بعد أشهر قليلة على بدء الثورة، بدأ طالبو اللجوء من السوريون الوصول إلى اسبانيا. يحتاج الأمر إلى إرسال دعوة للزيارة من أحد الأقارب أو الأصدقاء، تتيح لهم الحصول على تأشيرات دخول إلى الاتحاد الأوروبي من السفارات الاسبانية المجاورة لبلدهم.. في العام 2011، بلغ عدد طالبي اللجوء 97 شخصاً. قبل أن يرتفع في العام 2012 إلى 254 شخصاً، ليصل مع تصاعد الأحداث في العام الماضي إلى 725 شخصاً، ما يعادل في المحصلة النهائية 1076 شخصا. عدد يبدو ضئيلاً مقارنةً بدول أوروبيةٍ أخرى. فأغلب مقدّمي طلبات اللجوء لا يرغبون بالقدوم إلى اسبانيا، بسبب ما يعانونه فيها من ذلٍّ واهانة. والعدد الأكبر من الواصلين إليها أرسلوا من دولٍ حال اللجوء فيها أفضل، كالسويد وألمانيا، وذلك لمخالفتهم قانون دبلن، الذي يمنع الحصول على تأشيرة من بلد، وتقديم اللجوء في بلدٍ آخر. وينصّ القانون على إعادة طالب اللجوء إلى الدولة التي حصل منها على التأشيرة. يقدّم الراغب باللجوء طلباً في مكتب خاص في وزارة الداخلية الإسبانية، قبل أن ينقل إلى مركز خاص بطالبي اللجوء. تحصل العائلات فيه على غرفةٍ مستقلة، بينما يتشارك كل ثلاثة من العزّاب، أو العزباوات غرفة واحدة. لا يحق لأحدٍ غير موظّفي الأمم المتحدة، والمنظمات الإنسانية، والإداريين والعاملين في المركز، بالدخول إلى الغرف. يفتَح باب المركز الساعة السابعة صباحاً ويُغلَق عند الحادية عشرة مساءً. تتغيّر مدّة البقاء في المركز، بتغيّر الحالة الاجتماعية. بحسب القوانين الجديدة لا يحق للأعزب البقاء لأكثر من ستّة أشهر. بينما يحق للعائلات البقاء لسنة كاملة. أما المساعدات المالية، فتقدّم للّاجئين من مكتب المهاجرين في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، الذي تصل المساعدات إليه من منظمات أوروبية وعالمية، قبل أن يقوم بتوزيعها عبر المؤسّسات العاملة في المجال الإنساني. مشاكل المراكز رغم ذلك يتعرض سكّان هذه المراكز لمعاناةٍ شديدة. فنوعية الطعام المقدم سيئة، رغم وجود مطبخٍ يُدار من قبل طبّاخين مختصين. أما المخصّصات المالية فهي شبه معدومة، حيث تحصل العائلة المؤلّفة من 5 أفراد على مبلغٍ لا يتعدى الـ270 يورو شهرياً، ويحصل العازب على 105 يورو شهرياً. يقول عبد الحموي: «سعر بطاقة المواصلات الشهرية 54 يورو، والخمسون الباقية لا تكفي لشراء بسكويت للأطفال». لكن المشكلة الأكبر تظهر حين يتوجّب على الأفراد ترك غرفهم، عند انقضاء فترة إقامتهم في المركز. فرغم أن القانون ينصّ على تقديم مساعدات مالية تسمح لطالبي اللجوء باستئجار منزل، والحصول على غذائهم اليومي، وبطاقة مواصلاتهم الشهرية، على امتداد عام كامل، إلّا ان مكتب الهجرة لم يدفع أيّ مبلغٍ خلال الأشهر الأربعة الأخيرة للاجئين. يقول نجيب: «سأخرج من المركز بعد عشرة أيام. لم يوافق مكتب اللجوء على تقديم المساعدة لي، ولا أعرف حتى الآن أين سأذهب». أما محمد رحيم فيقول: «ننتظر الخروج من المركز بفارغ الصبر، لكن عندما نخرج فإنّ المنظمات والجهات الحكومية المسؤولة تتخلى بشكلٍ تام عنّا». ويتابع: «لم نأتِ إلى أوروبا لنموت جوعاً، الأفضل أن نموت جوعاً في سوريا». في هذا الصدد يقول سانتياغو، الصحافي في مؤسّسة «أكسم» لمساعدة اللاجئين: «لا يوجد في اسبانيا إلى الآن مساعدات خاصة باللاجئين السوريين عبر برامج من الاتحاد الأوربي، بل مساعدات للاجئين بشكل عام». يضيف: «مع تخفيض الوزارة كل عامٍ للمخصصات المالية المقدّمة للمؤسسات العاملة في مساعدة اللاجئين، فإنّ الأخيرة تزداد عجزًا عن تغطية حاجات الجميع». وعلى الرغم من أن القضية السورية تشغل العالم في الوقت الراهن، إلّا ان تنظيم برنامجٍ جيد لمساعدة 1076 لاجئا سوريا في اسبانيا يبدو أمرا شبه مستحيل! ما يدفع باللاجئين للتساؤل عن المساعدات المقدّمة من الأمم المتحدة للاجئين في اسبانيا، خصوصا أنها تدفع عن كل طالب لجوء في الاتحاد الأوربي مبلغاً محددا للدولة التي تدرس ملفه. ما بعد المراكز تتأخر دراسة ملف السوريين في اسبانيا إلى سنة ونصف سنة أو أكثر. ففي عام 2012 تم منح اللجوء لشخص واحد فقط من بين 254 سوريا كانوا قد قدموا طلباتهم. «تؤخذ طلبات لجوء السوريين، وتُنسى بين أكوام الأوراق على المكاتب». يقول عبد. ويتابع: «بدون بطاقة إقامة لا يستطيع اللاجئ الحصول على إقامة، كما لا يستطيع العمل في أيّ مكان، إضافة لمنعه من مغادرة الأراضي الإسبانية. أي ببساطة يجرّد من لا يملك إقامة من أغلب حقوقه المدنية». احتج عبد داخل مكتب اللجوء وطالب بمقابلة المسؤولة عن دراسة ملفات السوريين، لكن الردّ أتى بأنّ المسؤولة لا تملك وقتًا كافيًا له. أما المحامون المكلّفون بتسيير طلبات لجوء السوريين، فيقولون إنّ «ملف السوريين في اسبانيا شبه معطل». الباحثة في التواصل الاجتماعي ليـلى نشـواتي (سـورية الأصل، وتحمل الجنسية الإسبانية) تعمل كناشطة في مجال اللاجئين السوريين منذ مطلع العام 2012. توضح ليـلى من خـلال تجـربتها أنه «لا توجد إلى الآن استراتيجية واضحة، ولا يوجد قرار سياسي من الحكومة الاسبانية بما يختص بالتعاطي مع الّلاجئين السوريين». وتضيف أن البعض يرى أن ما يحدث مع السوريين يصبّ في سياسة الحكومة الاسبانية اليمينية المتضامنة مع البنوك. فهي بدلًا من أن تدفع المساعدات لمستحقيها، تضعها في البنوك لمنع انهيارها في ظل الأزمة الاقتصادية. وتشير إلى أن «القرارات الصادرة عن الحكومة الحالية بحق اللاجئين نابعة من قرار سياسي لا يرغب بتقديم طلبات لجوء إلى اسبانيا». في وضعٍ سيئ كهذا، يبقى السوريون عالقين في اسبانيا، غير قادرين على تقديم طلبات لجوء إلى دولٍ أوروبيةٍ أخرى، وليسوا قادرين على العودة إلى سوريا في ظل الوضع الدموي المسيطر فيها. محمد بيطاري (مدريد)