As Safir Logo
المصدر:

يرى أن لبنان متخلف وظروفه اليوم لا تتيح حضور المثقف ولا نهوض الثقافة برهان علوية: مقص الرقيب في لبنان لا يشجع منتجاً على صناعة فيلم

المؤلف: باشا عبيدو التاريخ: 2000-07-28 رقم العدد:8663

برهان علوية أحد أبرز المخرجين اللبنانيين والعرب. إشكالي، صاحب لغة إشكالية، ومثقف تلعب ثقافته دورا أكيدا في كتابة موضوعاته. له »بيروت اللقاء« فيلمه الروائي الوحيد و»كفرقاسم« المازج ين الروائي والتسجيلي. وعنده: »لا يكفي أن يكون الله مع الفقراء« عن تجربة حسن فتحي المعمارية في الأرياف المصرية، و»السد« و»رسالة في زمن المنفى«... أفلامه غير المحققة هي في مرتبة أفلامه المحققة. عنده أسبابه في قول ذلك. وعنده الكثير، لكي يقوله. هذا حوار حول الأساسيات، في عدم نهوض صناعة سينمائية راهنا، وخصوصا في لبنان والخليج العربي. إلى قضايا أخرى: { لا مسرح، لا سينما، ولا أشكال تعبير أخرى. لا شيء تقريبا في الثقافة اللبنانية. ثمة من يربط ذلك بالتغيرات التي حدثت في العالم. غياب الإيديولوجيات مثلا وغياب الصراع السياسي الفكري. وثمة من يربط ذلك بمفاهيم العولمة، البديل الأكيد عن الصراع الثنائي القطبي القديم. أنت، كيف ترى إلى الوقائع الراهنة في لبنان، على الصعيد الثقافي. ثقافة الحرب ظهرت بعد الحرب. دمار الثقافة وتفتتها ظهرا بعد الحرب، لأن الأوضاع انمسكت بالحرب في أثناء الحرب. انتهى دور الثقافة اليوم. لا أحد يطلب شيئا من الثقافة ومن المثقفين. لم يعد أحد يطلب منا شيئا. عُمِّر بلد كامل، بدون أن يطلب شيء من مثقف أو ثقافة على هذا الصعيد. همشت الثقافة، أصبحت هامشية تماما في لبنان. لذا تهمش حضور المثقفين. لا ثقافة عندنا. ولكن العولمة تنتج ثقافة جديدة في العالم. { ولو أنني سأعود بك ردحا كبيرا من الزمن، حيث نوقشت مضامين الثقافة في لبنان، إلا أنني أجد من الضرورة بمكان أن نذكر الناس بماهية الثقافة. ما هي الثقافة عند برهان علوية، كيف يراها. هل لا تزال هي هي، أم اختلفت آلياتها الداخلية أو لنقل تعريفها الأول؟ الثقافة دائما هي ربط الحاصل بالذي حصل وبالذي سيحصل. هذه هي الثقافة في إطارها الأضيق والأوسع. ممنوع حضور الثقافة في هذه المرحلة. لذا تراها غير موجودة. أعود دوماً الى إعادة تعمير لبنان، لأنها حركة ذات دلالات واسعة، راهنة ومستقبلية. لقد جرت بدون طرح أي سؤال، وليس بدون جواب. جرت بدون أن يطرح السؤال حول هويتنا، حول من نكون. لم يسأل أحد من نحن. لم يجر أخذ سؤال من أسئلة الحرب ومعالجته. لم تجر قراءة نقدية لأية مرحلة من مراحل الحرب. اندفعنا الى إعادة التعمير، بدون طرح أسئلة موضوعية حساسة وحاسمة وموجودة. لم تطرح إشكالية واحدة في أثناء المرحلة الجديدة في تاريخ لبنان. لا شيء، لم يطرح أي شيء على بساط التساؤل والتعرف إلى الذات، بعد الحرب في لبنان. آلاف القتلى والجرحى والمعوقين، نظر إليهم في لمحة خاطفة، ثم تركوا بدون أي تذكر بسيط. بلد متخلف { اين سؤال المقاومة والثقافة المقاومة من ذلك؟ لاحظ هذا السجال المطروح في بيروت حول هذه القضية. تلاحظه، غير انني أطلب ملاحظته بربط السجال هذا، بالمعطى البلدي العام. في ظل غياب الثقافة في لبنان، كيف تخلق ثقافة مقاومة. إذا لم يكن هناك من ثقافة في لبنان، كيف يكون هناك ثقافة مقاومة. استغرب مثل هذا المطلب فعلاً. ثم ان المقاومة دخلت، بل هي في الأساس جزء من لعبة سياسية كاملة في لبنان، ألغت الثقافة. التخلف لا يمكن أن يعطي ثقافة، التخلف لا يمكن أن يخلق ثقافة. الثقافة لا تنهض وحدها. خصوصا، حين تكون ثقافة مرمية، ثقافة مرفوضة، ثقافة مهجنة بلا دور. لبنان بلد متخلف اليوم، لذا لا ينتج ثقافة. ولأنه لا ينتج ثقافة، تعددت أساليب المثقف في التعاطي مع الأوضاع الراهنة. هناك من استزلم. وهناك من استسلم. وهناك من لا يزال يعمل في هوامشه المتاحة الضيقة. لأنه يدرك أن غياب المسالك العريضة العامة، يؤدي الى سلوك الزواريب الصغيرة، الى سلوك »القادوميات«. وهي اليوم تلعب دور الشرايين الصغيرة، في ظل انسداد الشرايين الكبيرة. على المثقف اليوم، أن يسبح في شرايينه الصغيرة، وإلا لوقع في الهرطقة، لوقع في اللامعنى. لغاية ماذا يسأل، لمن يسأل، ولمن يعطي الجواب. اننا في مرحلة فقدان كل الظروف المهيأة لحضور المثقف، من النشاط الفكري الى الحرية الداخلية والمعرفة الواسعة والصدق والتطرف بالتعبير. { التطرف... بلا معرفة، يبقى التطرف تطرفا بالمعنى الذي حاولت أن تتكلم عليه. { هذه هي الظروف التي تمنعك عن العمل اليوم. عندك مشروع سينمائي مؤجل بعنوان »الحرامي«. ليست هذه الخريطة المرسومة بالأوضاع الراهنة، ما يمنعني عن العمل. ليست هي وحدها. هناك سؤال السينما نفسها. كيف انبنت وكيف استمرت وتستمر. دور السينما، تحديدها. قول الحقيقة، قول الحقيقة الحقيقة. السينما ذات حضورها، لأنها تختزل وتختزن في حضور هام حكاية الحريات. ليس بمعنى ان يقول الفرد/ المواطن/ المثقف/ ما يريده. بل بمعنى ان يعرف ما يريد. يتيح المجتمع المعرفة. حاول ان تعرف اليوم أي شيء في لبنان، عن لبنان، تجوّل فيه وعد لكي تروي ما استخلصته أو استنتجته من تجوالك، سوى المترجمات والكومبيوتر. تبحث فلا تجد أمامك ما تقوله عن بحثك. بات المجتمع مسطحا والعلاقات مسطحة. الحرية معرفة بالأساس. خذ الانتخابات كمثال. عندنا مفهوم غير مفهوم الديموقراطية الحقيقية في الانتخابات. عندنا الديموقراطية هي: ان تصوّت. ان تضع صوتك في صندوق الاقتراع. في حين ان الديموقراطية الحقيقية هي في ان تعرف لماذا تضع صوتك في الصندوق. هناك فرق جوهري شاسع بين المفهومين. الصوت العارف غير الصوت الجاهل. يبقى الإنسان اللبناني لمدة أربع سنوات على هامش السياسة، عند آخرها عليه ان يعطي صوته. هذه ليست ديموقراطية. الديموقراطية ليست ديموقراطية هنا، وعلاقة الإنسان بالسياسة تبقى مشوهة. على الإنسان ان يكون حرا دائما. ولكي يكون كذلك عليه ان يخطئ. ذلك ان الثقافة ليست ديوان محاسبة. { لنعد الى السينما، لنعد الى الحديث عن تخلف السينما عن الحضور وعن نكوص المحاولات السينمائية الأخيرة في لبنان. مقادير الحرية تمنع حضور أي شيء تأسيسي على هذا الصعيد. من يضع أموالا في السينما، وهو يرى مقص الرقيب مسلطا على رأسه وعلى لقطات الفيلم. الرقابة تلعب دورا سلبيا هنا. انها تخلق ظروفا استثنائية تسود في العالم العربي والاسلامي. كيف تنتج المؤسسات العامة والخاصة، ضمن دول لا تزال الرقابة تلعب أدوارا متقدمة في حياتها العامة، إذا كانت الممنوعات أكثر من المسموحات فيها. وإذا كانت الممنوعات شيئا مزاجيا. المزاجية رسمت رقيبا غير طبيعي. يقول الرقيب: هذه اللقطة لا تعجبني، يقصها. لا تعرف لماذا لم تعجبه، لأن ليس هناك شروط ومقاييس حتى ان الرقابة أصابت أفلام تلاميذ الجامعات. ألغيت لقطة من فيلم تخرج، لأنها تحتوي على علم إسرائيلي. حين سأل الطالب عن سبب إلغاء اللقطة، أجيب بأنها لقطة طويلة لعلم إسرائيلي. هذه الممارسة ليست ممارسة رقابة على ممنوعات، بل تصرف قضاء. هذا افتاء. كيف تقوم ثقافة في هذا السياق. ثقافة لا تقوم قبل المقاومة، لن تقوم أثناءها ولا اثر انتصارها. ثم إن المقاومة، لا مشكلة عندها على هذا الصعيد في تركيبتها الداخلية، لأنها سائرة ب»الكومبينة« الداخلية. الأوضاع لن تفرز ثقافة لأنها متخلفة. والمثقف ليس زراً، ينتج ثقافة، حين تضغط عليه. { كأنك تؤكد أن الأوضاع كانت أفضل في فترة ما قبل الحرب، تلك التي أدت الى اندلاع الحرب الأهلية في لبنان. بالضرورة. لأنه لم يكن هناك رقيب. كان لبنان محلا للحرية، لأن الرقيب كان غائبا. لم يكن موجودا على أي شيء. كانت المدينة بدون رقيب. { ولكنكم في معظمكم صنعتم أفلامكم في فترة الحرب. السينما اللبنانية الجديدة ازدهرت في خلال الحرب. سينماك وسينما مارون بغدادي وجوسلين صعب وهيني سرور وبهيج حجيج وجان شمعون... عندنا سينما، عندنا أفلام في مرحلة ما قبل الحرب ومرحلة الحرب. ولكنها أفلام مختلفة تماما. حدث شيء مختلف في خلال فترة الحرب، أنتج ثقافة ومثقفين وسينما. السينما وجدت جدتها وتجديداتها حين دخلت الى فيلم المؤلف والمثقف وليس فيلم المخرج أو المبدع فقط. استفادت من القصيدة العربية، من إشكالياتها. استفادت من الرسم. دخلت الى موضوع الثقافة مع بداية الحرب. بعض السينما العربية ذهب في ما ذهبنا إليه. في السينما العربية وفي السينما المصرية. { أين راوحت سينما ما قبل الحرب؟ جرت المعارك حول اللهجة عندها. سأل المخرجون أنفسهم، نعمل أفلاما باللهجة المصرية أم باللهجة اللبنانية. ننتج سينما جمهور أم ماذا؟ كانت سينما تسلية ولهو، ينتجها الشطار في مجالها. فلسطين شكلت قصتنا وقصة كل العرب. أخذ القطاع العام على عاتقه إنتاج أفلام في الموضوع الفلسطيني. تجربة أفضت إلى أفلام غير ناجحة الى حد ما، ولكنها تنتمي الى الموضوع الثقافي. السينما البديلة { أي أن ينجح الفيلم بدون أن يكون فيلما. أي أن تغيب السينما، ويحمل الموضوع »الفيلم« الى علاقة بجمهور ينتظر تحريضه عبر موضوعات معينة. هذا موضوع آخر. ولكنه يطال كل القطاعات في الفن والثقافة. المسرح مثلا. لا يمكن عندي لمجتمع ان يكون فاشلا في الصناعة والزراعة، وأن ينجح في الثقافة. النجاح عام والفشل عام. عندنا الجهل يعم. في باريس المعرفة تعم. عندنا بعض العارفين في ظل تعمم الجهل. في باريس هناك بعض الجاهلين، في ظل تعمم المعرفة. نحن جئنا وطرحنا معادلات: السينما في الحرب، السينما والحرب. السينما »خبيط«. دار »الخبيط«، دار الضرب في الطريق الى سينما بديلة، مناضلة، سينما بدئية. وهذا لم يمنع السينمائيين الذين عندهم سينما، من أن يتابعوا العمل في السينما. هناك أناس صنعوا موضوعهم في السينما، هذا هام. كل هذه التجربة، تجربة السينما البديلة، ناسها، نقادها