As Safir Logo
المصدر:

شعر «الصحة الجنسية» العربي يواصل تمرده على «الحجر» العام

المؤلف: ابراهيم وسيم التاريخ: 2014-02-17 رقم العدد:12702

بروكسل ـــ وسيم ابراهيم لا تتذكر تحديداً متى حدث ذلك، لكنها لا تنسى أنه كلفها ثماني سنوات قضتها متوقفة عن الكتابة. كانت الشاعرة المصرية فاطمة قنديل تكتب وقتها عن حياتها، عما تعيشه. كل ما فعلته أنها قررت في تلك المرة قراءة قصائد تكشف مشاعر ولحظات تدور في فلك ممارسة الحب. أمام مركز «فلاجيه» الثقافي الشهير وسط بروكسل، تروي قنديل ردود الفعل الصاخبة على ما قرأته أواخر التسعينيات، في صالة «معهد العالم العربي» في العاصمة الفرنسية باريس، وكيف جعلتها تلغي فكرة نشر القصائد. كانت تكمل رسالة الدكتوراه، وتخشى من حملة تحريض، لم يقصر في التلويح بها حتى «زملاء» الإبداع. وإلى اليوم، يتردد الكتّاب العرب في تسمية هذا النوع الكتابي، ولا يجد بعضهم له اسماً عربياً مقبولا. يفضلون تسميته شعر «إيروتيكي»، أو «إيروسي» (نسبة إلى «إيروس»، إله الحب عند اليونان). اللفظة الغربية تمتص الإحراج، لكنها تكرّس غربة الموضوع عن اللغة العربية وحياة متحدثيها. وربما تمكن رؤية ذلك جلياً في شيوع لفظة «سيكس»، عند كتابة أي موضوع أو حديث يتعرض لممارسة الجنس في الإعلام العربي المنفتح. رغم حسرة لم تتبدد لدى أستاذة النقد في جامعة حلوان في القاهرة، غير أنها تضحك وهي تسترجع مرحلة صارت وراءها :«الآن ليفعلوا ما يشاؤون، فلدي أماكن كثيرة أعمل فيها». فالشاعرة قرأت قصائدها في دار الأوبرا المصرية في القاهرة، ثم نشرتها في كتاب «أسئلة معلقة كالذبائح» قبل سنوات. ولا يمكن لقنديل إلا الوقوف عند مفارقة تجدها مثيرة للعجب. تتحدث عن كتب الجنس العربية التي تعود لقرون مضت، وكيف تنتشر وتباع بيسر في الشوارع، مع أنها تقدم موضوعاتها بإفصاح شديد التفصيل. وهي لا ترى تفسيرا سوى أن تلك الكتب «مقبولة لكونها تكرس سطوة مجتمع ذكوري، وتقدم الجنس من مبدأ أفضل الطرق لاستخدام المرأة كغرض جنسي». اللافت أنه حتى الجمهور الغربي لم يخف دهشته من وجود شعر عربي معاصر عن الجنس. كان ذلك حال بعض من حضروا احتفالية عربية بمناسبة «عيد العشاق»، أحياها كل من قنديل والشاعر المغربي طه عدنا، الذي قرأ قصائد «أيروسية» أيضا للشاعر العراقي سعدي يوسف. البعض صدمته «الجرأة»، واعتقد أن الشعر هو «للكتّاب القدماء الموتى، فالعرب لا يكتبون الآن مثله»، كما سمع الشاعر المغربي من سيدة بلجيكية فوجئت بأن ما سمعته «لكتّاب أحياء يرزقون». وعندما سألنا الشاعر، وهو من منظمي الاحتفالية السنوية، عن غايتهم من التركيز على «الايروتيكية»، قال إنه «لا يعنينا هذا الحياء المصطنع تجاه أمر ينتمي إلى جوهر الإنسان»، مؤكداً ان «هذا الشعر موجود، وليس فقط في ما كتبه القدماء، بل لدى كتاب يعيدون إنتاج هذه الايروتيكية بشكل أدبي معاصر». وعلى وقع ترحيب وتصفيق حارين، قرأت قنديل قصائد عشقها، وتقول في مقطع من قصيدة :«سأحاول أن أشبه الأورغازم (الذروة الجنسية) بناطحة سحاب ينكسر زجاجها مرة واحدة». وتعرف الشاعرة المصرية تماماً أنه «من النادر جدا أن تنشر هكذا كتابات في الإعلام العربي، حتى الصفحات الثقافية تمارس دورها في عملية الحجر». وهي لا تنسى كيف قام ناقد وكاتب لبناني، في صحيفة عربية شهيرة، بالتعليق على قراءتها الأولى في باريس، واضعاً عنوانا «تشهيرياً» يتهمها بـ«الإباحية». وغير ذلك، يتحدث الإعلام العربي عن الجنس فقط تحت عنوانين: الأول ما ينقل عن دراسات، غالبا لمراكز أبحاث غربية، تتحدث عن «الصحة الجنسية»، وكيفية تحسين الأداء في السرير. ويضاف إلى ذلك الفضائح المتصلة بحياة المشاهير والشخصيات البارزة، الأمر الذي يجعل شعراء «الإيروتيكية» يسخرون من الحجر على كتاباتهم، متسائلين عن أية «صحة جنسية يمكن الحديث عنها طالما يراد للجنس أن يبقى موضوعا غير طبيعي». هذه المفارقة لا تفوت محمد أقوبعان، مدير مؤسسة «موسم» البلجيكية التي نظمت أمسية شعر الغزل، والذي يعتبر أن «لا شيء يبرر تكريس هذا الإقصاء، في حين أنه حتى الدين الإسلامي يتحدث بصراحة وتفصيل عن الجنس»، لافتاً إلى أنه كان «سباقا إلى ذلك، ففي القرون الوسطى، كانت الكنيسة الكاثوليكية تعتبر الإسلام ديناً إباحياً لأنه رأى الجنس أمراً طبيعياً، فيما كانت تعتبره عملية للإنجاب فقط».

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة