تقول وزيرة الخارجية الاميركية مادلين اولبرايت في بيان لها بشأن دور العلوم والتكنولوجيا في السياسة الخارجية الاميركية، اصدرته في 12 ايار الماضي »في عالم يتحول بالتكنولوجيا، العلوم الجيدة، حيوية من أجل دبلوماسية جيدة«. من المسلم به ان الولايات المتحدة الاميركية باتت القوة العظمى الوحيدة في العالم عسكرياً وربما سياسياً، وكرست دورها على انها القوة الاقتصادية الاولى في العالم من دون منازع، الا ان الصفة التي تهتم بالحفاظ عليها في المرحلة الحالية، بداية القرن الحادي والعشرين هي ربما صفة »القوة العظمى علمياً وتقنياً«. وبرغم ان الولايات المتحدة تتفوق على غالبية دول العالم المتطورة في مجالات علمية وتقنية عديدة، الا انها، لا شك، تلقى منافسة فعلية من بعض تلك الدول، وفي مجالات عديدة اخرى. وهي منافسة وحتى تفوق، لا يتعلق بأمور نظرية بل بتقنيات عملية في عصر ربما تحول فيه اي تفوق تقني في مجال علمي وعملي الى تفوق ذي ابعاد اقتصادية وعسكرية بالغة الاهمية. في عصر يتحول بالفعل بالتكنولوجيا والعلوم وتقدمها. وبالتالي فإن الحفاظ على التفوق العلمي ورصد التطورات العلمية لدى الدول الاخرى المنافسة اقتصاديا وعسكريا، لا بد وان يكون عنصرا اساسيا بالنسبة لاميركا للحفاظ على موقع القوة العظمى الوحيدة في العالم. وعلى الرغم من ان دور العرب في هذا المجال محدود، الا ان دولا عربية خبرت مراراً، سياسات وحتى خطوات عملية اميركية من اجل كبح حصولها على علوم حديثة وتقنيات متطورة، تحت ذريعة احتمال استخدام هذه العلوم والتقنيات في نشاطات عسكرية. وهو جانب اساسي، الا ان هناك جوانب اخرى تتعلق بالرغبة في ابقاء الآخرين متراجعين تقنيا وعلميا، للابقاء على تفوق اميركا وعلى اتساع أسواق بضائعها، تحديداً في العالم الثالث. الا ان اميركا تخوض حالياً معركة فعلية مع دول في اوروبا الغربية واليابان والصين وروسيا من اجل الحفاظ على تفوق تكنولوجي وعلمي، يضمن لها التفوق والقيادة في المجالات الاخرى، وهو ما حدا بوزارة الخارجية الاميركية، الى تسريع وتمتين خطواتها من اجل جعل الاهتمام بالعلوم والتكنولوجيا جانبا اساسيا من جوانب السياسة الخارجية. يضاف الى ذلك ان الموضوعات ذات العلاقة المباشرة بالعلوم والتكنولوجيا، باتت ذات اهمية كبرى في السياسة الخارجية بدءا من موضوعات التسلح وصولا الى البيئة، وتحديدا بعد ان باتت موضوعات البيئة والتلوث وحرارة الجو تؤثر فعليا على مصير الدول والعالم ككل، وعلى حركة الاتصالات والمواصلات، وفي وقت باتت فيه ثورة الاتصالات والمعلوماتية محركا اساسيا للقوة والسطوة على مستوى العالم. وربما كان ابلغ مثال على ذلك ان الموضوعات الاساسية التي كانت على جدول اعمال قمة الدول الصناعية السبع اضافة الى روسيا، تضمنت موضوعات علمية وتقنية وصحية، وفي قمة جدول الاعمال، مثل خارطة الجينات البشرية وانتشار الايدز وغيره من الامراض والارتفاع في حرارة الجو وتأثيراتها على بيئة العالم. وفي سياق تعزيز دور التكنولوجيا والعلوم في السياسة الخارجية اعد مجلس البحوث الوطني دراسة، بناء على طلب من اولبرايت حول سبل ووسائل تحسين اداء وزارة الخارجية لمهامها ومسؤولياتها في مجالي العلوم والتكنولوجيا. واعتبرت اولبرايت في كلمتها ان تقوية القيادة العلمية للولايات المتحدة على مستوى العالم، وتعزيز بنيانها الاداري، من المهام الاساسية لوزارة الخارجية الاميركية حاليا. وفي هذا السياق، وبناء على تقرير المجلس اتخذت قرارات بتعيين مستشارين ومكاتب ولجان للاهتمام بكافة الجوانب العلمية والتقنية والصحية وشؤون المحيطات، المتعلقة بنشاط وزارة الخارجية. وتضمن هذا النشاط تعزيز معرفة كادر الوزارة في داخل اميركا وخارجها بالتطورات العلمية والتقنية، والسعي لتعيين علماء وخبراء تكنولوجيا في السفارات الاميركية الرئيسية في الخارج. وهو جهد قالت انه سيكتمل بحلول الشهر المقبل (ايلول). وركزت التوجهات الجديدة التي اطلقتها اولبرايت على قضايا التعاون والشراكة في مجال العلوم والتكنولوجيا، مع الدول الاجنبية والشركات، على خلفية ان السعي وراء استثمار كامل للتطورات العلمية والتقنية في اميركا لا يكفي، وان الامر يتطلب البحث عن التطورات والخبراء في ما وراء البحار، اكثر من اي وقت مضى »فالموضوعات المستندة الى العلوم تصبح اكثر فأكثر في مواقع اساسية على جدول اعمال الشؤون الخارجية، من مسائل نزع التسلح وضبط الاسلحة الى الاخطار البيئية الدولية، مثل تحلل طبقة الاوزون والتغييرات المناخية العالمية، الى انتشار الايدز، وصولا الى اتفاقيات التعاون الدولي في مجالي العلم والتكنولوجيا«. ويعتبر تقرير صادر عن وزارة الخارجية الاميركية في الخامس عشر من ايار الماضي حول »العلوم والسياسة الخارجية« ان وزارة الخارجية مسؤولة عن ضمان ان العلوم والتكنولوجيا، مأخوذة في الاعتبار في السياسة الخارجية الاميركية ومدموجة بنشاطاتها، وان الفرص من اجل تعاون دولي مثمر يشارك فيه المجتمع العلمي الاميركي يجري تحديدها والسعي من اجلها«. ففي اعقاب الحرب العالمية الثانية اهتمت مؤسسات وقطاعات وزارة الخارجية الاميركية كغيرها من القطاعات الحكومية في السعي الى تنظيم كيفية التعامل مع التطورات في العلم والتكنولوجيا. فالتقدم في العلوم والتكنولوجيا: الرادار، التقنيات النووية، تكنولوجيا الصواريخ والطائرات النفاثة، باتت عوامل اساسية تؤثر بقوة في ما يسمى »الأمن القومي الاميركي«. وكان واضحا ان التطور في العلوم والتكنولوجيا، يسير متسارعا، وان هذا التطور سيكون له تأثيرات متزايدة القوة على العلاقات الدولية. اول خطوة رسمية للتعامل مع العلوم في داخل وزارة الخارجية الاميركية، جرت في العام 1950 بإنشاء مكتب المستشار العلمي والمساعد الخاص لوزير الخارجية. الا ان اهمية هذا المكتب تراجعت باضطراد حتى العام 1956، حتى وصل عديد موظفي المكتب الى ثلاثة فقط. إلا ان اطلاق السوفيات للمركبة الفضائية »سبوتنيك«، اعاد العلوم والتكنولوجيا مجددا لتصبح قضية للاهتمام العاجل والمكثف بالنسبة الى الأمن القومي الاميركي. وادى هذا التطور الى اعطاء صلاحيات كبيرة لمكتب المستشار العلمي، وكان ابرز مهمات ذلك المكتب، بعد اطلاق »سبوتنيك«، تعزيز قدرة الحكومة الاميركية على رصد التطورات العلمية دولياً، خصوصاً تلك المتعلقة بالتكنولوجيات العسكرية والاستراتيجيات الفضائية. وبحلول العام 1965 تحول المكتب الى دائرة تهتم بتعزيز وتوسيع العلوم والتكنولوجيا في مجالات الاتصال والفضاء والدفاع والكومبيوتر. واصبح اسمه مكتب الشؤون العلمية والتكنولوجية الدولية، وبات مديره رسميا في موقع مواز لمساعد وزير الخارجية. وعلى الرغم من انه لم يكشف عن نشاط الولايات المتحدة في مجال التجسس العلمي على الحلفاء والاعداء، إلا مؤخراً بعد الكشف عن نظام ابشلون، الذي ترصد من خلاله الولايات المتحدة الاتصالات على مستوى العالم، خصوصاً بين الشركات الصناعية والمؤسسات العلمية، الا ان هذا النشاط بدأ أساساً في خلال الحرب العالمية الثانية، على خشية تطوير الالمان لاسلحة بالغة التطور مثل الرادارات والصواريخ العابرة والطائرات النفاثة وسعيهم لامتلاك القنبلة الذرية، وكان الجهد الاساسي بعد الحرب مباشرة لوزارتي الدفاع والخارجية، الحصول على ثمار التقدم العلمي والتكنولوجي الالماني، واجتذاب العلماء الالمان للعمل في المختبرات والمؤسسات البحثية والعلمية الاميركية. وفي سياق الاهتمام بدور العلوم في السياسة الخارجية اصدر الكونغرس في العام 1973 تشريعا، بانشاء دائرة المحيطات والبيئة الدولية والشؤون العلمية، تكون تابعة لوزارة الخارجية، وذلك على خلفية الاقتناع بالاهمية المتزايدة للموضوعات الدولية في مجالات العلوم والبيئة والتكنولوجيا وشؤون المحيطات. وفي العام 1978 اصدر الكونغرس تشريعاً آخر يؤكد على مسؤولية وزارة الخارجية، في مجال توظيف واستثمار العلوم في قضايا الشؤون الخارجية، وأعطى وزير الخارجية مسؤولية اولى في النظر الى وتنسيق كافة الاتفاقات الرئيسية