As Safir Logo
المصدر:

القصيدة عنده صورة واحدة.. لا يرفض السرد ويكره الغموض والاختزال والشاعرية محمد متولي: القصيدة الجديدة لا تحاكم بمعايير الخمسينيات

متولي لا ازعم اني اكتب شعرا
المؤلف: حسو احمد التاريخ: 2000-08-01 رقم العدد:8666

محمد متولي من الشعراء الشباب في مصر الملتفين حول مجلة الجراد التي تعنى بنشر نصوص التيار الجديد في الشعر المصري. وهي حسب هيئة تحريرها »مجلة تدعي القدرة على تحطيم كل الأطر والقوالب التقليدية الجاهزة«. يقول المشاركون فيها أنهم لا يمثلون أية مذاهب او تيارات سياسية، وأنهم يصدرون عن أنفسهم كالجراد تماما.. يأكلون يابس الشعر، ليفرزوا أخضر غير مستساغ من ذوي الذوق التقليدي«. التقينا الشاعر محمد متولي على هامش مشاركته في مهرجان كولونيا الشعري الرابع. والحوار مع متولي يعيدنا الى المناقشات القديمة حول الشعر والحداثة، وقصيدة النثر وربما الجديد هذه المرة هو معرفة ماذا يفكر شعراء الجيل الجديد او شعراء ما بعد الحداثة. ولعل هذا الحوار لا يخلو من طرافة فمتولي يصر على استخدام مصطلحات انكليزية آثرنا نقلها كما أرادها هو. بقي ان نقول ان هذا الحوار قام على الصراحة التي ربما تقترب من التجريح، فمتولي لم يتورع عن توزيع »أحكامه« على كبار الشعراء دون ان يرف له جفن. { أنت هنا في ألمانيا لتشارك في مهرجان كولونيا الشعري الرابع، ما هي انطباعاتك عن هذا المهرجان؟ والله مهرجان موفق الى حد كبير وخصوصا ان الاختيارات كانت تميل الى اختيار الشعر العربي الجديد ولن أقول الحديث، لأنه بالطبع سيكون هناك ما بعد الحديث. الشعر العربي الجديد متضمنا حداثييه وما بعد حداثييه. { ماذا تقصد بالشعر العربي الجديد؟ وما الفرق برأيك بين الشعر العربي الجديد والحديث؟ الشعر العربي الحديث هو شعر الطبقة المثقفة او شعر النخبة الصفوة. وهو شعر معروف منذ الخمسينيات. من بدايات السياب وصلاح عبد الصبور واستخدام الأسطورة كمواز للواقع وأشياء من هذا القبيل. التيمات لم تتغير، الاسلوب هو الذي تغير. الجيل الحديث كان جيلا »صفوجيا« يختار من الفن ما يروق لمستواه ويختار من العلاقات الاجتماعية ما يرقى لمستواه أيضا. فالنخبوية برأيي مفهوم عام لها ظلال في الحياة كما لها في الأدب. تستطيع ان تكون نخبويا حتى في قائمة الطعام التي تتناولها. بالطبع جيلنا ليس نخبويا قط. هناك فارق بين المفهوم النخبوي الحديث للشعر والحياة من جهة وبين مفهوم ال ما بعد الحداثة. { تحدثت عن الجيل الجديد في الشعر العربي. من يمثل هذا الجيل؟ ما هي سماته؟ هذا الجيل يمثل الشباب. وهو لا يدعي لنفسه ايديولوجيا بعكس جيل الحداثة الذي كان ثقافويا ونخبويا ويعتمد دائما على ايديولوجيا تكون تكئته الكبرى. في زمن الحداثة كان لا بد من تكئة ما ثقافوية وليست ثقافية. نحن مثلا نتفرج على الأفلام اكثر مما يتفرج أدونيس. ويمكن ان نقرأ كتب كرتون، هو لم يقرأها في حياته. نستطيع ان نتفرج على أفلام هزلية ونأكل فشار أثناء الفرجة. هذا أسلوب حياة وثقافة مختلف عن أسلوب الحياة النخبوية التي كانت سائدة الى فترة قريبة. الانخلاع من النخبوية في العالم العربي جاء في التسعينات بينما في أميركا وأوروبا كان في الستينات من الثورة الجنسية. الأشياء تأتي إلينا دائما متأخرة وهذا هو السبب. { بمن من الشعراء العرب الحداثيين تأثرتم؟ أنا تأثرت بشعراء كثيرين. تأثرت من جيل الخمسينيات بخليل حاوي، مع أني مصري وكان الأولى بي ان أتأثر بصلاح عبد الصبور او احمد عبد المعطي حجازي. لكن شعر حجازي رديء ليست فيه اي فكرة عدا بعض القصائد الرومانتيكية العاطفية ك»سلة ليمون، تحت شعاع الشمس المجنون او المسنون الخ«. صلاح عبد الصبور عنده فكرة وقرأت له بعض الأشياء وتأثرت به أكثر في مسرحية »بعد ان يموت الملك«. ولكن عندما قرأت »إليوت«، شعرت ان من الأفضل قراءة »إليوت« أولا ثم إلقاء نظرة على المسرح الشعري عند عبد الصبور. أعتبر ان خليل حاوي هو الشاعر الخمسيني الأصيل جدا جدا. وهو أثر فيّ فعلا وخصوصا في ديوانه »بيادر الجوع«. كذلك السياب والبياتي الذي تأثرت بديوانه »سارق النار«. وفي الستينات تأثرت بأمل دنقل واعتبره الشاعر المصري الحقيقي الذي ظهر في هذه الفترة. لم أحب شعر محمد عفيفي مطر على الإطلاق. أنا أتحدث معك بصراحة وأقول لك ما أحب وما لا أحب. { مع أن محمد عفيفي مطر أقرب إليكم من صلاح عبد الصبور او أمل دنقل! هو أقرب شكليا. عفيفي ثقافوي elitist نخبوي بحت، ولكنه يكتب كفلاح يجيد الانكليزية. هو مثلا يحيا حياة قروية بسيطة. لم يعبر عنها. بل استخدم الحداثة كشكل مناف لطبيعته وسلوكه وتكوينه الشخصي أساسا. وهذا هو التناقض الذي أشير اليه دائما في جيل الحداثة. جيل ما بعد الحداثة او جيل ال»بوب آرت« يجد ان أهم شيء هو ان تكون متسقا مع ذاتك. لذلك أرفض الجماعات الاسلامية كتيار فكري بسبب ايديولوجيتهم. أنا أرفض الشخص الاسلامي الذي لا يتفق مع أفكاره الاسلامية، مثلا يسكر ثم يأتي ويقول لي: قال الله وقال الرسول. من الأفكار الجميلة في الpostmodernism ان تقبل التجاور طوال الوقت وألا تكون متعصبا ضد التيارات التي تخالف عقيدتك. والتجاور يخالف منطق النخبوية الذي ساد عندنا. لا أزعم أني أكتب شعرا { من الملاحظ ان قصيدتكم، الجيل الجديد، وقصيدتك أنت بالذات تنحو نحو السرد بشكل قصوي جدا. أعني اللغة التي تستخدمها والأسلوب الحكائي، فهي أقرب الى القصة القصيرة منها الى القصيدة الشعرية. أنا لا أزعم أني أكتب شعرا. أنا اكتب نصا نثريا يحاول الانتساب الى الشعر. فأنا لا اقول هذه قصيدة بل نص نثري Prose. وله مبرر فقد مللت وربما غيري من الكتاب الشباب من فكرة الشعرية نفسها اعني البويطيقا Poetic كإله للنص. فهي كثيرا ما تصرفك عما تريد قوله او ما يدور في رأسك. احيانا تفكر في القصيدة او في القصة وترتبها في دماغك كتسلسل احداث او صور او جمل لغوية، وفجأة ترى ان البويطيقا تجبرك على فعل شيء آخر، على تسلسل ما خارج نطاق تفكيرك الخاص. أنا ضد ان تتحكم البويطيقا في النص أيا كانت الدوافع. أنا مع نص يقال عنه قصة Fiction، قصة قصيرة او طويلة، لكن بشرط ان يكون سرداً جيداً، اما اذا كان السرد سيئا فهناك مشكلة طبعا ويكون النص مسؤولا. المشكلة تأتي من محاكمة هذا النص الجديد على أساس انه قصيدة تنتسب الى القواعد الشعرية الحداثية التي كانت سائدة منذ الخمسينات. { انتم تشكلون مجموعة من الشعراء في مصر وربما في بعض البلاد العربية الاخرى، وسؤالي هل تنتمي قصيدتكم الى الشعر العربي، اعني هل هي امتداد لتطور القصيدة العربية الحديثة؟ الله اعلم، لا استطيع الجزم، ربما هي تنتمي للثقافة الغربية اكثر. لكن بما انك تكتب باللغة العربية فهذا يعني ان هناك تواصلا لغويا مع القارئ العربي. بالطبع يوجد انفصال واضح في التلقي مع الذائقة الشعرية، ذائقة القارئ العربي الشعرية. باختصار نحن جيل ضائع بين الفكر الذي يمكن تسميته الPopculture البوب ثقافة او الثقافة ال المابعد حثيثة وبين استخدام اللغة العربية كوسيلة للتفاهم. { لنعد الى بداياتك الشعرية. كيف خطر لك ان تكتب شعراً؟ كنت احب فتاة في المدرسة وكتبت لها قصيدة. بعدها خطر لي بأني ربما اكون جيدا في الشعر فبدأت أقرأ للشعراء الرواد عبد الصبور، شوقي ابو شقرا، الماغوط، خليل حاوي، أمل دنقل. البدايات جاءت »عبيطة« جدا. { ما شكل القصيدة الذي اعتمدته في بداياتك؟ كتبت شعراً عمودياً في البداية ثم شعر تفعيله وبعد ذلك شعراً منثوراً ذا طابع تفعيلي. وفي مرحلة لاحقة كتبت شعرا أقل سردية مما اكتبه الآن. وأخيراً قررت ألا اخضع للشعرية كقيمة. هو ليس الشعرية، انما التلخيص الموجز الذي يتفادى المجانية. هناك مجانية قد تنتج شعرا. لو اخذت قصيدة او نصا لا اقول قصيدة بل نصا حتى اظل متسقا مع كلامي لي او لشعراء آخرين من جيلي وحذفت منه ثلاثة اسطر او اربعة لن يبقى في النهاية مفهوما. فالنص الجديد يعتمد على اجمال الصورة واجمال النص في خلق الشعرية. النص بمجمله من أوله الى آخره يخلق صورة شعرية ولا تستطيع ان تجزأ بيتين او ثلاثة وتقول: الله، يا سلام. كما كان في السابق يتم الاستشهاد ب»عذبة أنت كالطفولة كالاحلام كالصبا« وهي أبيات عظيمة وجميلة. اما النص الحالي فلا يمكن تجزئته في اي حال من الاحوال. { كم ديوانا اصدرت حتى الآن؟ للاسف ديوانين اثنين فقط. واحد اصدر لي وهو الخاص بجائزة يوسف الخال عام 1992. والثاني اصدرته على حسابي من منشورات الجراد التي اشرف عليها مع احمد طه الذي لعب دورا كبيرا جدا في مصر في ابراز شعراء جدد كثيرين. وبدأنا مشروع مجلة »الجراد« واصدار كتب للشباب لم يكن سيتسنى لهم اصدارها في مطبوعات حكومية بأي شكل من الاشكال. { هل »الجراد« هي المجلة التي تحمل مشروعكم الادبي كمجلة »أبولو« او »شعر«؟ هذا السؤال مثل السؤال الذي قلت فيه هل تسمي ما تكتبه شعرا. (يضحك). { ما رأيك بتطور قصيدة النثر العربية؟ الى أين وصلت؟ هذا سؤال مغر جدا للاجابة وخصوصا اذا تكلم احدنا بحرية. انسي الحاج قاد هذه الثورة بديوانه »لن«. وكان عنده تطلع لكسر حاجز اللغة وكسر السياق العربي التقليدي وهي محاولة تحسب له. لكن الحركة اللغوية التي اثارها انسي الحاج اقتصرت على تحريك اللغة والافعال والضمائر. وحينما كنت صغيرا قرأت هذا الشعر لم اكن افهمه. صرت ضد هذا الشعر لم افهمه وأنا الآن ضده حتى عندما فهمته. صحيح كنت اشعر بأنه مختلف عن اي كتاب عربي آخر قرأته، لكن الاختلاف ليس قيمة في حد ذاتها. اما ادونيس؟؟ واذا عدت لمجموعته الكاملة فإنك ستكتشف ان قصائده الموزونة من اقوى قصائده. اما قصيدة النثر عنده والتي نظر لها فهي صعبة جدا على القراءة. { هل التوجه نحو الاقصوصة عندك مثلا وعند بعض الشباب من جيلك هو تمرد على هذا الغموض؟ الغموض شيء منفر عموما ليس فقط في جيلنا. بورجوازية النخبة وحدها كانت تشجع هذا الشكل المختلف من القصيدة. معظم المتلقين لم يفهموا شيئا لكنهم لم يستطيعوا الكلام لانه كان هنالك سلطة، دكتاتورية النخبة، دكتاتورية الفن الحديث باعتباره امثولة يجب الاحتذاء بها. هذا الامر لم يعد موجودا الآن وعلينا استغلال ذلك. كان هناك سيادة لثقافة النخبة وثقافة الفن النخبوي واذا خرجت عليه اعتبرت متخلفا. واذا لم تكن شيوعيا فانت متخلف عقليا، واذا لم تكن نخبوبا مودرنستيا سورياليا في الفن فأنت متخلف ايضا. اما عصرنا فهو عصر تجاور هذه الامثلة التي لم تختف تماما وبالتالي لا يمكن القول إن عصر النخبوية انتهى وجاء عصر ما بعد الحداثة كلا. فالنخبويون موجودون متجاورين مع من؟ مع الاسلاميين والشيوعيين مع الرأسماليين واصحاب اغاني البوب. اذن سمة هذا العصر هي التجاور وغياب نقطة مركزية كما في اللوحة التشكيلية الكلاسيكية حيث كانوا يقولون دائما هناك البؤرة التي ترى من خلالها اللوحة. اما اذا حاولت اليوم رسم صورة تشكيلية لهذا العصر فستكون بالضرورة لوحة بدون نقطة مركزية. { ولكن قصيدتك مثلا، وايضا قصائد الكثيرين من شباب هذا الجيل، هي قصائد عارية بلا صور؟ بالعكس تماما، الخيال عنصر اساسي من عناصر قصائد شعراء هذا الجيل. لانك حتى تدمر البويطيقا او الشعرية بأن تنثر الاشياء حولك فإن هذا النثر لا يقوم له ميزان بدون الخيال. كيف نقيم ميزانا لاشياء منثورة بدون خيال؟. { أنت تكثر من الحديث عن هدم البويطيقا او الشعرية. شعراء الحداثة الرواد كان تركيزهم على القوافي والوزن ثم جاءت قصيدة النثر والآن انتم تحاولون هدم الشعرية في قصيدة النثر نفسها، ثم ماذا؟ ثم ماذا؟ هذه في علم الغيب. { طيب لماذا هدم الشعرية؟ باختصار لانها نقطة بؤرية. بعد ان قرأت في الامسية الاولى في كولونيا كان اكثر شخص يهمني رأيه هو وديع سعادة لاني معجب جدا بأعماله. لكن وديع فاجأني قائلا: انت تكثر من النثر، حاول الاختزال. فالاختزال بالنسبة الى وديع هو الشعر اما أنا فأسعى الى الضد. اجاهد ألا يكون هناك عنصر بؤروي محوري يتحكم بي اثناء الكتابة حتى لو كان هذا العنصر البويطيقا. { ولكن السرد لم يغب عن قصائد الشعراء الرواد. الماغوط مثلا!. نعم ولكن للسرد حدا ما ولا يستطع ان يستمر. الفكرة التي اعنيها انك تقطع السرد في مواضع لا يجب قطعه فيها بحجة الاختزال او الاختصار. (كولونيا المانيا)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة