As Safir Logo
المصدر:

العراق وسوريا: السياسة جانباً.. التجارة أولاً

المؤلف: حيدر زياد التاريخ: 2000-08-16 رقم العدد:8679

لا يجوز عادة فصل السياسة عن الاقتصاد، ولا الاتفاقات التجارية عن المصالح السياسية. ولهذا يمكن القول ان العلاقات العراقية السورية لم تشهد تحسنا كالذي تشهده الآن على الرغم من ان البلدين اقتربا كثيرا في السابق من الوحدة والتلاحم، وإنما من دون ان يضعا خلافاتهما جانبا بحق. والآن، على اختلاف الظروف واشتداد الاحوال على الشعب العراقي، ورغبة السوريين بفعل ملموس يبدد الشعور بالعجز امام محنة قطر عربي عقدت عليه الآمال وتلاشت، الى جانب مسعاهم لايجاد مخرج لمنتجاتهم الاقتصادية، فإن البلدين يشدان على ايدي بعضهما البعض من الناحية التجارية والانسانية لكن من دون ان يتجاوز ذلك من الناحية السياسية قضية تبديد الجرح بينهما. لكن البلدين تمكنا على الرغم من خلافاتهما السياسية، ويقين القيادة السورية، كما العرب في اغلبهم، بالجرح البليغ الذي احدثه الغزو العراقي للكويت في آب 1990 في العلاقات العربية العربية، ان يحققا شيئا على المستوى التجاري، وبلغ مستوى التبادل التجاري بين الطرفين حدود الخمسمئة مليون دولار. فالحاجة لاستيعاب الماضي من مصالح الحاضر تبدو جلية للاقتصاديين السوريين الذين استطاعوا بفتح اسواق العراق لمنتجاتهم ان يجدوا منفذا لهذه البضائع التي تلقى منافسة عالمية شديدة في الخارج ولا تلقى من يتحمل ثمنها في الداخل، ومنفذا لاصحاب الشعور القومي الذين لا يرضيهم ان يكونوا جزءا من خطة وضعتها القوى الخارجية »الامبريالية« ونفذها، عن جهل او علم، الطرف العراقي. وكانت الصحف السورية تحدثت خلال الزيارة التي قام بها الوفد العراقي وعلى رأسه وزير التجارة العراقي محمد مهدي صالح عن رغبة لدى الطرفين في رفع سقف التبادل التجاري بينهما الى المليار دولار، وذكرت هذه الصحف ان آخر اتفاقية وقعت بينهما كانت حول منتجات سورية نسيجية بقيمة 16 مليون دولار تصدر الى العراق، واتفق السوريون ايضا مع العراقيين على إنشاء مصفاة نفط مشتركة وتشغيل خط النفط العراقي السوري المتوقف منذ العام 1980 اضافة الى زيادة نسبة المستوردات العراقية عن طريق المرافئ السورية من مليون طن الى ثلاثة ورفع سقف الصادرات اليه وكان العراقيون افتتحوا مكتب المصالح التجارية العراقية في بدايات هذا العام. وآخر خطوة تقارب بين البلدين كانت بافتتاح خط القطار بين حلب والموصل، المخصص للركاب والبضائع، والذي قام برحلته الاولى من الموصل الى حلب لاول مرة منذ ثمانية عشر عاما منذ ايام فقط وعلى متنه 31 راكبا اغلبيتهم من التجار وذلك بعد 18 عاما من الاغلاق التام للحدود بين البلدين. وكان السوريون اول من كسر الجفاء عبر مساعداتهم الانسانية من أدوية واغذية كانت تعبر الطريق الصحراوي بين دمشق وبغداد بشكل يومي. واول زيارة لوفد تجاري سوري عبر الحدود المغلقة بين البلدين كانت زيارة وفد التجارة والصناعة السوري في العام 1997 وكانت نتيجتها إعادة فتح الحدود واعتماد مركز التنف السوري كمركز للتبادل التجاري وفقا لاتفاقية النفط مقابل الغذاء. وكان الرد على الزيارة السورية بمشاركة العراق لأول مرة بجناح للمنتوجات العراقية في معرض دمشق الدولي افتتحه حينها وزير التجارة العراقي ومن ثم قيام السوريين بالمشاركة بمعرض مشابه في بغداد بعد شهرين، وكان لهذين اللقاءين دور كبير في تنشيط العلاقة التجارية بين البلدين اذ سمحت للعراق بالتعرف لاول مرة منذ عشرين عاما على ماذا ينتج السوريون. وقد سمحت اتفاقية النفط مقابل الغذاء بتوريد المنتجات السورية للعراق دون قيود كبيرة خصوصا بالاخذ في الاعتبار الحدود الكبيرة التي تصل بين البلدين. ويتم العمل عبر هذا البرنامج من خلال مناقصات يعلن عنها العراق ويتم توريد السلع له مقابل بيع حصة من النفط تأخذ من حسابه في الامم المتحدة، ولا تخفي مصادر غرفة التجارة السورية اهمية ما يتم توريده من خلال السيارات الكثيرة الزائدة الى دمشق والمدن السورية المختلفة لدرجة لم يعد هناك بيت سوري إلا وفيه منتج عراقي او قادم من العراق، إلا أن المصادر ذاتها لا تذكر وجود أية إحصائية تذكر بالارقام ما يتم ايراده الى سوريا عبر هذه التجارة الحدودية والتي تتم وفقا للمادة عشرين التي تسمح للقطاع الخاص العراقي باستيراد ما يشاء وتسديد ثمنه عبر مصارف في الخارج. وتضيف مصادر غرفة التجارة انه اصبح للسوريين وكلاء تجاريون للشركات المحلية الآن في بغداد الامر الذي يعتبر خطوة أساسية في ترسيخ ما تم الاتفاق عليه على المستوى الرسمي، ويذكر السوريون ان المنافسة الاساسية لهم في السوق العراقية تأتي من الاردن الذي سمح له بتوقيع اتفاقية خاصة مع العراق باعتباره اكثر المتضررين من حرب الخليج ولهذا فإن السلع الاردنية رخيصة جدا في العراق لكونها تعامل معاملة خاصة. وتظهر أرقام الميزان التجاري فائضا لمصلحة سوريا سجل في العام 1997 (آخر الاحصاءات الرسمية المعلنة) ما قيمته 5،37 مليون ليرة سورية. وشكلت الصادرات السورية للعراق في العام 1997 حوالى 7،2 في المئة من اجمالي الصادرات السورية للدول العربية وحوالى 7،0 في المئة من اجمالي الصادرات السورية وهي تأتي في المرتبة الثامنة من الدول العربية إلا أن هذه الارقام قد ارتفعت كثيرا الآن خصوصا وان حجم التبادل التجاري بين البلدين قد بلغ بحسب المصادر الرسمية 500 مليون دولار، الا ان المصادر الرسمية السورية ما زالت تصرّ على كون الارقام التي تدل على حجم الصادرات السورية الى العراق »سرية يمنع تداولها«. ولم يستورد السوريون من العراق حتى الآن اي شيء، فيما اهم السلع المصدرة للعراق كانت من الحبوب (القمح والعدس) والادوية والمنظفات اضافة الى الصناعات الزجاجية والنسيجية ومواد البناء. ويعاني العراق من شحة سلعية وتدهور خطير في سعر صرف الدينار وتضخم في اسعار السلع وتنامي الدين العام وتوقف عمليات التنمية وعدم توفر مستلزمات الصناعة من مواد اولية وقطع غيار والتفاوت في توزيع الدخل اضافة الى هجرة العقول، إلا أن القطاع الزراعي شهد تحسنا في النصف الثاني من التسعينات حين ارتفع نصيب الفرد من الناتج الزراعي الى 1288 دولارا في العام 1996 من 821 في العام 1990 وذلك مع بداية تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء والادوية في العام 1996 والذي سمح للعراق بتصدير ما يوازي 2 مليار دولار من النفط مقابل الاغذية والادوية. وبلغ حجم الصادرات العراقية حتى الآن 30 مليار دولار لدى العراق عبر هذا البرنامج اقتطعت منها الامم المتحدة حسب الاتفاق ذاته ما قيمته 9 مليارات دولار ووصل للشعب العراقي منها حوالى 6،7 مليار فيما تعطل الباقي كعقود او قيد الشحن. ويملك العراق ثاني اكبر احتياطي نفطي في العالم اضافة الى ثروات مائية وقوى عاملة كبيرة والكثير من الصناعات الهامة، التي توقفت او تراجعت كثيرا، في مجال النفط والفوسفات والصلب والحديد والالمنيوم والبتروكيماويات. وكانت حكومتا البلدين وقّعتا في العام 1979 اتفاقية لتسهيل التبادل التجاري بينهما وإعطاء اعفاءات للسلع المتبادلة. ورغم ان الاتفاق لم يستمر طويلا بسبب انقطاع العلاقات بين البلدين في تشرين الاول من العام 1980 (انخفض التصدير العراقي لسوريا من العام 9179 الى العام 1983 من 1883074 الف ليرة سورية الى 88 الف ليرة سورية ومن الجانب السوري انخفض التصدير من 229115 الف ليرة سورية في العام 1979 الى 151 الف ليرة سورية في العام 1983 فأغلقت الحدود بين البلدين وبدأت مرحلة من الجفاء الحاد لم تتوقف حتى عودة فتح الحدود في العام 1997) إلا أنه (اي اتفاق 1979) نص على »إطلاق حرية تبادل المنتجات الزراعية والحيوانية والثروات الطبيعية وتحريرها من كافة القيود وإعفائها من الرسوم الجمركية وجاء الاتفاق كتحقيق »لأهداف الوحدة الاقتصادية العربية واحكام السوق العربية المشتركة« و»تنفيذا لمقررات ميثاق العمل القومي المشترك الذي وقّعه البلدان في بغداد بتاريخ 26/10/1978. وألغى الاتفاق المذكور اتفاقا يعتبر الاول بين العراق وسوريا في إطار تفعيل التعاون التجاري والاعفاء من الرسوم الجمركية وتسهيل حركة الاشخاص والسلع وهو اتفاق وقّع في العام 1961 وألحق ببروتوكول معدّل في العام 1967 ولكنه عاد وتعرّض لنوبة تجميد بسبب مرور العلاقات العراقية السورية بأزمة جديدة دخل البلدان في غمارها بوصول بعض رجالات البعث في العام 1968 الى بغداد إثر خلافهم مع القيادة الحزبية الجديدة في دمشق. وأهم الصادرات السورية حينها الى العراق كانت من المنتجات الزراعية (كالبندورة والفول والعدس والحبوب) اضافة للاسماد والحرير والنسيج وقمر الدين فيما كانت الواردات العراقية تتكون من نفط خام ومشتقات نفطية وسمسم واسماك نهرية. إلا أن الرغبة في إعادة بعض الروح للتضامن العربي في السبعينات وخصوصا بعد اتفاق السادات مع اسرائيل في العام 1978 قادت الى توقيع ميثاق العمل القومي بين البلدين والذي كان مضمونه السياسي يتغلب على خلفيته الاقتصادية، ولكن رغم هذا فإن هذا الميثاق ضخّ الدم في العلاقات التجارية التي قادت الى تشكيل اللجنة السورية العراقية العليا. واذ تجتمع هذه اللجنة الآن لاول مرة منذ عشرين عاما فإنها تستند في كثير من بنود عملها على الاتفاقية التي وقعت في العم 1978 ولم تدخل حيز التنفيذ وتضمّن جدول عمل اللجنة الجديدة قيام العراق بالاستفادة من الخبرات السورية في بعض مجالات التصنيع النفطي والنسيجي إضافة الى الاستمرار بالمشاركة في المعارض المشتركة، وتسهيل حركة الافراد والسلع وإقامة مشاريع مشتركة خصوصا في مجال الصناعات النفطية، وزيادة حجم المستوردات العراقية عبر الموانئ السورية والتي ما زالت بحدود المليون طن عبر مرفأ طرطوس. ورغم ان الاشارات الودية على مستوى التخاطب الاعلامي بين البلدين تأتي من بغداد في الاغلب إلا أن دمشق تبدو قد وضعت جانبا اي استراتيجية للعودة الى »المواثيق الوحدوية« المرفقة بالغالب بضجيج إعلامي صاخب، لتركّز على ترك باب التجارة مفتوحا على مصراعيه في وجه كل »أخ« وكل »صديق« على أمل ان تثمر التجارة عما فشلت به السياسة والايديولوجيا.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة