لا يمنعها كونها أستاذة في علم النفس من ان تعالج مجالات يمكن تصنيفها واخرى من دون تصنيف. لا تنسى علم النفس لكنها تستند إليه في أبحاث ميدانية تندرج ايضا في السوسيولوجيا. لا تنسى طبعا »وتأخر الوقت« كتابها الأدبي الاقرب الى السرد الروائي، لا تهدأ منى فياض من كتاب الى مقالة وبحث ومحاضرة. انها تنسج من مقتربات شتى عامة وشخصية أثرا متصلا. فخ الجسد كتابها الاخير يتناول اشارات الجسد والحواس، وحول تجربتها وكتابها الاخير كان هذا الحوار. { الى أي حد يُستمد كتابك من الملاحظة الشخصية والمعيشة والى أي حد يستمد من الكتب والنصوص. يصعب جدا في هذا الموضوع الفصل بين الملاحظة الشخصية وبين قراءاتي من الكتب والنصوص المتنوعة. لم أستخدم سوى النصوص التي تتلاءم مع أحاسيسي، ويمكن كنت اخترت النصوص التي تعينني أكثر وهذا لم يحصل. هذا الكتاب هو ثمرة ملاحظاتي وقراءاتي خلال عشرين عام من بدء اهتمامي بالطفل المعاق والجسد المعاق لأنني قرأت كثيرا في هذا الموضوع. وثمة جانب شخصي في هذا الموضوع إذ وجدت نفسي غارقة كثيرا في عالم الجسد المعاق وعالم الاعاقات الحسية. أحببت أن أقول ان الجسد شيء آخر، وهو حرّ ومتفتح وقادر على الحركة وعلى الانفعال. وعملي على الإعاقات بين لي أهمية الاحاسيس والانفعالات التي يسببها غياب بعض الحواس او الحركات. عملي هذا جعلني أعيش معاناة من غابت أعضاؤه او لتجربة شخصية. هذا ما جعلني أنتبه الى أهمية هذه الحواس. انها نعمة يجب معرفة أهمية وجودها للاستمتاع بها. هذا ما أجده تماما في التعبير الانكليزي "Enjoy" الذي يعني الفرح والاستمتاع معا. { ما هي العلاقة التي تقيمينها بين النصوص والملاحظات واليوميات المعيشة. النصوص جزء من الحياة. أنا من الذين يقرأون كثيرا والنصوص جزء من حياتي. وبعض النصوص تمنحك الاكتفاء والمتعة تماما هي معادلة لعملية العيش الرغد. هناك لحظات كثيفة نعيشها بالامكان التعبير عنها واحيانا نجد هذا التعبير في بعض النصوص البديلة، نلاحظ انها مدهشة وتلتقط أشياء مرهفة لا يستطيع البعض التقاطها. انها على الورق مفيدة جدا للبعض الذي فاته التقاطها. أنا شخصيا لا أفصل بين النص والمعيش لأن بعض النصوص تفتح الآفاق وتجعلك تتابعينه ويمنحك فكرة كاملة، يمكنك ان تجديها بمجرد ترتيب بعض النصوص. سيرة شخصية { هل يمكن اعتبار »فخ الجسد« سيرة شخصية للعلاقة بالجسد؟ سيرة شخصية بمعنى وجود الشخص أي وجودي، علاقاتي مع الآخرين، قراءاتي، تعاطفي مع الآخر بمجمل أحواله، بهذا المعنى كل كتاب هو جزء من رؤيته الى العالم، جزء من خصوصيات تجربته. هل من الممكن الكلام على شيء لا يعنيني ككاتبة وكامرأة وكشخص. عند الدخول في التفاصيل ثمة حساسية تجذبك إليها لمعرفة أهميتها. { هذا النمط من الكتابة هل هو نوع من السيمولوجيا، سيمولوجيا الجسد، أم أنه عصيّ على التصنيف. كتابي أقل من سيمولوجيا جسد. عندما أريد ان أكتب سيمولوجيا جسد يلزمني كمّ هائل من الاجزاء والمواضيع والزوايا ان من ناحية التواصل، التعبير، السوسيولوجيا الانتربولوجيا. كلا كتابي أقل من سيمولوجيا لأنها أغنى وأشمل وأكثر دقة. { هل الكلام على الجسد جزء من كلام امرأة على نفسها ومدخل لعلاقة أكثر حرية بالعالم والنفس؟ مطلق كتاب يكتبه شخص هو كلام عنه بالنهاية سواء كان رجلا او امرأة. فمجرد اختياره لهذا الموضوع وزاوية النظر إليه، ولطريقة تدبير تشابك الأفكار وسياقاته، هذه كلها أمور شخصية وذاتية. لأن أي عنوان بحث يحيل على العديد من الطرق والالتماسات للبحث او للكتابة او للتعبير. عندما أسمع أحدهم او إحداهن يقول »سبقني فلان او فلانة الى معالجة هذا الموضوع« أجد ان هذا كلام متسرع وسطحي. لا أحد يأخذ من أحد شيئا الا بعد التعبير عنه. عندها فقط يمكن الاستعارة، او التعبير المعاكس او الاضافة. اذا كانت هناك فكرة خاصة عندي فهي من تعبيري وما عند الآخر من تعبيره وحساسيته. فكل ما نعالجه بالتالي يتضمن الكثير من الخصوصية. في كتابي »فخ الجسد« ثمة الكثير من الخصوصية والأمور التي أحب معالجتها. وأحب ان أكتب عنها بالشكل الذي كتبت ولا أستطيع القول أنها بمنأى عن القيود. فليس ثمة من كتابة من دون قيود. لكن مع أقل القيود الممكنة. النسوية { هل لكتاب كهذا صلة بنزعة نسوية؟ حكايتي مع النسوية متفاوتة. أحيانا أشعر نفسي نسوية تجاه مقال بطريركي ذكوري متعصب. إحساسي عندها نسوي وأشكر في سري الحركة النسوية على وجودها. على كل حال لو لم تكن ثمة حركة نسوية لكان وجود أشخاص مثلي صعبا. بعد ان كتبت سيمون دي بوفوار كتابها الشهير أصبح بإمكان كاتبة مثلي القول »أنا غير نسوية«. لو لم يوجد مثل هؤلاء الاشخاص وهذه التيارات لكنت أعدت ما قالوه. اذا اتفقنا على هذه المسألة، فبإمكاني القول بأن كتابي بهذا المعنى غير نسوي. ولم يرد في ذهني هذا الموضوع. لأنني أتعامل الآن مع نفسي والآخرين كشخص بذكورته وأنوثته، ضعفه وقوته. مقياسي لم يعد ينطلق من محاربة الآخر، ثمة تناغم في روحي وجسدي وكتابتي. أنا ضد أي استغلال او لا عدالة تجاه النساء. أما أن يكون »فخ الجسد« نسويا فبالعكس انه دعوة الى المصالحة مع النفس، وبالتالي هي مصالحة مع الآخر سواء كان إمرأة أم رجلا. شذرات بارت { حيال كتاب رولان بارت شذرات من خطاب العشق نجد كتابك على غراره من ناحية الترتيب. الى أي درجة يعتمد كتابك على الأدب أيضا؟ أنا منذ فترة أطلب نسخة من مقتطفات من كتاب العشق. قرأت عنه كثيرا ولم أعرف كيف اشتغل بارت عليه، لا تبويبا ولا عملا. سؤالك جعلني أسأل بيني وبين نفسي بأنني عملت شيئا يشبه ما عمله تقنيا أي قراءة خاصة لقراءات عديدة. او بمعنى آخر أعدت كتابة قراءاتي بالمعنى الذي استشهدت فيه ب»داريدا« في مستهل الكتاب. لأن ما كتبه يتلاءم مع ما أعبر عنه وأحسه. ولا أستطيع الجزم بما يمكن عمله فيما لو كنت اطلعت على كتاب »بارت« قبلا. ولعلي كنت استفدت واستعنت به لأن من المؤكد أنه يملك ما أريد التعبير عنه، ولكنت قلّدته بالمعنى اللاشعوري أي بالتماهي معه. هناك الكثير من الأماكن والزوايا والتقاط بعض الاحاسيس والانفعالات من بداية نشوء علم النفس، سندها هي الأدب. أنا أجد الأدب ضروريا ولا أستطيع العيش من دونه. إنه الذي يأخذنا الى أمكنة التعبير والخيال، وبعض الأدباء والفنانين يعبرون بشكل ممتاز عن مواضيع لا يجدون لها تفسيرا علميا الا متأخرا. الفن والأدب يسبقان العلم. ومهما كان كتابي لا يمكن ان يتم من دون اللجوء بالأدب. تدريسي في الجامعة قائم جزء منه على الاستشهاد بالفنون والآداب. الأدب هو جزء من وجودنا. قد نغرم بأشخاص تماما كما نغرم بالكتب وهناك كتب أُغرم فيها كما أغرم بشخص. انها تُضيف وتُغني فكيف أكتب كتابا من دون هذا المُعطى المهم. { كتبت سردا في ما يشبه رواية محورها الداخل والمشاعر والعلاقة بالجسد أيضا. هل تظنين كتابك الجديد استعادة مختلفة، أم امتدادا لروايتك؟ روايتي التي كتبتها هي تعبير خاص عن كيف نعيش الحرب بشكل جواني. وكتبت في »تأخر الوقت« كل ما لا يمكن التعبير عنه في بحث او بمقالة او بدراسة أكاديمية. لأن ليس من مساحة تستطيع التعبير عن ما عشناه في حرب. »فخ الجسد« مختلف. انه قبل »تأخّر الوقت« وأثناءه، وبعده. هو كل ما جمعته على هامش حياتي وقراءاتي في هذا الموضوع الذي يستحق في نظري ان نعطيه أكثر من جزء من اهتمامنا. لو أردت الاستطراد في المواضيع والأفكار لكنت احتجت الى اكثر من كتاب. أريد نوعا من الوحدة في الكتاب لذلك أقصيت الكثير من المواضيع والزوايا كأحوال للجسد لا أستطيع الاستطراد فيها كالجسد الراقص وهو غير الجسد المتحرك وغير الجسد الاستعراضي. الجسد المتألم مثلا بإمكاننا ان نفرد له كتابا خاصا. هناك فكرة داخلية يجب ان تبقى ممسوكة من دون تعريضها للضياع.