العارفون والجاهلون، مخرجوها، مخرجوها الكتاب أكثر، دخلت الى العالم لكي تجد نفسها في مواقفها. في تونس ومصر والمغرب والجزائر، استمروا. في تونس صار هناك ما يقارب أربعين خمسين مخرجا في مرحلة من المراحل. صنعوا سينما، استطاعت أن تفرز أناسا متخصصين في الانتاج والسكريبت والكتابة. ليس بالضرورة ان يبقى كل من يريد العمل في الإخراج مخرجا. هذه عملية تفترض ان تدخل في المهنة، لكي تعرف أين تصير وأين تنتهي في المهنة، صاحب مهنة واحدة. { ولكن السينما في لبنان شهدت لحظات مختلفة قبل الحرب. لست اتحدث هنا عن اللبنانيين الذين عملوا في السينما وحدهم. هناك مصريون عملوا في لبنان، في أيام التأميم. أعطانا هذا رصيدا. وتلك فترة ساهمت في الوصول الى ما وصلت إليه السينما في تونس. أي تحديد مهمات الضرر وفي إطار عمليات الانتاج السينمائي. هذه قصة ذات معنى. جاء بعض الموروث في السينما المصرية، من خلال هجرة بعض المخرجين المصريين الى لبنان وهجرة بعض اللبنانيين العاملين في مصر الى لبنان. صار عندنا كاتب سيناريو وممثل ومخرج ومنتج. محمد علي الصباح اشتهر كمنتج. هذه مهنة صاحبة عناصر وتفاصيل كاملة.. أصبح عندنا استديو بعلبك. آليات الانتاج حتمت حضور استديو. صار عندنا مصورون، كروبي بريدي، مصور ممتاز. صار عندنا مركز سينما. فيلم مارون بغدادي الأول، صور في بيروت (بيروت يا بيروت). صار عندنا أشياء جامعة، في بلد يفور داخلا في مقتضيات الصناعة السينمائية. كل العرب كانوا في لبنان في السبعينيات والثمانينيات، وقبلاً في الستينيات، من يوسف وهبي الى محمود درويش ومن يوسف شاهين وبركات الى ثنائي فهد بلان ومريم فخر الدين و»لاركب حدك يا الموتور«. أحدث هذا تفاعلات عمليات كاملة. لم ترسُ السينما، لأنها كانت طرية العود. ولكن الحرب أعطتها موضوعا. { وما الذي لفتك أكثر في تلك المرحلة؟ لم يستشعر أي من الأفلام خطرا ما يقترب. لم يكن ثمة من قلق علني أو ضمني. مع أول رصاصة، كل شيء قائم على الصور تكسر. لأن كل الأفلام اللبنانية اكتفت بتصوير السطحي: صنوبر وبيت مري وكازينو لبنان وكل المناطق السياحية الأخرى. { في واحدة من اللحظات الفارقة نكتشف ان السينما الجديدة هي المنتشرة في العالم. هذه ملاحظة تامة. انتشرت السينما العربية الجديدة، في حين لم تنتشر السينما المصرية الهابطة. يوسف شاهين انتشر، لأن فكره هو موضوعه. مثله يسري نصر الله ومحمد خان وعاطف الطيب وغالب شعث ورضوان الكاشف وخيري بشارة وأسماء أخرى. بدأت الحكاية تختلف منذ سنوات بعيدة. مهرجان قرطاج أعطى فيلم »المخدوعون« لتوفيق صالح جائزته الأولى، لقد بدأ بالتغيير. ونحن أحسسنا به. عبر السينما الجديدة، صار للسينما موضوعها. انت كسينمائي لا تستطيع أن تحكي لغة الأكثرية، إذا لم تحك خصوصيتك. وبالعكس. قبلا حاول جورج نصر السينمائي اللبناني أن يعمل موضوعا في فيلمه »الى أين«. غير ان معظم المخرجين تلهوا بالفاصلة بين اللهجتين اللبنانية والمصرية في مرحلة إرهاصات. ثم لم تعد الحرب تقول إلا عبثها. { الحرب اللبنانية أعطت موضوعا وإحساسا وقللت إمكانيات العمل والتنفيذ؟ الانتاج دائما خارج لبنان. فن من هنا وصناعة من هناك، لأن السينما فن وصناعة. ولكن انتبه، انت شحاذ في الخارج، تبقى شحاذا ولا تصل الى مرتبة الشريك في الانتاج. في تونس عرفوا كيف يتخطون قضية الانتاج. { ب»الحلفاويين« مثلا. إذا أردت. { ولكنه فيلم مصنوع على مقاسات متطلبات الجمهور الغربي، ما يثيره، جن وعفاريت وجنس وتهويمات... فيلم فريد بوغدير »اكزوتيكي« النزعة تماما. لا أستطيع أن أحصره في هذه الزاوية. الفيلم هذا، يطرح مع غيره، معنى الفرنكوفونية في الثقافة العربية عبر بلدان شمال أفريقيا. المثقف باللغة الفرنسية، خلق خاصية لم تهجن سينماه. خذ الناصر خمير، أفلامه عن الأندلس من »هائمون« الى »طوق الحمامة المفقودة«. نوري بوزيد صنع »درام سوسيال« تونسية. المغاربة هجموا في مرحلة على مدارس اللغة العربية في أوروبا، تلك التي تدرس اللغة ليلاً. صار الحكي بالعربية عندهم امتيازا. { لعبت اللغة العربية دورا في استكشاف موقع البعض على خارطة الانتاجات السينمائية الثقافية. العروبة الحديثة لم تدخل الى المغرب العربي إلا منذ فترة. عندنا، دخلت في عصر النهضة في بداية القرن مع جبران خليل جبران والطهطاوي والأفغاني. الحداثة في اللغة والعروبة كمفهوم جاءت من لقاء مثقفين شاميين وحجازيين باسطنبول. المغاربة اكتشفوا عروبتهم في باريس، وتخطوا لحظة الاكتشاف الى الاستعمال الحياتي والابداعي. المنفي { لفتني انك قلت، إن معادلة السينمائي تقع في ثنائية الفن من هنا والانتاج من هناك. في حين انه يجب قلب المعادلة في ظل التخلف العام الذي حكيت أنت نفسك عنه لدينا، فن من هناك وإنتاج من هنا. أو فن وانتاج من هناك. حين تعمل ما أشرت إليه، تحاول أن تحكي لنفسك. الأنا هامة دائما في الصح وفي الخطأ. الشخص الذي عاش في الخارج، هو نفسه اختلف، نتيجة الاختلاط وقبول هذا المفهوم. مستقبل البشرية والحياة اختلفا نتيجة الاختلاط. الشباب صاروا أكثر جمالا من شباب الجيل الماضي، هذا من نتائج الاختلاط. الثقافات مقبولة، نتيجة الاختلاط. أنا كلبناني، أستطيع أن أفسر لبنان لفرنسي أكثر بعشر مرات ما يستطيع أي لبناني آخر، يعرف لبنان أكثر مني. وأستطيع ان أفسر فرنسا للبناني، أحسن بعشر مرات من فيلسوف فرنسي. هذه الميزة صارت تهمة. { تركت لبنان في بداية الحرب، لم تنتظر كثيرا حتى تأخذ قرارا جديدا بهجرة جديدة، ما الذي دفعك الى ذلك؟ شممت رائحة ما سيجري، فتركت مسرعا، حتى اتهمت بأنني هربان. تركت لأنني كنت في لبنان العام 1958. وجدتها بروفة لحرب 1975. لم ينتبه أحد الى ذلك. الحرب الأخيرة لم تقرأ حتى اليوم، كما يجب أن تقرأ. كل شغلة كبيرة بالتاريخ، لها بروفاتها السابقة عليها. كما تفعل الأمراض الخطيرة، حين تبعث إشارة. لم أكن أريد أن أُختزل. { بوصفك مع فريق ضد فريق آخر؟ الحرب صارت طائفية، حين اختزلت بفريقين. المسلمون والمسيحيون. حين تختزل الحروب تأخذ طرقا غير طرقها. الحرب الإسبانية لم تكن حرب الكاثوليك على العلمانيين وحرب العلمانيين على الكاثوليك. هناك تاريخ من التناقض بين الكاتالان والأندلسيين والباسك. فجر الحرب الأهلية في إسبانيا. ثورة 1917 في الاتحاد السوفياتي سبقتها انتفاضة 1905. الثورة البولشفية، ليست فقط الصراع بين البلاشفة والمناشفة. ثورة ال68 الطلابية في فرنسا، قدمت إشارات انفهمت بضرورة إجراء إصلاحات، منها أن يعتزل ديغول السلطة وأن تسود ديموقراطية الاعلام وأن تتبنى اللامركزية. هناك مثقفون قالوها، وسمعها الذين بيدهم القرار، فأخذوا بها. وهكذا لبنان { ولماذا شارك مثقفون عالميون في الحرب الاسبانية؟ في البداية، فهمت الحرب اللبنانية وكأنها الحرب الاسبانية. جاء الناس إلينا، طوابير طوابير. بقي الجيش الأحمر عندنا، حتى الأمس، وكذلك كارلوس. القائمة طويلة. { هذه مشكلة مثقف... مشكلة المثقف انه يجد معناه في الراهن، لا قبله ولا بعده. الناس لا تريد أن تفهم ماذا تفعل. منذ عدت من أوروبا لم أجد لبنانيا يحب الجلوس إلى نفسه والاختلاء إليها. انه يخاف من ان يكون وحيدا. { بدأت السفر كمهاجر وأنهيته كمنفي. كنت أذهب وأعود مستشعرا أحداثا كبرى. { ولكن ما هو المنفي من وجهة نظرك؟ من يستحيل عليه محله. { هل تعبر عنك تجربتك في السينما؟ بشكل متقطع. { كيف؟ أي إنها تعبّر عني في أفلامي التي نفذتها وأفلامي التي لم أنفذها. السينما عندي تفاعل وانفعال تتحول الى لغة داخلية الى شعر داخلي. الأفلام التي لم أحققها استفدت من العمل عليها كثيرا. أبحرت فيها. فيلمي الذي لم يتحقق عن جبران، أوصلني الى تحويل نظرتي الى جبران الى نظرة الى نفسي. استطعت ان أجد في جبران، الطريقة التي أحب أن أفسر الكون بها. فيلم »الأمير« الذي لم أنفذه، تموت فيه المجموعتان المتخاصمتان في المكان الواحد، وهما يظنان ان كلاً منهما مسنود الى جهة خارجية. تراجيديا مهلكة. هذه هي الحرب. { بين وثائقي وروائي دائما. الوثائقيات أكثر بكثير من الروائي. ظروف. الظروف فرضت. »لا يكفي أن يكون الله مع الفقراء« علمني كثيرا. كان مدرسة بالنسبة إليّ. هندسة وعمارات وتراث وثقافة وعروبة. مهندس عربي يعبّر عن نفسه بلغته كعربي. لغة الشاشة { هناك تجربة سينمائية في كل العالم العربي إلا في الخليج. إلامَ تعزو ذلك من وجهة نظرك؟ الجيل الجديد في العالم العربي والخليج فيه، عنده طموح الدخول الى عالم ولغة الصورة. الدخول الى الشاشة. تحقيق ذلك يرتبط بالامكانات والحريات المتاحة. لم ننتقل من الثقافي الى المكتوب الا من حرية أكثر. الكتابة بحد ذاتها، أتت بحرية أكثر. فما تكتبه يحسب عليك، غير ما تقوله. ذلك ان الذي تقوله، يمكنك إنكاره. المكتوب لا. النقلة من المكتوب، النقلة من الورقة الى الشاشة تحتاج الى حرية أكثر، وتستتبع حرية أكثر. الروايات لا تمنع إلا حين تتحول الى أفلام. أنت لا تستطيع أن تضع نقاطا في الصورة، بدل الصورة كما يحدث في الرواية. في العالم العربي، ندخل الى حرية أقل بدل حرية أكثر. لذا تصاب السينما وتصاب الفنون الأخرى بالضمور. { هناك الطموح إذاً. طبعا. هناك طموح الدخول في اللغة السينمائية، غير ان هذا يحتاج الى الذهاب الى آخر التجربة، وأخشى ان ذلك لن يتحقق إلا بالهجرة. { تجربة الكويتي خالد الصديق تصلح كمثال؟ توقف عن العمل في السينما، لأنه أدرك ان العمل في السينما وأنت في مكانك ليس قضية بسيطة. السينما أسهل في الهجرة. { ولكن الخليج يختلف اليوم عن الماضي.. تعبيراته تتشعب، تتعدد. انه يتوسع، ليس مهماً في أي اتجاه، لأن التشعب يؤدي الى التنوع. وهذه قضية ممتازة إذا ما حدثت. لغة الأكثرية في المستقبل، هي لغة الشاشة، حتى في الخليج.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة