القاهرة ـ عمر سعيد «الدابودية» و«الهلايلة»، اسمان انتشرا في مصر فجأة، بعدما ارتبطا بأعمال عنف خلفت 28 قتيلاً، في منطقة لا يعرفها المصريون، باستثناء قلة نشأت على السيرة الهلالية في الموالد والمناسبات. وقعت قبيلتا «الدابودية» و«بني هلال» في واحد من أكثر الأحزمة المنسية في مصر. لا علاقة للدولة بهذا الحزام المنسي، أسوان، إلا في مواسم السياحة، التي تشكل شرياناً هاماً للاقتصاد القومي. وفي ما عدا ذلك، لا وجود يذكر للحكومة إلا عندما يتهدد الأمن القومي بخطر الحصار بين أقليتين لهما من الخصوصية ما لا يمكن إنكاره: واحدة تنتشر في كل محافظات صعيد مصر، وتربطها علاقة عمومة بباقي القبائل الصعيدية، وأخرى تعاني من اضطهاد تاريخي، يجعلها تتمسك بثقافتها ولغتها الخاصة طوال قرون تمتد إلى أيام الدولة الفرعونية. بحث مكثّف حول القبيلتين لا يأتي بكثير من النتائج. أبناء الدابودية هم من أهل النوبة، وهؤلاء لا تاريخ للعنف في صفوفهم. أما الهلايلة، فلا ثأر كبير بينهم وأهل النوبة «المسالمين بطبعهم». كما أن القبيلتين وفدتا حديثا على المنطقة التي شهدت الاشتباكات، وإن كان أهل دابود أقدم بحكم الجغرافيا. الدابودية.. «اتقِ شر الحليم» «ولاد النوبة طيبين ومسالمين... لكن اتق شر الحليم إذا غضب». هكذا عبر أحد الشباب النوبيين من سكان القاهرة تعليقا على قتل امرأة نوبية في الاشتباكات الأخيرة. ربما يكون التعبير من أدق ما يوصف الطرف النوبي في المسألة. «الدابودية» هم سكان بلدة دابود النوبية. وهذه الأخيرة لها قصة تعبّر عما مر على النوبيين المصريين منذ ستينيات القرن الماضي عندما أغرقت النوبة القديمة بفعل حفر بحيرة ناصر وتعلية خزان أسوان. دابود الحالية (أقصى شمال مدينة أسوان) نسب اسمها يعود إلى قرية دابود القديمة التي غرقت عقب تعلية سد أسوان، ومنها سكان أسوان الذين دخلوا في الأحداث. كغيرها من المناطق النوبية، تعاني القرية من غياب الخدمات الحكومية، وكأنها خارج نطاق الدولة. ولم تكن الحوادث التي ارتبط اسمها بالقرية إلا مؤشرا على ذلك: مرّة، عندما أهدت الحكومة المصرية معبد دابود الفرعوني للحكومة الأسبانية في العام 1965 «عرفاناً بجميل مدريد في نقل الآثار المعرضة للغرق»، ومرة أخرى في شباط العام 2009 عندما تعرض أحد المواطنين هناك للتعذيب حتى الموت على يد ضابط في الشرطة. واحد من شقين يكونان أصل النوبيين، وهو الماتوكية، ينتسب إلى قرية دابود، التي تسمى أيضا بعاصمة النوبة الحديثة. أهلها يزيدون عن مليوني مواطن، مئات الآلاف منهم هاجروا إلى الشمال أو إلى الخارج. وكباقي قبائل النوبيين، ما زالوا يتحدثون بلغتهم العتيقة، حريصين على مناهضة السياسات المركزية التي اقتلعتهم من «بلاد الدهب»، ولم تهتم الدولة الناصرية ببقائهم جوار أرضهم القديمة. ما جعلهم من أكثر المجتمعات خصوصية في مصر. وتجلّت هذه الظروف في تعليق الروائي وممثل أهل النوبة في «لجنة الخمسين» لوضع الدستور الأخير، حجاج أدول، حين قال إنه «منذ حوالي 15 سنة، قلت في الإسكندرية للصحافيين لا تخافوا مني، ولكن خافوا من أطفالي الذين في الابتدائية. لم يهتموا بكلامي، وها هم أطفال الأمس يحملون السلاح مثلهم مثل غيرهم من أبناء الوطن... ها هم ينتقمون لمقتل أربعة منهم بقتل 13 من القتلة». وتساءل ‘’ماذا ينتظرون منّا؟ يتوالى القتل فينا بدون رد؟ ماذا يتوقعون من الشباب الذي ينال الإهانات من الغير ومن السلطة ومن وسائل الإعلام؟». بنو هلال.. تغريبة دائمة «الهلالية» هم أبناء قبيلة بني هلال العربية، التي بدأت رحلة انتشار منذ القرن الحادي عشر، حين خرجت من الحجاز ومرت بالشام ومصر واستقرت في شمال أفريقيا، وتركت في كل نقطة آثارا واضحة، عدا أنها في مصر احتفظت بخصوصية ميزت ابناءها عن باقي أبناء عمومتهم في الصعيد، وتجلّت في ترديد «السيرة الهلالية»، التي حكت رحلتهم، في المناسبات المختلفة في صعيد وريف مصر، وجمعها شاعر العامية عبد الرحمن الأبنودي. «الهلالية»، يطلق عليهم أيضا الغجر، وقد اختلفت الآراء في أصل هذه التسمية: هل جاءت من ترحالهم من الحجاز، أم من تحركهم المتواصل في محافظات مصر العليا. ويصعب التأكد من أعداد بني هلال في مصر، إلا أن معظم الآراء تقول أنهم لا يقلون عن مليون ونصف مليون مصري، يعيش معظمهم في محافظات قنا وسوهاج، ومؤخرا انتقل عدد منهم للعيش في مدينة أسوان. الطبيعة القبلية لبني هلال، فضلاً عن كونهم ليسوا من «السكان الأصليين»، خلقت شعورا عاما بأنهم طبقة دنيا من القبائل، وزاد من الأمر عدم تعصبهم لأرض معينة. وضعهم كمنبوذين من قبل القبائل الأخرى جعل عددا كبيرا من العائلات الهلالية تعمل في تهريب الأسلحة والمخدرات، بغض النظر عن وجهة هذا السلاح، الذي قد يكون لتجار المخدرات الآخرين أو للاستعمال المحلي، أو حتى لتوصيله من السودان إلى قطاع غزة. وهو ما جعلهم عونا للسلطات السياسية التي تعاقبت على مصر خلال السنوات الماضية. استعان بهم الحزب الوطني في محاربة خصومه في الاستحقاقات السياسية، كما استعانت بهم جماعة «الإخوان المسلمين» لتأمين تظاهراتهم قبل عزل الرئيس محمد مرسي وبعد ذلك. غير أن قسما منهم كان قد أعلن دعمه لحركة «تمرد» المناهضة لحكم «الإخوان»، والآن أصبحوا من أهم القبائل المؤيدة للمشير عبد الفتاح السيسي. ويعد وضع الهلالية الأكثر حساسية في صعيد مصر، فعملهم في تهريب السلاح، واستعانة النظام السسياسي بهم، خلقا ثأراً بينهم والكثير من القبائل الأخرى. وهو ما كان واضحا خلال الأعوام الماضية التي شهدت الكثير من الاشتباكات وحوادث الخطف كان «الهلالية» طرفا رئيساً فيها. الأحداث تؤكد أن كلي الطرفين لا يملكان موقفاً سياسياً موحداً داخل القبيلة. «الدابودية»، منهم من خرج في تظاهرات رافضة لعزل مرسي، ومنهم من أعلن تأييده للسيسي. «الهلالية» كانوا يحرسون تظاهرات الإخوان ومقارهم، كما شاركوا في حملة «تمرد» وتظاهرات 30 حزيران. لكن المشترك بينهما، أن كليهما له خصوصية تجعل المنتمين إليهما يتجاوزون الأسباب الأصلية في الاشتباكات والتنوع السياسي في ما بين الطرف الواحد... ولا تبقى إلا راية «الحفاظ على الهوية» و«الثأر من أجل القبيلة»، وهي لغة أصبحت عنوانا في ميدان الأحداث، تنذر بخطر انتقال المواجهة إلى أي مكان يتواجد فيه الطرفان.