في إطار النقاشات الدائرة حول الأوضاع الاقتصادية ونتائج السياسة المالية الحكومية، تلقت »السفير« من النائب سليم دياب دراسة اقتصادية شاملة تناقش ما أعلنه وزير المالية د. جورج قرم حول ملخص الوضع المالي في النصف الاول من العام الحالي، وجاء في الدراسة: أصدرت وزارة المالية في السادس والعشرين من شهر تموز الماضي بيانها الشهري حول ملخص الوضع المالي عن اعمال شهر حزيران 2000 بالمقارنة مع نفس الشهر من العام 1999 والوضع المالي المقارن حتى نهاية حزيران من عام 2000 وعام 1999. لدى دراسة المعلومات التي يوردها هذا البيان فإننا نرى انه يستدعي إثارة الملاحظات التالية: أولا: محاولة التغطية على حقيقة الوضع المالي حتى نهاية شهر حزيران بالخلط بين عجز الموازنة والعجز الكلي: عمد الوزير جورج القرم الى اعتماد اسلوب جديد للتغطية على مقدار العجز الإجمالي المحقق حتى نهاية شهر حزيران، وذلك بحصر مسؤوليته بعجز الموازنة الذي تعدّت نسبته ال46$ وقوله انه عجز ظرفي ومعتبرا نفسه غير معني بالعجز الاجمالي (موازنة + خزينة) وهو الذي فاق 53$. إنها لمفارقة كبيرة ومستغربة ان يلجأ الوزير الى التملص من هذه المسؤولية وهو امر لا يستقيم ولا يتفق مع جميع مقولاته ودفاعاته وتأكيداته خلال مناقشات الموازنة وقبلها عند وضعه برنامج التصحيح المالي وعند إقرار الموازنة وبعدها والتي تتركز كلها على ان العجز الإجمالي للخزينة خلال عام 2000 سيكون في حدود 37$، فالوزير قرم يعلم ان الأمر الأساس في موضوع العجز هو العجز الاجمالي للخزينة الذي هو العامل الأساس في تحديد مقدار الزيادة في الدين العام الصافي. ثانيا: في أسباب مبلغ العجز ونسبته الى مجموع الإنفاق: لدى إجراء المقارنة بين النتائج المالية المحققة في حسابي الموازنة والخزينة التراكمي للنصف الاول لكل من السنوات 1998 و1999 و2000 وحسب ما هو مبيّن في الجدول رقم واحد المرفق فإن هذه الارقام تستدعي الملاحظات التالية: 1 انخفاض ايرادات الموازنة المحققة حتى نهاية حزيران 2000 بمبلغ 80 مليار ليرة بالمقارنة بما تحقق حتى نهاية حزيران 1998 وبقاؤها على المستوى نفسه من الايرادات المحققة حتى حزيران 1999. لقد تحققت هذه النتائج على الرغم من كل الزيادات التي قامت بها الحكومة خلال عام 1999 على عدد كبير من الضرائب والرسوم وأهمها الزيادات على التعرفة الجمركية على سلع أساسية وكمالية وعلى صفيحة البنزين والتبغ وأسعار التخابر عبر الهاتف الخلوي. 2 ارتفاع مجموع الإنفاق في حساب الموازنة حوالى 517 مليار ليرة عما كان عليه حتى حزيران 1999 علما بأن اكثر من نصف هذه الزيادة يعود الى ارتفاع مبلغ خدمة الدين بمبلغ 276 مليار ليرة عما كان حتى حزيران 1999. إن خدمة الدين المدفوعة حتى حزيران 2000 بلغت 2024 مليار وهي تمثل ما نسبته 56$ من مجموع الإنفاق من حساب الموازنة حتى نهاية حزيران الذي بلغ 3627 مليار ليرة. هذا يعني ان خدمة الدين العام للعام بكامله سوف تتعدى في الحد الادنى 4200 مليار ليرة لبنانية وليس 3900 مليار ليرة كما لحظت الموازنة. 