As Safir Logo
المصدر:

«السفير» تنشر مقتطفات من كتاب «وطني دائماً على حق».. لصونيا فرنجية (2)

سليمان فرنجية لكيسنجر: سيأتي صلاح الدين جديد!

حين قال كيسنجر للرئيس فرنجية الجنسية الأميركية أو الكندية متاحتان لمسيحيي لبنان
المؤلف: UNKNOWN التاريخ: 2014-03-18 رقم العدد:12727

«وطني دائماً على حق». عنوان الكتاب بنسختيه العربية والفرنسية للسيدة صونيا فرنجية الراسي، ابنة رئيس الجمهورية الراحل سليمان فرنجية وعمة رئيس «تيار المردة» سليمان طوني فرنجية. الكتاب يتألف من 584 صفحة صادر عن دار نوفل، دمغة الناشر هاشيت أنطوان، ويضم أربعة أجزاء تروي في الأول منها فرنجية سيرة العائلة، وخاصة الجد قبلان فرنجية والعم حميد فرنجية ودوره الاستقلالي. في الجزء الثاني، تروي حكاية وصول سليمان فرنجية الى سدة رئاسة الجمهورية وبعض خفايا تجربة الرئاسة الأولى. في الجزء الثالث، بعض الوقائع السياسية التي عايشتها في مرحلة «حرب السنتين» (1975 ــ 1976). في الجزء الرابع والأخير، تروي فرنجية قصة مجزرة إهدن وحرب العام 1982 وموقف الرئيس فرنجية الذي كان أحد أركان إسقاط اتفاق 17 أيار.. وصولاً الى مؤتمري لوزان وجنيف. تنشر «السفير» مقتطفات من كتاب «وطني دائماً على حق»، اعتباراً من اليوم. في 16 كانون الأوّل 1973، كنّا ننتظر زيارة هنري كيسنجر، الأستاذ البارز في جامعة هارفرد والذي حلّ محل روجرز في الخارجية الأميركية، في إطار جولة له على عواصم المنطقة. وفيما كان الرئيس سليمان فرنجية وفريقه يستعدّون لاستقباله، تلقّت أجهزتنا الأمنيّة تقارير خطرة تفيد بأنّ الفلسطنيين نصبوا صواريخ ستينغر في محيط مدرج مطار بيروت لاستهداف كيسنجر. كانت تلك الصواريخ سهلة النقل، ومن الصعب العثور عليها. لم يشأ أبي أن يُجازف، اضطرّ رغمًا عنه، ووسط سرّية تامّة، أن يتوجّه ورئيس الحكومة تقي الدين الصلح ووزير الخارجية فؤاد نفاع إلى البقاع، حيث تقرّر أن تحطّ طائرة الموفد الأميركي الآتية من دمشق في مطار رياق العسكريّ، فيما كان الرسميون ينتظرون في مطار بيروت. لم تتسنَّ لكيسنجر متعة التلذُّذ بضعف الدولة اللبنانية التي عجزت عن استقباله في العاصمة، فقد أجبره عشاء تناوله في الليلة السابقة إلى مائدة الرئيس الأسد، على الدخول إلى المرحاض كلّ عشر دقائق. لكنّ ذلك لم يُؤثر أبدًا على اتقاد ذكائه الخارج عن المألوف، وعلى تصميمه على بلوغ هدفه. كان أبي يعتقد، قبل تلك المقابلة، أنّ الأُمم العظمى تقف موقفاً غير متحيِّز، فناشد كيسنجر خلال جولته في المنطقة إحلال السلام في الشرق الأوسط، حيث طردت إسرائيل شعباً بكامله من أرضه وشتتته في الدول المجاورة. وأضاف أنْ ليس أمام الولايات المتحدة سوى تطبيق بنود ميثاق الأمم المتحدة، لتُعيد ما أُخذ بالقوة والظلم. نظر والدي إلى كيسنجر وقال له ببرودة: «سيّدي الرئيس، إنّ ما يشغل بالي هو مستقبل إسرائيل وأمنها النهائي. ومن أجل ذلك يجب أن يقبل لبنان ببقاء الفلسطينيين في أراضيه. وبذلك يتساوى عدد السُنّة بعدد الشيعة، وهذا ما يحقق التوازن في لبنان. أمّا أنتم المسيحيّون، فبفضل دينكم وتمتعكم بالثقافة وإجادتكم أكثر من لغة، فتستطيعون أن تطلبوا أيّة جنسية تختارونها، بدءًا بالجنسيتين الأميركية والكندية، وهما منذ اليوم متاحتان لكم». صاح تقي الدين الصلح: «لكنّ القضية الفلسطينية مقدّسة لكلّ العرب». فأجابه كيسنجر: «أرى أنّ اللبنانيين اعتادوا الفلسطينيين». حاول أبي وتقي الدين الصلح الحديث عن قيمة الأماكن المقدّسة والمكانة العالمية التي تتمتع بها مدينة القدس. فسأل كيسنجر أبي لمن قد يعطي مفاتيح تلك المدينة، ولم يتردّد أبي في الإجابة: «للمسلمين طبعاً». لم يصدّق المبعوث الأميركي أذنيه، فالملخّص الذي اطّلع عليه حول شخصية محاوره يصفه بالزغرتاوي الماروني المتجذر بعيدًا في أصوله المسيحية. تابع فرنجية يقول: «تاريخياً، كان اليهود أوّل القادمين إلى هذه المنطقة، وديانتهم لا تعترف بمن أتوا من بعدهم. ليس بوسع المسيحيين أن يتجاهلوا الديانة اليهودية التي كانت قبلهم، كما ليس بوسع المسلمين الذين كانوا آخر الآتين سوى احترام من سبقوهم، لكنّ ذلك ليس بديهياً للديانتين الأخريين. إذا لم تُرد أن تصبح المعابد اليهودية والكنائس والمساجد مجرّد متاحف، فإنّ المسلمين هم أكثر من يحترمون أماكن العبادة المختلفة». لكنّ كيسنجر لم يكن يريد أن يسمع. بهدوء، قال لأبي: ــ أنا هنا فقط للانتهاء من مشكلة العرب وإسرائيل، يجب أن تفهم ذلك وأن تساعدني. ــ سيّد كيسنجر، إذهب وقل لبني قومك إنّ لبنان ليس بلداً يسهل إخفاؤه. لقد ارتكب الفرنج قبلكم خطأ محاولة إزالتنا. وقد أتوا بأنفسهم إلى المنطقة، وأقاموا فيها نحو مئتي عام، وبعد ذلك خرج من صفوفنا بطل اسمه صلاح الدين وطردهم من المنطقة. قد لا أكون حيًّا لأرى ذلك اليوم، لكن قل للإسرائيليين، إنّ صلاح الدين جديداً سيخرج قريباً من صفوفنا، ويطرد من منطقتنا هذا الجسم الغريب المسمّى إسرائيل». كان جواب كيسنجر الوحيد: «سوف تندم على ذلك». كان يكفينا أن نرى ملامح وجه أبي لدى عودته إلى بعبدا، لنفهم أنه تلقّى الرسالة. فقد أدرك أنّ لبنان، بلد أجداده، في خطر، وأنّ الخطّة مكيافيليّة، وواضعوها أقوياء. كانت لأبي نظرة من قابل الشيطان شخصيًّا. ثمّ تطوّرت الأمور بسرعة. لم تكد تنقضي خمسة أيام حتى صدر الأمر بنقل صديقين كبيرين للبنان من منصبيهما، فغادر وليم بافن سفير الولايات المتحدة، وروبرت أوكلي مساعده، لبنان. وقبل رحيله، أقام بافن غداء في منزله في اليرزة على شرف طوني، لم يشارك فيه سوى نحن وعائلة السفير. قال السفير الأميركي خلال الغداء: «أغادركم بكثير من الألم...» ولم يستطع أن يتابع كلامه، بل ترقرقت عيناه بالدموع. أدار لنا ظهره، واستدار لبضع ثوان ينظر إلى محتويات الواجهة خلفه. ثمّ تابع يقول: «لقد أحببت كثيراً بلدكم وشعبكم وعائلتكم. سوف تمرّون بأوقات صعبة جدًّا وخطيرة جدًّا، وليس في وسعي أن أساعدكم. وحده الله يستطيع ذلك». كانت نهاية الغداء حزينة جدًّا.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة