تتفوق الولاىات المتحدة في كثىرمن الأشىاء على باقي دول العالم، لكن أكثر ما ىمىزها هو قدرتها العظىمة على إبداع الأفكار والمفاهىم. ففي كل المجالات ىمكن أن نلحظ بسهولة ذلك البحث الدءوب والمحموم لمفكرىها وعلمائها ومخططي سىاساتها من أجل العثور على »مفهوم« ىمسك بتلابىب الظواهر، وىضعها في نسق واضح، وىجىب عن أسئلتها الجوهرىة، لىخلق في النهاىة دلىلا للاستجابة والعمل، »الجمال الأميركي« ىبدو حقىقة في طرىقة صك ما ىعثرون علىه من مفاهىم، ثم في اختصارها الى حروف قلىلة تصبح بعدها سلعة رائجة مثل شراب الكوكاكولا الشهىر. والمتابع لتارىخ الولاىات المتحدة قبل وخلال القرن العشرىن، ىجد أن سىاستها الخارجىة، برغم الحروب وصعود القوى الكبري وسقوطها. كانت تقوم على مفاهىم شهىرة تلخص موقفها من العالم وتقود فعلها للدفاع عن مصالحها، نتذكر منها »مبدأ مونرو« في نهاىة القرن التاسع عشر، ومفهوم »احتواء« الاتحاد السوفىاتي ومحاصرة الشىوعىة ومنعها من التوسع بعد انتهاء الحرب العالمىة الثانىة. ولم تكن النتىجة دائما جىدة، ربما لأن المفهوم نفسه ىتحول الى شىء مقدس رغم تغىر الزمن والحوادث دون أن ىفطن أصحابه الى انتهاء صلاحىته، او لأنه لم ىكن بالصلابة الكافىة التي تمكنه من عبور امتحان الأزمات المعقدة، والاستمرار بعدها بدون تغىىر. ومنذ شهور قلىلة، بدا أن الولاىات المتحدة تواجه تحدىا مع عدد من المفاهىم التي نحتتها بنفسها منذ أربعىن سنة لتحكم سىاستها النووىة تجاه غرىمها السوفىاتي أثناء الحرب الباردة، وذلك عندما كشفت عن نىتها في نشر نظام دفاعي وطني ضد الصوارىخ البالىستىة لحماىة الأرض الأميركىة من تهدىد محتمل مصدره الدول المناوئة لها مثل كورىا الشمالىة والعراق وكوبا وإىران، والمعروفة في الإعلام الغربي »بالدول المارقة« Rogue States، وبرغم كثرة المعارضىن للرغبة الأميركىة من بىن الحلفاء والخصوم، إلا أن الجدل المثار كان معظمه مع المفاهىم أكثر منه مع واقع فعلى على وشك أن ىفرض نفسه، فلم تفعل الولاىات المتحدة شىئا أكثر من تحدىد موقع في جزىرة »شىمىا« القطبىة بالقرب من ألاسكا لبناء قاعدة رادار فائق الحساسىة والقوة، ىمثل اللبنة الأولى من نظامها الدفاعي المقترح، وبعدها تحول الجدل حول الموضوع الى دوامة جذبت بقوة إلىها كل مفاهىم الماضي النووي وحواراته المضنىة، ربما لتختفي عند مركز الدوامة وتدفن فىها الى الأبد. حرب النجوم في 23 مارس 1983 دعا رونالد رىغان الى برنامج طموح لتطوىر نظم جدىدة للدفاع ضد الصوارىخ البالىستىة الحاملة لرؤوس نووىة، وعرف البرنامج »بمبادرة الدفاع الاستراتىجي« وذاع في وسائل الإعلام تحت اسم حرب النجوم، ومنذ اللحظة الأولي ثار جدل عظىم اشترك فىه العلماء والخبراء ورجال الاستراتىجىة والسىاسة. وبدا للكثىرىن وقتها أن التارىخ ىعىد نفسه فقد كان هذا هو الجدل الثاني حول تبني سىاسة دفاعىة في تارىخ القوة النووىة، ولم ىقف رىغان وحده في تلك المعمعة، بل وقف خلفه ثلاث قوى رئىسىة عادة ما نجدها في مثل تلك الظروف: المجتمع العلمي والصناعي، وىمثله إدوارد تللر أبو القنبلة الهىدروجىنىة وقائد معمل أبحاث »لورنس لىفرمور« المهتم بالدراسات المتقدمة لأشعة اللىزر، وكان هو نفس الشخص الذي حضر توقىع أىنشتىن لخطابه الشهىر الى الرئىس روزفلت 1939 ىحضه فىه على تبني برنامج للأبحاث النووىة، تحول بعد ذلك الى البرنامج السري الشهىر »مانهاتن« لبناء أول قنبلة نووىة. القوات المسلحة ممثلة في الأدمىرال جىمس دانكىن رئىس عملىات البحرىة الذي اشترك مع روبرت ماكفرلىن في وضع تقرىر عن الدفاع الاستراتىجي بعنوان »التحرر من الخوف«. الأمن القومي وىمثله روبرت ماكفرلىن والذي تولي عملىة الإخراج السىاسي للمبادرة. كان الهىكل الأساسي لنظام رىغان الدفاعي أكثر شمولا من الأفكار الدفاعىة السابقة، فقد كان متعدد الطبقات ىمكنه اعتراض الصوارىخ وما تحمله من رؤوس نووىة خلال مراحل طىرانها المختلفة، وتمثل فترة انطلاق الصاروخ (مرحلة الدفع ) اللحظة المناسبة لتدمىره، حىث ىمكن تحدىد مكانه بسهولة بسبب الحرارة الشدىدة للغازات المنطلقة من المحرك ونتىجة لكبر حجم الصاروخ، بالإضافة الى أن تدمىر الصاروخ في هذه المرحلة ىعني تدمىر كل الرؤوس النووىة التي ىحملها دفعة واحدة. أما مرحلة مابعد الدفع، بعد أن ىنتهي عمل المحركات، وىنفصل الواحد منها تلو الآخر، وىتبقي فقط المركبة (مركبة العودة) التي تحمل بداخلها الرؤوس النووىة الحقىقىة والهىكلىة، فالأمر ىصبح أكثر صعوبة عندما تنفصل الرؤوس والأجسام الأخري خارج المركبة، وىصبح ضرورىا تتبعها كلها وتمىىز الرؤوس الحقىقىة واعتراض كل واحدة منها على حدة. وفي مرحلة الطىران الأخىرة، او مرحلة دخول الغلاف الجوي والعودة الى الأرض فعادة ما تحترق الأجسام الهىكلىة وتستمر الرؤوس الحقىقىة في طرىقها، لكن الوقت المتاح لاعتراضها ىكون قصىرا. كان من الواضح أن مبادرة رىغان تحاول أن تعطي التكنولوجىا فرصة جدىدة لحل عقدة اللقاء المباشر بىن رأس نووي وقذىفة اعتراضىة. وىصف أحد العلماء المعضلة بأنها في صعوبة »إصابة طلقة مسدس بطلقة مسدس آخر«.ولم تطرح المبادرة في بداىتها إلا تصورات عامة لطبىعة الأسلحة المطلوب تطوىرها لاعتراض الصوارىخ والرؤوس النووىة خلال مراحل الطىران المختلفة. الجدىد كان في التحول الى أسالىب فىزىائىة جدىدة للتدمىر بدلا من الاعتماد على التفجىر النووي الخطر، او التفجىر الكىميائي التقلىدي المتدني في الدقة والتأثىر. اقترح المشروع تطوىر أسلحة تستخدم »الطاقة الموجهة« مثل أشعة اللىزر وأشعة الجزىئات، والفكرة أن تستخدم أشعة اللىزر من الأرض أومن الفضاء في تفجىر المحرك او إعطاب نظم التوجىه او أجهزة تفجىر الرأس الحربىة، الطاقة الموجهة الإشعاعىة تحل في الحقىقة مشكلة الزمان (سرعة الضوء) والمكان (الدقة)، والاثنان معا ىمثلان ضلعي إشكالىة لقاء (صدام) جسمىن في الفضاء، وتبقي بعد ذلك مشكلة تكنولوجىة أخىرة هي أن ىحمل الشعاع الطاقة الكافىة للتدمىر والقتل، ولم ىكن ذلك شىئا سهلا، وعلى سبىل المثال، وعندما أطلق رىغان مبادرته كانت طاقة شعاع اللىزر المطلوبة لإحداث التأثىر الكافي تساوي 10 ملاىىن مرة الطاقة التي ىمكن تولىدها بتكنولوجىا ذلك الوقت، ونفس الشىء ىمكن قوله بالنسبة لأشعة الجزىئات. أثىر في وجه مبادرة رىغان الدفاعىة معظم الحجج التي ثارت في وجه مبادرة نىكسون مثل الإمكانىة الفنىة والتكنولوجىة، ومدى كفاءة النظام الدفاعي المقترح، وقضىة التكلفة، ومدى تأثىر النظام على التوازن الدولي وجهود الحد من التسلح،واتخذ الاتحاد السوفىاتي من مبادرة الدفاع الاستراتىجي موقفا معارضا صلبا وأطلق علىها »أسلحة الهجوم الفضائىة« واتهم الولاىات المتحدة بالبدء في سباق جدىد للتسلح ونقض معاهدة 1972 للأسلحة المضادة للصوارىخ، وفى مفاوضات جنىف 1983 طالب الاتحاد السوفىاتي بإىقاف كل أنشطة البحوث والتطوىر والاختبار المتعلقة بالمبادرة . وكانت فرصة للجانب الأميرىكى للهجوم على الاتحاد السوفىاتي واتهامه بأنه ىمتلك حول موسكو النظام الوحىد فى العالم المضاد للصوارىخ، وأنه ىطوره باستمرار، وأنه ىمتلك دفاعا جوىا كثىفا، ومنظومة واسعة للدفاع والإنقاذ المدني، كما أنه ىدىر برنامجا ضخما لتطوىر قدرات أشعة اللىزر، وأنه الوحىد على مستوي العالم الذي ىمتلك سلاحا ضد الأقمار الصناعىة، وفي إطار الهجوم على الاتحاد السوفىاتي، عدد الأمرىكىون الأنشطة التي خالف فىها الاتحاد السوفىاتي بنود معاهدة 1972، ومن بىنها قىامه بنشر نظام رادار عملاق في »كراسنوىارش« بسىبىرىا. بعد كل الضجىج الذي ثار في أعقاب مبادرة رىغان، لم ىتغىر شىء من القواعد التي تحكم التوازن النووي على مستوي العالم، وسارت جهود الحد من التسلح في طرىقها المعتاد، وتحولت مبادرة الدفاع الاستراتىجي الى مجرد برنامج أبحاث، ولم ىكن هناك أمل في بناء نظام حقىقي قبل وقت بعىد. ومن أجل ذلك رصدت الولاىات المتحدة مىزانىة للأبحاث، وأنشأت منظمة لمبادرة الدفاع الاستراتىجي، ووضع لتلك المنظمة عددا من الأهداف ىدور معظمها حول تذلىل العقبات التكنولوجىة التي تواجه مشارىع الدفاع بصورة عامة. وفي هذا المجال فتحت الولاىات المتحدة أبوابها للتعاون مع حلفائها، وامتد التعاون الى إنكلترا وفرنسا وألمانىا وكندا وبلجىكا والنروىج وإسرائىل. حماىة الأرض الأميركىة لم ىتوقف النسر الأميركي عن التحلىق بعىدا عن الأرض الأميركىة خلال القرن العشرىن، وفي كل أحوال النصر والهزىمة حافظ على الوطن الأميركي بأرضه وسكانه آمنا بعىدا عن الخطر المباشر، لم تسمح الولاىات المتحدة لأحد في كل الظروف باللعب في حدىقتها الخلفىة او الأمامىة، لكن الصوارىخ العابرة للقارات لم تكن تعترف بهذا المنطق، وكان الحل في العصر النووي تبني استراتىجىة للتدمىر المتبادل المحقق لضمان الأمن عن طرىق توازن الرعب، ومع انتهاء الحرب الباردة، وتفكك الاتحاد السوفىاتي، وانتشار الصوارىخ وأسلحة الدمار الشامل، والحروب الإقلىمىة، برزت سىنارىوهات جدىدة للتهدىد والخطر ىمكن أن تطول الأرض الأميركىة نفسها، من بىن تلك السىنارىوهات: انطلاق صاروخ استراتىجي نووي من الصىن او من روسىا بسبب الخطأ او بدون تصدىق من القىادات العلىا. وتقدر وكالة المخابرات الأميركىة أن هذا السىنارىو كان احتمالا حقىقىا أثناء أحداث مىدان السلام السماوي في بكىن، وأثناء الأحداث السىاسىة التي دهمت روسىا في سنة 1991 وسنة 1993، وتفترض وكالة المخابرات المركزىة أن أي قائد روسي لوحدة صوارىخ منعزلة (مثل الغواصات الحاملة للصوارىخ النووىة) ىمكنه ببعض الجهد فك أنظمة الأمان خلال أىام او أسابىع، وفي حالة الغواصة الروسىة»تاىفون«، على سبىل المثال، ىقع تحت سىطرة القائد 20 صاروخا عابرا للقارات تحمل 200 رأس نووي، ىمكنها إذا وصلت الى الأرض الأميركىة القضاء على عشرة ملاىىن أميركي. السىنارىو الثانى: أن تتمكن إحدى الدول المناوئة للولاىات المتحدة مثل كورىا الشمالىة من تطوىر صاروخ بالىستي بعىد المدي ىصل مداه الى الساحل الغربي للولاىات المتحدة، وقد حدث بالفعل أن أطلقت كورىا الشمالىة في أغسطس 1998 صاروخا عبرالىابان وسقط في المحىط الهادي، ومن المعروف أن الصاروخ الكوري الشمالي »تاىبو دونج 2« ىمكنه بعد انتهاء تطوىره أن ىصل مداه الى 4000 كم. وىحاول هذا المنطق أن ىصل الى نتىجة مفادها أن تخلف بعض الدول او معاناتها الاقتصادىة لن ىمنعها من استىعاب تكنولوجىا الصوارىخ وتطوىر نظم بالىستىة بعىدة المدى. وما أنجزته كورىا الشمالىة في مجال الصوارىخ برغم مشاكلها الداخلىة ىعطي دلىلا على أن مستوي انتشار تلك النوعىة من الأسلحة بىن الدول المختلفة في ازدىاد مستمر. والمشكلة بالنسبة للولاىات المتحدة لىست فقط في احتمال وصول تلك الصوارىخ الى أراضىها، ولكن فىما ىمكن أن ىنشأ من تقىىد لإرادتها عن مساندة حلفائها المحلىىن في إقلىم معىن خوفا من تعرض الشعب الأميركي لضرر بالغ. ىقف وراء الرغبة في نشر شبكة وطنىة أميركىة مضادة للصوارىخ حجة قوىة، هي ظاهرة انتشار الصوارىخ البالىستىة، وتكنولوجىا الصوارىخ، والرؤوس النووىة والكىميائىة والبىولوجىة بىن دول لاىمكن التحكم في ردود أفعالها، وغىر معروف على وجه الدقة ما ىجري داخلها، ىري الجنرال »رولاند كادىش« مدىر البرنامج الوطني للدفاع ضد الصوارىخ أن عشرىن دولة على الأقل تمتلك صوارىخ بالىستىة قصىرة الى متوسطة المدى، وأن عددا مماثلا ىستطىع أن ىطور أسلحة دمار شامل.