3 التردي الواضح في مبالغ العجز في حسابي الموازنة والخزينة ونسبتها الى مجموع الانفاق حتى نهاية شهر حزيران. فنسبة الفائض الاولي الى مجموع الانفاق انخفضت في حساب الموازنة من 3،24$ في عام 1998 الى 19$ في عام 1999 ومن ثم الى 7،9$ في عام 2000. كذلك فإن الفائض الاولي في حساب الخزينة الذي بلغ 173 مليارا حتى نهاية حزيران 1998 انخفض الى فائض قدره 85 مليار حتى نهاية حزيران 1999 ومن ثم تحول الى عجز مقداره 402 مليار في نهاية حزيران 2000. إن هذا الامر يعني ان واردات الخزينة المحققة حتى نهاية حزيران 2000 لم تستطع تغطية مجموع الإنفاق باستثناء خدمة الدين العام حيث بلغ مجموع واردات الخزينة /2138/ مليار ليرة بينما بلغ مجموع الإنفاق في حساب الخزينة وباستثناء خدمة الدين /2540/ مليار ليرة. 4 ارتفاع نسبة العجز التراكمي للخزينة من 7،38$ في حزيران 1998 الى 8،43$ في حزيران 1999 ومن ثم الى 1،53$ في حزيران 2000. إن هذه النتائج المالية تطرح التساؤلات في المقام الاول حول جدية وصدقية وشفافية الموازنة التي أعدها الوزير قرم. كما انها في المقام الثاني تطرح تساؤلات حول امكانية تحقق نسبة العجز المقدرة من الحكومة لعام 2000 والبالغة 37$. على النقيض من ذلك لا بل اصبح من المرجح ان تبقى نسبة العجز حتى نهاية العام ضمن الحدود التي وصلت إليها في حزيران 2000. كنا قد حذرنا الوزير قرم مرارا وتكرارا خلال مناقشات الموازنة من مغبة هذه النتيجة إلا انه اعرض عن تحذيراتنا واتهمنا آنذاك كما اتهم العديد من النواب الآخرين الذين شاركونا الرأي بالتجني عليه. ثالثا: الاستمرار في الأساليب والممارسات الخاطئة لحجب الحقيقة عن المواطنين: في هذا الصدد فإنه ينبغي اخذ الامور التالية بالاعتبار: 1 تأجيل الإنفاق: إن مبلغ العجز ونسبته الى مجموع الإنفاق كانا سيتعديان حتماً ما وصلا إليه في حزيران 2000 لو ان الحكومة لم توقف الإنفاق على عدد من المشاريع الاستثمارية. كذلك الأمر لولا استمرار الحكومة بتأجيل دفع قسم من النفقات المستحقة وأهمها المستحقات المتوجبة على وزارة الصحة وتعاونية الموظفين والتي تزيد عن 120 مليار ليرة وكذلك المستحقات المتوجبة للمقاولين في ذمة مجلس الإنماء والإعمار ووزارة الاشغال والبلديات والتي تفوق ال100 مليار دولار ومستحقات شركة سوكلين التي تبلغ اكثر من 80 مليون دولار اميركي وغيرها من المستحقات، وهي كلها مبالغ تتعمد وزارة المال التأخير في تسديدها. ان عمليات التأخير في تسديد المستحقات أدّت الى تخفيض مبالغ الانفاق في تنفيذ الموازنة بشكل غير واقعي. ان هذا يتعارض بشكل كامل مع ذلك السيل من المقولات التي ما فتئت الحكومة ترددها حول الشفافية ودقة الارقام. إلا انه على الرغم مما تعمد إليه الحكومة عبر وزارة المالية من تأجيل للإنفاق، وعدم دفع المبالغ المستحقة لأصحاب الحقوق، فإن العجز الإجمالي للخزينة حتى نهاية شهر حزيران 2000 قد تعدى 53$ في حين انه كان في حدود 44$ حتى نهاية حزيران 1999 وحوالى 39$ حتى نهاية عام 1998. 2 عمليات تدليك الارقام لتصبح ملائمة لما تعتقد الحكومة أن من المناسب اطلاع المواطنين عليها: عمدت الحكومة، رغبة منها في إظهار تحسن مصطنع في ارقام ونسب الموازنة، الى لحظ مبلغ 3900 مليار ليرة لبنانية لخدمة الدين العام في العام 2000 أي انها اعتمدت المبلغ نفسه الذي صدر في موازنة عام 1999. إننا نود ان نسأل الحكومة عما إذا كانت بحاجة الى ان نذكرها بأن الدين العام قد ارتفع خلال عام 1999 بحوالى ثلاثة مليارات دولار وهي المبالغ الاضافية على مجموع الدين العام التي تحتاج الى لحظ مبالغ اضافية لتسديد الفوائد المترتبة عليها. ليس هذا فحسب بل إننا لا نظن اننا بحاجة الى تذكيرها بأن مجموع العجز التراكمي خلال الأشهر الستة الاولى من هذا العام قد بلغ 2426 مليار ليرة (6،1 مليار دولار)، وأن هناك المزيد من العجز الذي سيتراكم خلال العام 2000 مما يتطلب لحظ مبالغ إضافية في الموازنة لخدمته. وحيث انه لا يوجد ما يشير الى أي تحسن مرتقب في الوضع الاقتصادي بسبب استمرار الحكومة في سياساتها وممارستها الانكماشية التي اثبتت الوقائع عدم سلامتها، وحيث ان هناك استمرارا لحالة فقدان الثقة العامة بالحكومة وبسياساتها الاقتصادية وفي ممارسات واسلوب عمل وزرائها، وحيث ان المؤشرات العالمية حول معدلات الفوائد تبين بما لا يقبل الشك بأنها تتجه صعودا، فكيف يمكن والحال هذه للحكومة ان تعتقد بامكان حصول انخفاض اضافي في معدلات الفوائد المحلية والخارجية وبالتالي كيف يمكن لها ان تلحظ المبالغ نفسها لخدمة الدين العام كما كان في العام 1999. ان هذا الامر يثير وفي الحد الادنى المزيد من الشك في صحة تقديرات الحكومة لأرقام كلفة خدمة الدين العام في موازنة عام 2000. وبالتالي يظهر مرة اخرى مدى عدم الشفافية فيما تقوله وتنشره وبالتالي مدى استسهالها للامور ودأبها على العمل على اخفاء المشكلة او تأجيل مواجهتها او محاولة ايجاد التبريرات والحجج الواهية لفشل السياسات المتبعة. ان الوقائع تثبت ان همّ الحكومة الوحيد كان ينحصر في محاولة اظهار صورة غير صحيحة للموازنة غير عابئة بما ستكون عليه نتائج تنفيذ الموازنة وماذا ستكون عليه خدمة الدين الحقيقية في العام 2000. وقد اتت النتائج المالية للنصف الاول من هذا العام لتؤكد عدم صحة السياسات الاقتصادية والمالية التي اعتمدتها الحكومة وكذلك عدم صحة الاساليب والاجراءات التي اعتمدتها الحكومة والتي ادت الى تردي الاوضاع المالية والاقتصادية والمعيشية في البلاد وضرب الثقة في الاقتصاد الوطني وفي ازدياد معدلات البطالة وفي الدفع نحو تهجير مستقبل البلاد المتمثل في هجرة اصحاب الكفاءات المتميزة ولا سيما في حقول المعارف الجديدة. رابعاً: الدين العام من المستغرب ان تعمد الحكومة الى تضليل الرأي العام في تقريرها واعتبار ما هو حاصل من زيادة بالدين العام وانخفاض نسبتها مؤشر ايجابي. اننا نذكّر الحكومة بأن برنامجها للتصحيح المالي كان يعتمد وبشكل اساسي على تخفيض العجز والمديونية. ولا شك بأن الارقام المعلنة من قبلها تثبت وبشكل صارم فشل برنامجها المعدّ للاصلاح المالي بحيث انها لم تتمكن من تحقيق هذه الاهداف. بل تمكنت الحكومة من ادخال لبنان في حلقة ازدياد المديونية المتسارعة واشاعة الركود الاقتصادي والانكماش في البلاد بحيث ان نسبة الدين العام الصافي الى مجموع الناتج المحلي قد ارتفعت بشكل مضطرد مما يسهم في التأثير في الصدقية الائتمانية للاقتصاد الوطني. خامساً: الواردات المحققة: 1 المغالطات المقصودة في الارقام والمقارنات: ان ما ذكره بيان وزارة المالية من »ان وتيرة الايرادات لا بد من ان تعود الى الزيادة في الفصل الاخير من السنة وان الواردات لا زالت تحافظ على مستواها الذي لم يتغير عن نفس الفترة من السنة الماضية رغم التراجع في محصول الرسوم العقارية والجمركية وضرائب الدخل، وذلك بفضل زيادة الايرادات غير الضريبية بمقدار 17$ عما كانت عليه خلال نفس الفترة من العام الماضي«. قد يكون من المفيد لفت نظر وزارة المالية الى ان مجموع الايرادات المحصلة في حساب الموازنة لشهر حزيران قد انخفضت من 396 مليار ليرة في حزيران 1998 الى 351 مليار ليرة في حزيران 1999 ومن ثم الى 281 مليار ليرة في حزيران 2000. وان مجموع الواردات المحصلة في حساب الخزينة لشهر حزيران 1998 قد انخفضت من 430 مليار ليرة في حزيران 2000 الى 387 مليار ليرة في حزيران 1999 ومن ثم الى 309 مليارات ليرة لبنانية في حزيران 2000. هذا فضلا عن ان مجموع الفائض الأولي في حساب تنفيذ الموازنة حتى نهاية حزيران قد انخفض من 714 مليارا في عام 1998 الى 592 مليارا في حزيران 1999 ومن ثم الى 355 مليارا في حزيران 2000، وان نسبة الفائض الأولي في حساب الموازنة الى مجموع الانفاق حتى نهاية حزيران انخفضت من 3،24$ في العام 1998 الى 19$ عام 1999 ومن ثم الى 7،9$ في العام 2000. 2 التقصير الكبير في مبالغ الايرادات المحصلة: ان ما يورده بيان وزارة المالية »ان التطورات الحالية هي ظرفية ومتعلّقة بالمعطيات المختلفة المذكورة وان وتيرة الايردات لا بد ان تعود الى الزيادة في الفصل الاخير، وان الواردات لا تزال على مستواها الذي لم يتغير عن نفس الفترة من السنة الماضية« هي ادعاءات مضللة وغير صحيحة. فالايرادات المحصلة في حساب الموازنة التراكمية لغاية حزيران 2000 قد ارتفعت دفتريا بمبلغ 4 مليارات ليرة عما تم تحقيقه في حزيران 1999. ولكن إذا تم استثناء المبالغ التي تم تحويلها الى وزارة المالية من قبل وزارة المواصلات السلكية واللاسلكية في الفترتين المذكورتين تكون الايرادات المحصلة في حساب الموازنة قد انخفضت بنسبة 9$ وهذه الوقائع تؤكدها الارقام العائدة حتى نهاية شهر حزيران من عامي 1999 و2000: أما على صعيد الايرادات المحققة في حساب الموازنة واستنادا الى الارقام المقارنة فإن مجموع مبالغ الواردات المحققة في حساب الموازنة حتى نهاية حزيران 2000 تستدعي وقفة موضوعية من أي محلل للنظر وللمقارنة مع مبلغ الواردات الاجمالي الملحوظ في حساب موازنة عام 2000 والبالغ 5389 مليارا. من ذلك يتبين ان ما جرى تحقيقه من واردات موازنة في الاشهر الستة الاولى من عام 2000 والبالغ 1958 مليار ليرة يمثل 33،36$ عما كان يجب تحقيقه خلال كامل عام 2000. من ذلك يتبين ان النقص في مجموع الواردات خلال النصف الاول من هذا العام يبلغ حوالى 736 مليار ليرة. كذلك الامر فيما خصّ مجموع واردات الخزينة للاشهر الستة الأولى من عام 2000 الذي بلغ 2138 بالمقارنة مع ما مجموعه 5979 مليارا لكامل السنة او ما نسبته 76،35$ فقط هو كذلك اقل بكثير من المعدل المطلوب والتي تمثل ما نسبته حوالى 50$ من واردات الستة اشهر الأولى العائدة للعام 2000. ومن المفارقات الغريبة في هذا الصدد ان هذه النسبة هي الأدنى بالنسبة لمجموع واردات الخزينة المحققة في فترة الستة اشهر الأولى العائدة لأي سنة وعلى مدى السنوات 1996 2000 وذلك بالنسبة الى مجموع واردات الخزينة الملحوظة. هذه مؤشرات مقلقة تدل في حدها الأدنى على دأب الحكومة على تضخيم حجم الواردات المرتقبة بشكل مفتعل وغير مبرر لاظهار صورة غير صحيحة عن وضع العجز في حساب الخزينة. من جهة اخرى فإن هذه الارقام تعبر ايضا عن مدى تردي مستوى الاداء في عمل الحكومة وعمل وزارة المالية الذي يعكسه الانخفاض النسبي في واردات الخزينة للاشهر الستة الأولى من عام 2000، كما يعكس ايضا تردي الاوضاع الاقتصادية في البلاد بشكل عام. ان هذا التردي يظهر بوضوح من خلال الجدول رقم اثنين وكذلك من خلال الرسم البياني المرفق. 3 الزيادات في نسبة العجز: اننا نستغرب ما جاء في بيان وزارة المالية العائد لشهر حزيران 2000 والذي يعتبر فيه أن »الزيادة الظرفية للعجز ليست مثيرة للقلق بل تساهم في مساندة الوضع الاقتصادي«. إن اعباء الخزينة تتزايد وستزيد وستتفاقم بسبب العجز المالي الذي تعاني منه مؤسسة كهرباء لبنان والذي ادى الى تزويدها مؤخراً بسلف خزينة في عام 2000 بحدود 468 مليار ليرة. واذا اضفنا الى هذا المبلغ سلف الخزينة المعطاة لها خلال عام 1999 يصبح مجموع مبالغ سلف الخزينة المعطاة لها في عهد الحكومة الحالية بحدود 606 مليارات ليرة لبنانية. إن الحكومة الحالية تقصدت عدم لحظ مبالغ محددة في الموازنات لتلبية احتياجات مؤسسة كهرباء لبنان واصرت على عدم ايراد اي اعتمادات على الرغم من كل الملاحظات التي ابديت إليها من قبل العديد من النواب في جلسات مناقشة الموازنة. وعمدت الحكومة مؤخراً الى تأخير تسديد مستحقات الفيول اويل الى الشركات الخاصة الامر الذي ادى الى تقنين غير معلن من قبل مؤسسة كهرباء لبنان في شهر ايار الماضي على معظم الأراضي اللبنانية وهو لا يزال قائما حتى الآن وتنعكس آثاره السلبية على مجمل الحركة الاقتصادية. 4 الزيادات على الرسوم الجمركية: إن ما جاء في بيانات عدة صادرة عن وزارة المالية بشأن انخفاض الايرادات الجمركية بأن السبب في ذلك الانخفاض يعود الى ارتفاع قيمة الليرة اللبنانية بالتزامن مع ارتفاع سعر صرف الدولار الاميركي بالنسبة الى العملات الاخرى، الامر الذي ادى الى خفض قيمة السلع المستوردة عند احتسابها بالليرة اللبنانية. إن هذا التعليل ما هو إلا تهرب من الاعتراف بأن حقيقة التراجع الحاصل في حجم الاستيراد هو الذي ادى الى انخفاض في مبالغ الايرادات الجمركية المحققة ولم يكن ذلك إلا نتيجة المزيد من التردي في الاحوال الاقتصادية بشكل عام. إن انخفاض الرسوم الجمركية بالرغم من كل الزيادات التي اقرتها الحكومة ما هي إلا مؤشر اضافي على مدى التردي الحاصل في الاوضاع الاقتصادية في البلاد، وتأكيد على زيادة حدة حالة الركود والانكماش الاقتصادي. إن الايرادات الجمركية للنصف الاول من العام الجاري 2000 قد بلغت 942 مليار ليرة في مقابل 1014 مليار ليرة في النصف الاول من عام 1999، اي بتراجع نسبته 1،7$ وكذلك في مقابل 978 مليار ليرة في النصف الاول من عام 1998، اي بتراجع قدره 6،3$ كذلك عن عام 1998. إن تراجع الايرادات الجمركية على النحو الذي نشهده هذا العام سيؤدي الى ارتفاع نسبة العجز المتوقعة، خاصة انه لاول مرة منذ عام 1993 ولغاية تاريخه يشهد المتوسط الشهري للايرادات الجمركية تراجعا بعدما كان هذا المعدل قد سجل قفزات ارتفاع نوعية خلال الاعوام 19981993 (انظر الجدول رقم ثلاثة). في ضوء هذه الارقام والنسب المحققة حتى نهاية حزيران 2000 وبالمقارنة مع ما تحقق لنفس الفترة من العام 1999 فإنه من المقدر ان تزداد النفقات خلال الاشهر القادمة من عام 2000 نظرا الى تراكم المتوجبات على الخزينة. إن القول بأنه من المتوقع ان يزداد نمو الايرادات في الاشهر