في احد مقاهي التل في طرابلس، يخرج احدهم »بادجا« يحمل صورة الوزير نجيب ميقاتي مؤكداً دعمه له: »حكيولنا مرضي عنو... بس تاعون البترون كلهن بدي سقطهن«. »بس هايدي طائفية« يرد عليه شاب مازحا، لكن الاول يهز كتفية مغادرا من دون اكتراث. ولا يتوانى آخر في التعبير عن »مشاعره« الانتخابية قائلا »سأنتخب اللي بيقبّض«. ليس حديث المقهى ذاك »صالونيا«، بل ان الشؤون الانتخابية في طرابلس (كما في سائر المناطق) يتم تداولها بصراحة خضراء ضوءاً ونقداً، صراحة لا يعكر قليلا من جفافها سوى الشائعات الكثيرة شبه اليومية التي يسلي بها البعض أنفسهم، فيما تزيد من تشنج الآخرين. »الخدمات الملتزمة« تبدو الخدمات بمثابة لغة الانتخابات الاولى. بعضها »خدمات ملتزمة« واخرى تبحث عن »خط«. فلدى دخول مكتب طه ناجي الانتخابي، من جمعية المشاريع الخيرية الاسلامية، تظن لوهلة انه مكتب تسجيل للمدارس التي أسسها (يوزع منشورات لبعض هذه المدارس) او مركزاً صحياً لتوزيع الخدمات. يجلس في المكتب اربعة شبان جميعهم منتسبون للجمعية، فيما يديره ابن اخيه، وتبدو الحركة الخفيفة على المكتب مستوحاة من الملتزمين بخط الجمعية. بعد اربع صفحات من تفصيل المشاريع وخدماتها في المنشور الملون الذي يوزعه، يخصص الصفحة الاخيرة لشعارات سياسية عامة يؤكد فيها ان »خدمة الطائفة لا تكون على حساب تدمير الوطن«. والتأكيد واضح على »الاعتدال« مثلما هو الوضوح في »الثوابت العامة« مثل اكتساب قوة لبنان من »علاقته مع الشقيقة سوريا« او ان »القوى الأمنية اللبنانية المختلفة ركيزة لزرع امن اجتماعي عادل«. وهو بذلك »يحافظ على الشباب ويصون النشء«. يقول ابن اخ المرشح الذي يدير المكتب »ان الانتخابات بالنهاية هي لعبة سياسية. لا اعرف ما هي القياسات السياسية ولا ندخل في مثل هذه السجالات لاننا عمليون...«. »الخدمات الملتزمة« لا تخص الجمعيات الاهلية ذات الطابع السياسي فقط، بل تطال الزعماء القدامى الذي يملكون مراكز خدماتية مباشرة كالمستوصفات وغيرها او عبر نفوذهم في الدولة الذي يستخدمونه في توزيع الوظائف. ولم يخف الرئيس عمر كرامي ذلك في مقابلته التلفزيونية الاخيرة، وان كان قد ابدى انزعاجه من لا »عدالة« المحاصصة. غير ان خدمات التوظيف لا تصيب نسبة كبيرة من شباب منطقة شعبية مثل التبانة. وليس كرامي من المشهورين بكرم الخدمات المدرسية او الاستشفائية التي اضحت مدار منافسة شديدة لا سيما في السنوات الاخيرة مع تزايد المتمولين المحدقين بمقاعد النيابة. غير ان ذلك لا يحكم وحده مزاج المؤيدين، اذ يلتف بعض الشبان، ومنهم سينتخبون للمرة الاولى حول شاب ثلاثيني يدير احد مكاتب كرامي في التبانة. ويوضح اسباب تأييده لكرامي »بالعلاقة القديمة والخدمات الاجتماعية غير الموسمية. والاهم من ذلك هو التاريخ الذي يربطنا فيه بعكس الآخرين«. لا شك في ان الحماس لكرامي قد ازداد مؤخراً إثر ضغوط على لائحته مما جعله يعاود استنشاق رائحة التأييد الشعبي لزعامته وهو يلوح من شرفة منزله للحشود التي سارت في تظاهرات نحو منزله. وإن كان شبان مكتب كرامي يكنون مشاعر له، فإنهم سينتخبون بالاضافة إليه مرشحين آخرين من لوائح منافسة مثل موريس فاضل الذي يعيدون الفضل إليه في اضاءة منطقة التبانة. ويوضح شاب المعادلة بوضوح: »الانتخابات هي على مستوى روشيته الدواء والذي يخدمنا سنردها له في هذه المرحلة. ولو ان هناك دولة بالمعنى الحقيقي لا ننتخب ايا منهم بمن فيهم كرامي«. وهم لا يتوانون عن المشاركة في مسيرات المرشحين الآخرين الذين يزورون المنطقة« ونكثر من التصفيق لهم حتى نشجعهم ليذبحوا خواريف...«. أطفال التبانة ينتخبون... يجلس نحو عشرة شبان في مكتب المرشح محمد الصفدي. يلتف اربعة منهم حول طاولة يلعبون الورق، فيما يكرر طفل الدخول الى براد المشروبات الغازية الفارغ حينها محولا اياه الى مكيّف. مما يذكر بذلك الطفل الذي كان يوزع مناشير في شوارع طرابلس مع لافتة كتب عليها »اطفال التبانة ينتخبون...«، وهي المنطقة الاولى من حيث نسبة عمالة الاطفال. يبدو الصفدي المثال الابرز على تلك الخدمات غير الملتزمة بتوجه سياسي معروف مسبقا، فلا يعلم شباب مكتبه الانتخابي عنه غير خدماته الكثيرة: »سجّل ولاد بالمدارس... وزّع ألبسة ولحمة وإعاشات في رمضان«. فيما يؤكدون تهاوي درج مستوصفه نتيجة كثرة الازدحام عليه ممن يحملون امراضهم و»روشيتات« ادويتهم ليغطي لهم تكاليفها. ومن بين هتافات وتصفيق الشباب التي يقطعون بها الحديث مراراً لدى صراخ احدهم: »زقفة للصفدي«، يشرح شاب »اضطراري الى انتخابه لانه خدمنا أنا وعائلتي«، فيما يؤكد آخر ان كلا من الشباب قد تقاضى شهريا مئة دولار لعمله في الماكينة الانتخابية، ويمد آخر يده مظهراً خاتم خطبة »لبسته قبل الانتخابات وسأشلحه بعدها بأسبوع...«. اللافت ان كثرة تعمل لمصلحة اكثر من مرشح في لوائح مختلفة، وحبال الصور جاهزة وتستبدل سريعا. ويذكر البعض ان مرشحا باغتهم في حضوره قبل استبدال حبل صور المرشح الآخر. وليس اكثر دلالة على ذلك سوى قول شاب يدير مكتباً انتخابيا لاحد المرشحين »لا نعرف خيره من شره!«، مؤكداً ان ايرادات شهري انتخابات تغطي سنة عمل في محل البليار الذي قلما يتقاضى منه شيئا لان الشباب »يسجلون حسابهم على الدفتر«. وفي المكتب الانتخابي لاحد المتمولين الجدد، المرشح للانتخابات والذي لا يبدو انه دخل بعد الى عقول الشباب ولا الى قلوبهم، تتردد اسماء مرشحين آخرين ينوي العاملون في مكتب المرشح المتمول انتخابهم. »مرشحنا الاول هو محمد مطر، فقير مثلنا مثله ويسكن في التبانة في سوق الخضرة«، ويؤكدون انهم يساعدونه من دون مقابل، فيما يشارك آخرون في تغطية حملته الانتخابية شحيحة التمويل، ولا يظهر انهم يعيرون اهتماما الى توجهه السياسي بقدر ما ينظرون الى مشاركته السكن معهم في المنطقة الفقيرة نفسها. ولدى ذكر شاب اسم كرامي صارخا »بالقوة بالمنيح عمر كرامي مرجعيتنا«، ظهر الانقسام واضحا وسط الصراخ السافر المتبادل قبل ان يبدأوا بالتشاور في ما بينهم بصوت منخفض ليرتجل احدهم »لم يعمل الافندية لنا شيئا منذ خمسين سنة، لكننا سننتخبه...«، ويظهر واضحا ان الشباب الاكبر سنا يميلون اكثر الى تأييد كرامي. ويترافق ذلك مع تأكيد احدهم ان الآباء بمعظمهم يؤيدونه، اما الشباب فهم اكثر بعداً عنه. باسييف يروّج الشائعات يختلط خطاب الخدمات بالزعامات بالطائفية، وتطل الاخيرة من بين الجمل، بخجل احيانا، مثل قول احدهم ان المرشح بابتي يحكي بوضع الاسلام او ان كرامي هو من يمثل الطائفة السنية، واحيانا اخرى بشكل عدواني، وهو ما تستشعره من قول احدهم وسط موافقة الآخرين له: »اعطينا في انتخابات العام 1996 الروم والموارنة اكثر مما اعطونا. انتظر مفاجآت بالاخص من المسلمين في هذه السنة«. ويتقاطع ذلك ما ورد في احدى نقاط بيان الجماعة الاسلامية الاخيرة في انها دخلت في انتخابات العام 1996 »في تحالفات مع كثير من المرشحين المسيحيين واعطت بصدق ولم تأخذ بالمقابل... مما اوجد رد فعل في ساحتنا«. ليس مستغربا ان تلتصق الشائعات بالحقائق في مثل هذا المستوى الذي وصلت إليه الانتخابات في طرابلس. ويكفي تأمل اقوال عدة وردت على لسان شاب واحد: »الضوء الاخضر شايفينو منيح... هناك مرشح ارثوذكسي ساهم في تمويل تسليح روسيا في حربها ضد اخوتنا في الشيشان... وعدنا مرشح علوي في الانتخابات السابقة بتحويل السينما الى معمل خياطة. طيب يشغل العلوية فقط فيه، بس يوفي بوعده... بيقولوا إنو الصفدي رح يعمل مشروع بالتبانة بقيمة مئتي مليون دولار...«. ويذكر ان شائعة ترشح النائب نجاح واكيم عن المقعد الارثوذكسي في طرابلس كانت قد سرت في احدى ليالي المدينة قبل ان تنشر في صباح اليوم التالي بالمانشيت العريض على الصفحة الاولى لاحدى الصحف الطرابلسية، فيما جاء في افتتاحية صحيفة محلية اخرى ان »المال تفلّت من تقليد بيع وشراء الاصوات، بالمفرق او الجملة، الى حد التوهم وصورة »شبيك لبيك«، اذ يكفي لخطأ فني في مركز السنترال ان يطلق، كالنار في الهشيم، شائعة ان احد المرشحين المتمولين قد سدد كامل فواتير الهواتف المقطوعة في القبة... مع ملحق مؤكد في بقية مناطق المدينة!«. الحركة، في المقابل، خفيفة في مكتب النائب احمد كرامي في التبانة حيث يجلس شابان بخجل حول مدير المكتب الخمسيني. والحركة الوحيدة تجدها في صوت الرجل الذي يكيل المدائح للنائب مؤكداً انه يستقبل طالبي الخدمات حتى في الساعة الثالثة فجراً... ويمد يده فجأة وهو يقول »شوف كيف اقشعر شعر بدني«. تظهر قلة الحركة مرتبطة ب»امتناع« المرشح سمير الجسر عن الترشح. وتقتصر بالتالي ماكينة الرئيس الحريري على الارشفة واحتساب حظوظ المرشحين يوميا. ويتردد ايضا ان صراعا قد دار في طرابلس بين صلاحيات تيار »شباب المستقبل« وبين خريجي الجامعات الدارسين على نفقته في ما يشبه صراع نفوذ في »دولة« الحريري. لم يعد بمقدرة الزعامات التقليدية الاستغناء عن الممولين »الكاش« الذين يبدأون بدورهم ترسيخ زعاماتهم، بالاستفادة من اسم العائلة او الشعور الطائفي والمناطقي او من الاضاءة الخضراء وعن امتلاك مشروع سطحي للبلد في احسن الاحوال. ويربون تدريجيا شبابا »يبحثون عن معنى للحياة« على حد قول شاب فتش عن مشروع تغييري قبل ان يصبح »عمليا« فيلتحق بمشروع احد المتمولين الوافدين، فالخدمات لا تكل من البحث عن خط تلتزم به لتؤمن عبره شعبية تدخلها القلوب والعقول.