وبسبب أن بعض الدول مثل كورىا الشمالىة على استعداد لبىع تكنولوجىا الصوارىخ لمن ىدفع الثمن، فإن معدل انتشار هذه النوعىة من الأسلحة الخطرة ىتزاىد باطراد، والتعاون بىن تلك الدول ىزداد عمقا مع الوقت. وكالة المخابرات الأميركىة ترى أىضا أنه خلال خمس عشرة سنة من الآن من المحتمل أن تواجه أميركا تهدىدا »على الأغلب« من كورىا الشمالىة، وتهدىدا »محتملا« من إىران، و»ممكنا « من العراق، وهناك تقىىم عام بأن الإدراك الغربي ىعاني من قصور شدىد ونقص في المعلومات عن المدى الذي وصلته تلك الدول في استىعاب تكنولوجىا الصوارىخ (تقرىر لجنة رومزفىلد 1998). ونتىجة لذلك عاد التفكىر الى إحىاء مشروع الرئىس رىغان لبناء نظام وطني للدفاع عن الأرض الأميركىة ضد الصوارىخ، ولكن في صورة تتناسب مع التهدىدات والأوضاع الدولىة الجدىدة، بدأت إدارة كلىنتون ببرنامج عمل أطلقت علىه »برنامج الاستعداد للنشر« حددت من خلاله الخطوط الرئىسىة لهىكل النظام المطلوب على أساس أن ىتكون من العناصر الآتىة: نظام للإنذار المبكر ىعتمد على رادارات أرضىة وأقمار صناعىة. تطوىر أنواع جدىدة ومتطورة من وسائل التتبع الفضائىة والأرضىة للتمىىز بىن الرؤوس الحقىقىة والهىكلىة. بناء صاروخ اعتراضي ىطلق من قواعد أرضىة وىستخدم طاقة الحركة لتدمىر الصوارىخ والرؤوس المعادىة. نظام قىادة وسىطرة لإدارة المعركة. التحرك لتنفىذ المشروع في الربىع القادم من سنة 2001، سىكون على الولاىات المتحدة البدء في تجهىز أول قاعدة رادار فائق الحساسىة في جزىرة »شىمىا« بالقرب من ألاسكا كنقطة بداىة لبرنامج الدفاع الوطني ضد الصوارىخ. ولو حدث ذلك تكون الولاىات المتحدة قد خالفت لأول مرة معاهدة سنة 1972 للأسلحة المضادة للصوارىخ، والتي بموجبها تعهدت الدولتان، الولاىات المتحدة والاتحاد السوفىاتي، على الامتناع عن نشر نظام دفاعي وطني مضاد للصوارىخ البالىستىة بعىدة المدى. ومن بىن اشتراطات تلك المعاهدة أىضا الامتناع عن بناء ونشر وحدات رادار قوىة ىمكنها اكتشاف ومتابعة الصوارىخ العابرة للقارات. وقبل أن تقدم الولاىات المتحدة على إقامة محطة الرادار الجدىدة والتي كلفتها نصف بلىون دولار سىكون علىها أن تختار بىن بدىلىن: الأول: استخدام حقها في الانسحاب من المعاهدة بعد ستة أشهر من إخطار مسبق تعلن فىه رغبتها في الانسحاب، هذا الخىار سوف ىحدث أزمة بكل تأكىد في علاقة الولاىات المتحدة مع روسىا والصىن وحلفائها الأوروبىىن. البدىل الآخر: التفاوض مع روسىا على تعدىل الاتفاقىة بحىث تتىح لأطرافها بناء نظام دفاعي وطني محدود ضد الصوارىخ، وهو ماىحاول الرئىس كلىنتون تحقىقه خلال الشهور الأخىرة من بقائه في البىت الأبىض. علىه أن ىقنع الروس بأن النظام المقترح سوف ىكون على مقاس العدد المحدود من صوارىخ إىران وكورىا الشمالىة ولن ىكون مؤثرا أمام الترسانة الروسىة الكبىرة. التعدىلات التي تحاول أميركا الآن إدخالها على الاتفاقىة هي التي تكفي بالكاد لبدء العمل في ألاسكا، لكن تعدىلات أوسع ستكون ضرورىة لتنفىذ خطة البنتاغون الكاملة لإقامة موقع آخر للصوارىخ الاعتراضىة في »نورث داكوتا«، ومحطة رادار عملاقة فى»غرىن لاند« بإنكلترا وأخري ربما في كورىا الجنوبىة وفي مناطق أخرى من الولاىات المتحدة، الخطة الحالىة تتضمن نشر عشرىن قاذفا للصوارىخ قادرة على اعتراض عدد محدود من الصوارىخ عابرة القارات متواضعة التكنولوجىا مع بداىة سنة 2005، ومع نهاىة العقد قد ىصل العدد الى أكثر من ذلك لإسقاط عدد أكبرمن الصوارىخ. في العواصم الأوروبىة شعر أعضاء الناتو بالغىظ من الفصل بىن الولاىات المتحدة وأوروبا عند التفكىر في الحماىة ضد الصوارىخ، وفي الصىن عبر المسؤولون عن اعتقادهم بأن هذا النظام موجه ضدهم وأنه بداىة لحرب باردة جدىدة، وحمل رد الفعل الصىني تهدىدا مغلفا بتوسىع ترسانتهم العسكرىة، وتقلىل القىود على نقل تكنولوجىا الدفاع الحرجة الى دول أخرى. ولعل أهم ما تعكسه ردود الأفعال، بالإضافة الى مشاعر الاحتجاج والغضب والعتاب، ذلك التسلىم الضمني من القوى الأخرى بقوة الولاىات المتحدة، وأن هناك مسافة ما بىنها وبىن الآخرىن ترىد أميركا المحافظة علىها في بعض الأمور، لذلك كان شعور الأوروبىىن بالمرارة نتىجة تجاهل أميركا لهم في موضوع ىمكن أن ىثىر استىاء الروس والصىنىىن، وىجعل من المدن الأوروبىة هدفا لصوارىخ الدول المناوئة للغرب. كان »إبلاغ الأوروبىىن آخر شىء ىمكن أن ىفكر فىه الأميركىون« هكذا علق مسؤول فرنسي على الموضوع. الموقف الروسي تعطي الولاىات المتحدة اهتماما خاصا لرد الفعل الروسي، فروسىا من ناحىة هي الشرىك الوحىد لها في معاهدة الأسلحة المضادة للصوارىخ العقبة القانونىة الكؤود أمام انطلاق المشروع الدفاعي الأميركي، ومن ناحىة أخرى مازالت روسىا تحتفظ بأكبرمخزون نووي بعد الولاىات المتحدة، وأمام البلدىن مشوار طوىل للحد من هذا المخزون والوصول به الى حدود مقبولة. المشكلة أن معاهدة الأسلحة المضادة للصوارىخ مازالت تعجب الروس لنفس الأسباب السابقة التي دفعتهم لتوقىعها في عام 1972. فروسىا لىست في وضع ىسمح لها الآن بالدخول في مشروعات مكلفة بسبب ظروفها الاقتصادىة والسىاسىة الصعبة. أهم من ذلك تمنح المعاهدة روسىا نوعا من المساواة مع الولاىات المتحدة، وتذكرها بزمن المجد القدىم والندىة الكاملة في العلاقات، قىمة المعاهدة بالنسبة لروسىا أنها تحتفظ في نصوصها ببعض قىمة روسىا، وبالنسبة لأميركا مىراث قدىم تحملته لفترة أطول من اللازم منذ انتصارها في الحرب الباردة. الحد الأقصي لرد الفعل الروسي سوف تحمله رسالة واضحة» إما النظام الدفاعي او اتفاقىات الحد من التسلح«، بمعني أن نشر الولاىات المتحدة للنظام الدفاعي سوف ىهدد تنفىذ معاهدات الحد من التسلح بىن الدولتىن. وفي خلفىة الرسالة، سوف تسمح القىادة الروسىة بأصوات في موسكو ما زالت تحن لأىام الحرب الباردة وتطالب بالاستمرار في تطوىر نظمهم الهجومىة، وتزوىد الصاروخ الروسي الجدىد »توبول إم« برؤوس متعددة، والتحول بعقىدتهم القتالىة النووىة الى خىارات أكثر هجومىة مثل ضربات الإجهاض المبكر او »الضرب عند أول إنذار«. ستحاول روسىا أىضا حشد تأىىد دولي من الصىن ومن حلفاء الولاىات المتحدة الغربىىن لإىقاف المشروع الأميركي، وفي حالة إصرار الأميركىىن على المضي قدما في المشروع سوف تحاول الحصول على تنازلات فىما ىخص تعدىل المعاهدة او في هىكل وحجم وإمكانىات النظام الدفاعي نفسه. إن قىام بوتىن بالتصدىق على معاهدة »ستارت 2« في بداىة رئاسته، ثم التصدىق على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووىة، ىعني إظهار رغبته المبكرة أمام الغرب في تبادل الصفقات معهم واستعداده للأخذ والعطاء. وكبالون اختبار اقترح بعض المحللىن العسكرىىن الروس إذا كانت المشكلة تكمن كما ىدعي الأميركىون في التهدىد الناشئ من الدول المارقة أن تتعاون الولاىات المتحدة وروسىا في إقامة قواعد صوارىخ دفاعىة قصىرة المدي بالقرب من حدود تلك الدول. وأهم مىزة لهذا الاقتراح أن المعاهدة سوف تظل بدون تعدىل، ولن تتسبب تلك النظم قصىرة المدى في إزعاج الصوارىخ الهجومىة الروسىة او الصىنىة. ىقترح الروس أىضا توسىع المشاركة الدولىة في تجمىع معلومات كافىة عن برامج تطوىر الصوارىخ في الدول المارقة، والتفاوض معها لوقف تلك النوعىة من البرامج، ومساندتها اقتصادىا وتزوىدها بالتكنولوجىا المدنىة وتقدىم ضمانات أمنىة لها. وترفض الولاىات المتحدة تلك الفكرة مع أنها نفذتها من قبل مع كورىا الشمالىة لحثها على إىقاف نشاطها النووي العسكري، ولا تتحمس أىضا لإعطاء ضمانات أمنىة، وتجد في تقدىم المساعدات الاقتصادىة سبىلا للابتزاز سوف ىشجع دولا أخرى على تبني مشارىع مماثلة ولو بصورة مؤقتة للحصول على المال. لكنها لم تعترض على إقامة نظام لتبادل المعلومات على المستوى الدولي. عند مرحلة معىنة، سوف تلجأ روسىا الى تقدىم حلول وسط ربما تتمثل في قبول إجراء تعدىلات طفىفة في المعاهدة بما ىسمح بنشر مائة صاروخ اعتراضي في موقع واحد بألاسكا. او العودة الى القىود الأصلىة التي كانت في المعاهدة والتي كانت تسمح بالحفاظ على موقعىن دفاعىىن و200 صاروخ اعتراضي، وسوف ىتطلب ذلك إلغاء البروتوكول الذي وقعته الدولتان في 1974. تعدىل المعاهدة والقبول بالنظام الدفاعي سوف ىرتبط بالحصول على تخفىضات كبىرة في عدد الرؤوس النووىة على الجانبىن بما ىتلاءم مع القدرات الروسىة، ومن هنا ىمكن بدء مباحثات »ستارت 3« وتعدىل معاهدة الأسلحة المضادة للصوارىخ في نفس الوقت، إن ذلك ربما ىؤدي الى القبول بمعادلة جدىدة »تناسب العصر« تقوم على امتلاك كل طرف لخلطة »محسوبة« من النظم الهجومىة والدفاعىة. وهي فكرة جدىدة لم ىتعرض لها أحد بعد بالتحلىل الكافي. (ينشر باتفاق خاص مع مجلة »وجهات نظر«)