القادمة يبدو انه امر غير صحيح كما انه لا يبدو من الممكن تحقيق اي زيادة اساسية في تحصيل الواردات خلال العام 2000 لان قانون موازنة العام 2000 لم يتضمن اي نصوص جديدة اساسية تؤدي الى تحقيق موارد اضافية لدى الخزينة. اما التغني بالوعد بتحفيز قدرات الادارة على التحقق والجباية فهذا أمر لن يتحقق. فقد تفننت الحكومة ووزارة المالية في اعتماد كل الوسائل والاجراءات والممارسات الآيلة الى شل عمل الادارة من جهة ومن جعل عملية تحسين الجباية أمراً غير ممكن في ظل اوضاع اقتصادية ومالية ومعيشية متردية. كذلك لن تنفع الحجج الواهية التي يبديها بيان وزارة المالية و»معالي« الوزير للتهرب من تحمل مسؤولية الفشل الذريع في السياسة الاقتصادية والمالية المتبعة وكذلك في التنفيذ بإلقاء اللوم هنا وهناك بما في ذلك عدم صدور بعض القوانين كقانون تسوية الاملاك البحرية ومشروع خصخصة قطاع الهاتف الخلوي. هذه المواقف اللامسؤولة لن تنجح في تحويل الانتباه عن حقيقة المشكلة التي دفعت الحكومة الاقتصاد والبلاد إليها. إن ارقام تنفيذ موازنة عام 1999 وما هو مرتقب في موازنة عام 2000 تؤكد أن الحكومة تقصدت تضخيم الواردات بشكل غير واقعي، كما انها تقصدت تقليص الانفاق من خلال تأجيل دفع بعضها بهدف اظهار تحسن مصطنع وغير صحيح في مبلغ العجز ونسبته في الموازنة وهو أمر اصبح مكشوفا ولا يمكن ان ينطلي بعد اليوم على احد ولن تنفع معه الشعارات والمعارك الوهمية التي تشنها الحكومة كل يوم على المعارضة او على وسائل الاعلام او على مؤسسات الدراسات الاقتصادية المتخصصة. إن كل هذه المؤشرات هي ادلة واضحة على مدى التراجع الذي وصل إليه حال الوضع الاقتصادي. فقد ادت سياسات الحكومة الى زيادة مبلغ العجز وبالتالي الى زيادة مبالغ الديون المتوجبة على البلاد والتي ارتفع مجموعها خلال عمر هذه الحكومة وحتى نهاية حزيران 2000 أكثر من اربعة مليارات ونصف المليار دولار. لقد عمد العديد من النواب وخلال جلسات مناقشة الموازنة وخلال جلسات استجواب الحكومة الى لفت نظرها بأن موازنتها للعام 2000 كانت تفتقر الى الشفافية وصحة الارقام رغبة منهم في تصويب عمل الحكومة. ولكن وللاسف جاء في رد الحكومة على لسان وزير ماليتها وفي خطاب فذلكة الموازنة وخلال رده على النواب ما حرفيته »ان تناقضات مؤلّف كلمات بعض النواب الذين اصبحوا اخصائيين في الشؤون الاقتصادية والمالية فجأة، جديرة بأن تجمع في كتاب مختص بالفكاهة الاقتصادية والمالية والاحصائية«. الآن وبعد انقضاء ستة اشهر من عام 2000 ظهرت الارقام الحقيقية بعد ولم يعد اخفاؤها ممكنا، ومن ضمن ما كشفته تلك الارقام ان مخاوف النواب اصبحت حقيقة. لذلك يطرح المواطنون على وزير المالية تساؤلاتهم منتظرين ان يسمعوا ردا منه عليها: اهو كلام النواب الذي يجب ان يجمع في الكتاب الذي يتحدث عنه الوزير »المختص بالفكاهة الاقتصادية والمالية والاحصائية؟« ام ادعاءات الوزير واقواله؟ نحن نعتقد وكذلك يعتقد معنا جميع المواطنين ان وزير المالية لا يملك جوابا على هذا التساؤل، إلا اذا كانت السخرية السوداء التي ميزت سائر افكار وتصريحات الوزير ما تزال مسيطرة عليه. ماذا فعل اللبنانيون لكي يستحقوا هذا كله؟ بل وماذا فعلوا لكي يحظوا بأمثال الوزير »الرفيع« الاحساس بالمسؤولية في هذه الظروف بالذات؟! مسكين يا بلدنا!.