زحلة «غاضبة» والجيش يداهم في بريتال
لم تشفع طفولة ميشال إبراهيم الصقر له عند الخاطفين. ميشال ابن التسع سنوات وقع ضحية جديدة للإرهاب اليومي الذي تفرضه عصابات الخطف ليس على البقاع فحسب، إنما على لبنان كله. عند السابعة والنصف انطلق الطفل ميشال الصقر وشقيقتاه لين ورفقا مع سائقهم من منزل العائلة إلى «مدرسة راهبات العائلة المقدسة المارونيات» في ضهور زحلة، وعلى بعد أمتار من المنزل اعترضتهم سيارتان، الأولى نوع هوندا تقصّد سائقها صدم السيارة التي كان أطفال الصقر داخلها، لتقطع السيارة الثانية، وهي رباعية الدفع، الطريق على سيارة الصقر، قبل أن يترجل منها أربعة مسلحين، اثنان قاما بالاعتداء بالضرب على السائق والآخران تبعا الأطفال واختطفا ميشال وفرا به إلى جهة مجهولة. مع شيوع خبر الاختطاف، عاشت مدينة زحلة موجة عارمة من الغضب وأقفل أهلها الطرق الرئيسية على أوتوستراد زحلة بالأتربة والردميات والإطارات المشتعلة، قبل أن ينصبوا الخيم وسط الاوتوستراد عند مدخل المدينة الرئيسي. لا يمكن توصيف عملية اختطاف الطفل الصقر على أنها كسواها من عمليات الخطف أو الإرهاب اليومي أو الإجرام المستفحل من دون أي معالجات جذرية. فهي المرّة الأولى التي تستهدف عصابات الخطف طفلاً مع ما لذلك من تداعيات خطيرة على أمن وأمان المجتمع البقاعي. لقد أثبت اختطاف الطفل الصقر فشل كل الإجراءات الأمنية بقاعاً، والتي توصف بالمشددة. وعلى الأجهزة الأمنية التي كانت تعلم مسبقاً باحتمال تعرض الصقر أو أي من أفراد عائلته للخطف، أن تسأل عن جدوى إجراءاتها المشددة. فكيف يمكن أن تعبر سيارة عشرات الكيلومترات وتمر على أكثر من حاجز عسكري وتصل إلى مراكزها سالمة ومعها ضحيتها من دون أن يعترضها أحد؟ علماً أنّ حادثة الخطف ما قبل الأخيرة، والتي استهدفت طوني الكعدي، أمس الأول، لم تبعد سوى أمتار عدة عن حاجز للقوة الضاربة في قوى الأمن الداخلي. وقد أظهر اختطاف الصقر مدى وقاحة هذه العصابات التي لا يعرف إرهابها حدوداً، ولا تقتصر تداعيات أفعالها على المختطف أو عائلته. فاختطاف الصقر استولد، أمس، ردات فعل منفعلة، وأطلقت دعوات إلى الخطف المتبادل. ولم يخل الغضب الزحلي، أمس، من تشنّج طائفي، ولم يستطع أي من مسؤولي الأجهزة الامنية إقناع المعترضين بإعادة فتح الطريق. وقد تسبب إقفال أوتوستراد زحلة بأزمة سير خانقة داخل المدينة التي حوّل السير إلى طرقها الداخلية. وقد عمدت بعض المدارس إلى تعليق دروسها. بعد عملية الاختطاف حضر النائب العام الاستئنافي في البقاع فريد كلاس وعاين مكان اختطاف الطفل وسطر استنابة قضائية لملاحقة الخاطفين. كذلك، حضر وفد أمني من السفارة الأميركية إلى مكان اختطاف الطفل الصقر، الذي يحمل الجنسية الأميركية، والتقى بوالده إبراهيم الذي تلقى اتصالاً من السفير الأميركي دايفيد هيل متضامناً. ورجحت معلومات لـ«المركزية» أن «يكون الهدف من العملية طلب فدية مالية وأن يكون الخاطفون لبنانيين». وأفادت أن «الهوندا المستخدمة في العملية، سرقت من سن الفيل في 5 الجاري، وهي تعود للقمان عجاج زيدان». إلى ذلك، كشف مصدر أمني لـ«المركزية» أنّ «المجموعة التي أقدمت على خطف ميشال تنشط في محيط بريتال، وأنّ أسماء الخاطفين أصبحت لدى الأجهزة الأمنية». وظهر، أمس، نفّذ فوج المجوقل في الجيش عمليات دهم في بريتال. وفي وقت علم أنه تمت مداهمة منزل المطلوب ماهر. ط، أعلن الجيش، مساء، عن إقدام خمسة مسلحين على إطلاق النار من أسلحة حربية خفيفة باتجاه مركز تابع للجيش في منطقة النبي صالح ــ بعلبك من دون وقوع إصابات. وكان عقد في بلدية بريتال، اجتماع، أمس، ضم فعاليات البلدة، وأصدر المجتمعون بياناً اعتبروا فيه أن «خطف الطفل الصقر جريمة نكراء بحق الطفولة والانسانية». وأعلنوا تضامنهم مع أهله، وطالبوا الدولة بـ«القيام بواجباتها في سبيل تحرير الطفل المخطوف حيثما وجد». تضامن استقبل الوالد الصقر، أمس، وفوداً عدة من زحلة وخارجها، واستقبل أيضاً النواب طوني أبو خاطر وعاصم عراجي وإيلي ماروني. كما التقى مطران زحلة للموارنة منصور حبيقة. ولفت الصقر إلى خطورة استهداف طفله، وقال: «إذا كان لهم علاقة معي فليواجهوني، وما فعلوه هو جبنٌ». وتداعى أساقفة مدينة زحلة والبقاع وشخصياتها السياسية والحزبية والاجتماعية إلى اجتماع في دار مطرانية الروم الملكيين الكاثوليك في زحلة شارك فيه كل من المطارنة عصام يوحنا درويش، منصور حبيقة، اسبيريدون خوري وأندره حداد، والنواب أبو خاطر، ماروني وعراجي، والوزير السابق كابي ليون، النائبين السابقين سليم عون وحسن يعقوب، رئيس بلدية زحلة جوزف المعلوف، رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة إدمون جريصاتي، رئيس جمعية تجار زحلة إيلي شلهوب، وممثلين عن «الكتلة الشعبية»، «القوات اللبنانية»، «التيار الوطني الحر»، «الكتائب اللبنانية»،» تيارالمردة»، «التجمع الزحلي العام»، «الوطنيين الأحرار»، و«الإتحاد السرياني». وبعد الاجتماع صدر بيان تلاه درويش استهله بالإشارة الى الغضب والحزن اللذين تعيشهما زحلة. وأشار إلى تكرار جريمة خطف المواطنين الزحليين، كأن زحلة والبقاع الأوسط مستباحان من عصابات أو مرتزقة. وقال: «زحلة اليوم واحدة موحّدة إلى جانب الطفل المخطوف. وذووه هم من أشراف زحلة». وطالب المجتمعون بإطلاق سراح الطفل الصقر فوراً، وإعادته إلى ذويه ومدينته سالماً. وطالبوا القوى العسكرية والأمنية بالقبض على الخاطفين وإحالتهم على القضاء المختص لإنزال أشدّ العقوبات بهم، فيضحوا أمثولة لسواهم من العابثين بأمن الوطن والمواطنين الأبرياء». وقالوا: «إن زحلة لن تسكت عن هذا الخطف ولن تستكين قبل تحقيق المطالب أعلاه، وهي تحذر من يعنيهم الأمر بأنها لن تقبل أي مساومة على القيم الإنسانية». كذلك عقدت كتلة نواب زحلة مؤتمرا صحافياً، أمس، طالبت فيه القوى الأمنية بتحرير الصقر وتوقيف الخاطفين. وأكد النائب السابق الياس سكاف أنه «من غير المسموح التغاضي بعد اليوم عن ظاهرة الخطف التي تروّع أبناء البقاع في الفترة الأخيرة». واتصل رئيس مجلس الوزراء تمام سلام بوزير الدفاع سمير مقبل ووزير الداخلية نهاد المشنوق اللذين أطلعاه على تفاصيل اختطاف الصقر. وأعطى تعليماته إلى الأجهزة الأمنية بوجوب الإسراع في كشف ملابسات الحادث وإيقاف الفاعلين وسوقهم إلى العدالة. واتصل سلام بقيادتي «حركة أمل» و«حزب الله» وطلب منهما بذل جهودهما لمساعدة الأجهزة الرسمية على معالجة هذه المسألة. واعتبر البطريرك الماروني بشارة الراعي أن «هذه الظاهرة غريبة عن المجتمع اللبناني ومرفوضة من الجميع». وناشد البطريرك «كلا من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء وقيادة الجيش وسائر الأجهزة الأمنية، اتخاذ التدابير اللازمة للحد من هذه الجرائم ولرفع الغطاء السياسي والحزبي عن كل المجرمين، ولاسيما أن هؤلاء باتوا معروفين بالأسماء وبأماكن تواجدهم». وأبلغ الوزير المشنوق، والد المخطوف أن «كل الأجهزة الأمنية مستنفرة، وبدأت باتخاذ الإجراءات اللازمة والكفيلة بتحرير الطفل ميشال». وشدد في بيان على «ضرورة مكافحة مربع الموت المتخصص في الخطف والقتل والتزوير والسرقة والمخدرات». وطالب «القوى السياسية بحسم هذا الأمر، وإلا ستعود الأمور إلى نقطة الصفر سياسياً وأمنياً». وكان المشنوق تلقى اتصالا من رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع بعد خطف الصقر. واستنكر، وزير الأشغال والنقل غازي زعيتر خطف الصقر، ودعا في حفل لـ«أمل» في البقاع، الأجهزة الأمنية والقضائية إلى العمل سريعاً لإطلاق سراحه، وعودته إلى ذويه ومحاسبة الفاعلين إلى أي جهة انتموا. كما أدان الجريمة اللواء الركن جميل السيد. وأشار النائب أنطوان زهرا إلى أنّه «مهما كانت دوافع جريمة خطف الصقر، سواء مالية-ابتزازية أو سياسية أو ثأرية، فهي تظهر عجز الدولة ومؤسساتها عن حفظ أمن مواطنيها خصوصا، وهي تتكرر على قاعدة أنه اذا لم تعالج السوابق فلا بد من توقع ما يلي وما سيلي، حتى تحزم الدولة امرها وتضرب بيد من حديد لوقف هذه الموجات الإجرامية الغريبة عن مجتمعنا».