والنشاطات في تلك المجالات مع اي دولة او منظمة دولية. وكان الكونغرس قد انشأ في العام 1961 وكالة نزع التسلح وضبط السلاح، التي ضمت علماء متخصصين وخبراء في شؤون السياسة الخارجية ودبلوماسيين محترفين. وعملت هذه الوكالة على متابعة موضوعات التسلح الدولي عبر دمج الاعتبارات العلمية والتقنية في السياسة الخارجية. في مجالات نزع التسلح وضبط الاسلحة والتوازنات العسكرية وغير ذلك. وكانت تلك الوكالة، وما زالت جزءا اساسيا من نشاط السياسة الخارجية الاميركية. وجرى في العام 1999 دمج الوكالة بوزارة الخارجية، لتتزايد مساحة الاهتمام بالعلوم والتقنيات في نشاطات تلك الوزارة ولتتأكد الاهمية الكبرى للعلوم في رسم السياسة الخارجية للولايات المتحدة. يضاف الى ذلك الاهتمام الخاص في عمل وزارة الخارجية وفي رسمها للسياسات الخارجية، بقضايا الاقتصاد والزراعة، التي تتطلب ايضا تركيزا على العلوم والتقنيات المتعلقة في هذين المجالين. ومنذ العام 1946 هناك منصب مساعد وزير الخارجية للشؤون الاقتصادية والزراعية. وفي السنوات الاخيرة جرى تشكيل لجنة الاتصالات الدولية للولايات الدولية ولجنة الاتصالات الدولية وسياسة المعلومات، لتقديم النصح الى مكتب سياسة المعلومات والاتصالات التابع لوزارة الخارجية. وتضم المؤسسات الثلاث خبراء تقنيين واعضاء في مؤسسات علمية وصناعية وموظفين رفيعي المستوى من شركات ومؤسسات. كل هذه المؤسسات والمكاتب وغيرها العديد من المكاتب واللجان المتفرعة التي تساهم في تحديد نشاطات وأوجه عمل السياسة الخارجية الاميركية، تشكل اذرعا حقيقية لنشاط علمي وتكنولوجي اخطبوطي للولايات المتحدة، تهتم أساسا بالسعي لابقاء الولايات المتحدة في قمة التقدم التكنولوجي والعلمي والاقتصادي ولرصد نشاطات الدول الاخرى، حتى الحليفة في هذه المجالات، ولوضع العقبات احيانا امام تسرب التقنيات الحديثة والعلوم الى بلدان تراها الولايات المتحدة عدوة او ربما اصبحت عدوة في المستقبل. وعلى الرغم من التطور السريع في العلاقات مع الصين في مختلف المجالات والتوسع الكبير للعلاقات الاقتصادية معها، فإن الولايات المتحدة تفرض ما يمكن اعتباره حصارا وحشيا لمنع وصول التقنيات الحديثة والعلوم الى الصين. وربما كان من ابلغ الامثلة على ذلك اتهام علماء من اصل صيني بنقل تقنيات نووية الى الصين، ووقف صفقة طائرات الرصد والاستطلاع الاسرائيلية الى الصين. ومن امثلتها الحملة الشعواء على ما تعتبره الولايات المتحدة نقل التقنيات الصاروخية والنووية والخبرات العلمية من روسيا الى ايران، والذي هو احد اهم موضوعات السياسة الخارجية الاميركية. ويقول تقرير لمجلس الابحاث الوطني، مقدم الى وزيرة الخارجية الاميركية مادلين اولبرايت في تشرين الاول 1999 »ان على وزير الخارجية ان يخطط لسياسة تدعو الى اهتمام اكبر بالابعاد العلمية والتكنولوجية والصحية في السياسة الخارجية ويعمل على تطبيقها عبر الوزارة ويؤمن توجيها بالنسبة الى مصادر خبرات العلوم والتكنولوجيا والصحة المتوافرة لمسؤولي الوزارة في واشنطن وفي الخارج«. ودعا التقرير الى تعيين 25 مستشارا علميا على الاقل، يتم انتقاؤهم بدقة، في السفارات الخارجية في بلدان تعتبر فيها النشاطات المتعلقة بالعلوم والتكنولوجيا والصحة مصالح مهمة للحكومة الاميركية. ويؤكد انه جرى بالفعل تعيين مستشار علمي في نيودلهي. وتظهر الولايات المتحدة منذ فترة اهتماما بالنشاط العلمي في الهند خصوصا في مجالات المعلوماتية، حيث تخرج الهند سنويا فائضا كبيرا من خبراء المعلوماتية، تعمل الولايات المتحدة على اجتذابهم واستثمار خبراتهم، طبعا اضافة الى التعاون التقني والعلمي بين البلدين في مجالات علوم الكومبيوتر. وكان هذا احد ابرز اسباب الزيارة الاخيرة للرئيس بيل كلينتون الى الهند. تقول اولبرايت في بيانها »اذا ارادت اميركا ان تواصل القيادة في القرن الجديد، فإن علينا ان نكون في القيادة في طريق دمج العلوم بدبلوماسيتنا، ما يؤمن لنا التقدم باندفاع كبير«.