يوم واحد عالمي له أما نحن فإننا على أهبة، على شوق، على رغبات نحو الشعر ونحو الكلمة التي تنطلق منها ومنه بحوره الخليلية وبحوره ذات الحرية وذات المدى. وربما نحن في لبنان الأوسع احتفالاً به. وعلى شتى الأيام نكبر عليه ونشيخ على حضوره وعلى الحماسة التي تأخذنا اليه وهو يأخذنا الى الأفق، الى المدار السكران. وهنا نقول إننا نسكر عليه ونشرب عليه مدامة وألواناً من الكؤوس الطريفة والثرية. ونحسب أننا الهيكل وفي صحنه كم يكثر الشعراء وكم يتقدم إليه زرافات من النخبة ومن الذين في مطلع الطريق إليه وإلى محرابه. كما الى القصيدة الجديدة والملهمة التي نظن أنها الهدف وأنها التي تنبعث من أطرافها ومن جوهرها روح الكتابة وروح التأليف وروح المغامرة حتى الوصول الى النجاح والى ما هو شديد البنيان شديد الأعمدة. والى ما هو سباق مع الآخر ومع العالم ومع أي كان وأي شاعر ها هنا أو في الزمان القريب والبعيد. ولا بدّ دائماً من النظر ومن الحدب ومن وجوب الصقل ووجوب البحث عن لغة شعرية تنبض كثيراً وتعلو فوق الموجة العادية، فوق قفزة الحوت، وقفزة الدلفين وقفزة السمكة من أصغر الى أكبر ومن عمق الى أكبر، ومن معنى ومن مزيج ومن كيمياء الى الحميم والى الدهشة المنشودة والغرام الثابت والأكيد. وأراني أطلب من الشعراء عندنا وهم قلة في الكثرة، أن يأتوا وأن يبدأوا وأن يغوصوا على درة الصدفة وعلى المرجان المختبئ بكل تؤدة وكل حماسة. اذ لا عيب أن يكونوا هم ونحن سواسية وفي مستوى واحد. إلا أننا كم تعذبنا وكم هبط الشوك علينا وهبط الوحي أيضاً. وكم استرسلنا في صنع ما هو عار وما هو منشود وما هو ليس من قبل أو من بعد. وإنما هي القصيدة تقتضي ذلك، وإنما هي الموهبة في حدها الحد بين الجد واللعب، بين قوس وقوس وبين رمية ورمية. ونكاد نكون فرادى في العناية بالجدة، وفي أننا، في لبنان، حفظنا الأمثولة أمثولة الإبداع. ولم يكن لنا، وفي ما يتبع من الملاحظات، سوى أن نكون في حال الشغف وفي حال المروءة الخلابة وهي تخلبنا وتبارك ما نفعل وما فعلناه. وكذلك ما فعل سوانا منذ حلقة الثريا في بيروت ومنذ مجلة شعر. وكانت بيروت التي تصهرنا والتي من خلال الطمأنينة في عرصاتها وفي مساحاتها، صنعنا ما صنعناه. ومن ثم بلغ السيل الزبى مع سرب آخر من الشعراء أنعشوا دنيانا كما نحن كنا كذلك وكنا الذين وضعنا الأساس ووضعنا المغامرة في المتناول وكنا نرتدي ثياب الشغل والأقلام التي كنا معها أشبه بالشغيلة. وظل الشعر هوانا منذ تلك الأيام السعيدة. ولبنان بلادنا العزيزة، هو المطهر وكان كذلك لنفسه وغيره من القوم من الوطن ومن الخارج العربي ومن الأجنبي. ولبنان أيضاً على طول القضية يحتفل بها دائماً على توالي السنة. كما صارت عندنا القصيدة التي تنافس تلك، من بيئة الرواد الى البيئة التالية. ونحترم تلك ونحترم ما عندنا ونثابر وننادي هيا الى الوجود، هيا الى البقاء على جمال الطائر وغصنه المتين وعرقه الثمين. إذ لنا أن نكون في المهّمة وفي وصل ما انقطع من الأسباب ومن ضآلة الأمور. ومن أن المصاب أصابنا. لكننا إذ نلتفت الى الميسرة والميمنة إنما نشعر بالإرث وكونه يشع على البيوت والأبيات، على الصدر وعلى العجز، وعلى الشكل والمضمون. كما نشعر بالفقدان، وبأننا حين نبتسم إنما هي ابتسامة الحزن والأسف واللوعة السوداء حيال من مضى من شعراء في الحقبة التي نعيش. والتي معها لا نحبس دمعة الفراق. والتي نذكر معها أن اليوم العالمي للشعر دليل على القدسية فيه وعلى أنه دعاء ما زال ورجاء في العالمين.