1948 ولم يموتوا بعد، او قد يموتون (او على الأرجح: سيموتون) قبل ان »يبرمج« السيد باراك لنا عودتنا على مدى سنوات طوال!! لكن »بطل السلام« الجديد وهو الذي أسس مجده على قتل الفلسطينيين وجعل من جماجمهم سلّما لصعوده السياسي لا يدرك ان تجاهل قرارات الشرعية الدولية، وبالذات تجاهل القرار (194) الخاص بحق عودة وتعويض اللاجئين، لا يؤسس إطلاقا لأي سلام حقيقي! بل ان ذلك »السلام« الذي يهمل (70$) من مجموع الشعب الفلسطيني ولا ينصفهم سينتهي قبل ان يجف الحبر الذي تم به التوقيع عليه، او قبل ان »يصرف« باراك »مكافأة« جائزة نوبل للسلام التي سيمنحها له المطبلون المزمرون. واللهم لا شماتة! فنحن دعاة »السلام العادل« لا نشمت بل نأسى ونحزن... على سلام عادل مطلوب ومرغوب تم قتله على »أيدي« سلام خادع مخادع، تماما مثلما قتل »اللاجئ اليهودي« مضيفه حين جعل منه »اللاجئ الفلسطيني«، ثم أعاد قتله من جديد حين رفض »معتدلو« إسرائيل القرار (194). واللاجئ الفلسطيني قد يأسى، لكنه لا ينسى، وقطعا لا يقبل بسلام يهودي عنصري خادع مخادع يسلبه حقوقه في »العودة والتعويض« مثلما سلبه في الماضي حقوقه في وطنه والعيش الانساني الكريم فيه.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة