As Safir Logo
المصدر:

المفاهيم ذاتها و»هوس« التواصل والحوار مستمر المخيمات الصيفية الشبابية تتّجه إلى الجنوب .. وهمّها الأوّل »التنمية«

من مخيم لجمعية الشبان المسيحيين
المؤلف: غدار حنين التاريخ: 2000-07-27 رقم العدد:8662

بعدما »تحرّر« الجنوب وتحول الى ارض خصبة للمشاريع السياحية، التجارية، الخيرية، التنموية، وغيرها، تستقطب بلداته خلال هذا الصيف عددا كبيرا من المخيمات الصيفية الشبابية »التطوعية« او »التدريبية«، ذات الطابع التنموي، والتي تقيمها مؤسسات كثيرة، اجتماعية بإطارها العام، وهدفها المشترك هو »انماء المناطق المحتاجة«. إلا ان مفهوم التنمية يختلف بين مؤسسة واخرى، كما ان مفهوم »المناطق المحتاجة« ليس هو نفسه في كل الاحوال. فقد تكون منطقة بنت جبيل منطقة محتاجة بالنسبة الى البعض، فقط لأنها تحررت مؤخرا وتنقصها »الحضارة«، بينما يبتعد آخرون عن هذا المقياس ليتجهوا الى احياء فقيرة في مدن وبلدات يحمل ابناؤها تطلعات اخرى. وقد يكون مفهوم التنمية بالنسبة الى البعض مساعدة المزارعين في قطف المواسم، او فتح طرق زراعية، بينما يتجسد بالنسبة الى آخرين في دورات حل نزاعات او التدريب على التخطيط والبرمجة ومفاهيم اخرى كالصحة الانجابية، او ربما محو الأمية. ويبدو ان مشاركة الشباب وحماسهم يكثر خلال موسم الصيف، فتكثر في المقابل المخيمات والدورات التدريبية والتنشيطية، ومنها ما هو مختص بتدريب الشباب أنفسهم من قبل المؤسسة، ومنها ما هو شكل تعاون ما بين المؤسسة والشباب المتطوعين لخدمة المنطقة حيث يقام المخيم. فتنقسم هذه المخيمات بين ما هو تدريبي وما هو تطوعي. مفهوم التنمية يصرّ الجميع على التنمية والمشاركة، وان كانت تلك المشاركة مقتصرة في العمل لا في اتخاذ القرارات، كما يحصل في المخيمات التي تنظمها وزارة الشؤون الاجتماعية. »فمدير المخيم يدرس احتياجات المنطقة ويقرر اطار العمل ونوعيته، اما الشباب فدورهم في العمل«، يقول جعفر صالح، رئيس دائرة الشؤون الاجتماعية في الجنوب، على الرغم من كون عمر الشباب المشاركين يتراوح بين السابعة عشرة والخامسة والثلاثين. أما »العمل« الذي يقوم به الشباب المشاركون، والذي يتخذ ايضا طابعا تنمويا بالنسبة الى المنظمين، فهو بمعظمه نشاطات جسمانية مثل »اقامة حيطان دعم، طرقات زراعية، تنظيفات، مساعدة المزارعين في قطف المواسم«، أي اعمال قد يقوم بها أهل المنطقة من دون مساعدة احد، وبشكل اكثر فاعلية، إن توفر لهم التمويل الكافي. من ناحية اخرى، لا يعتبر هذا النوع من العمل »تنمويا« بالنسبة الى مؤسسات وجمعيات اخرى كثيرة لأنه لا يعمل على تنمية مهارات معينة لدى ابناء المنطقة »المحتاجة«. تدريب الشباب من هذا المنطلق، تعمل المؤسسات المنظمة لهذه المخيمات على مواضيع اخرى. فيعمل اتحاد غوث الاولاد مثلا خلال مخيماته على تدريب الشباب المشاركين حول مواضيع عدة ذات طابع تنموي بهدف المشاركة والاستدامة. وتؤكد هبة الحاج، منسقة المخيم، ان للشباب المشاركين دورا كبيرا في تحديد المواضيع وتنظيم خطة العمل، وذلك عبر لقاءات مسبقة للمتطوعين. أما في ما يخص اهداف التدريب، فيتمحور معظمها حول تنمية مهارات الشباب والعمل على تفعيل ادوارهم خلال المناقشات وتبادل الخبرات، وذلك حول مواضيع عدة مثل البرمجة والتخطيط، انماط الاستدامة، حقوق الانسان، البيئة، التربية الجنسية، التمييز والعنف ضد المرأة، بالاضافة الى اقتراحات الشباب انفسهم. تُنظّم هذه الحوارات والحلقات خلال فترة ما قبل الظهر، في حين تخصص فترة ما بعد الظهر للنشاطات الترفيهية ذات التوجّه البيئي والتنموي، مثل اعادة تصنيع الورق، مسرح، رسم، رياضة وغيرها. ويقوم الشباب ايضا، من خلال لجان تنسيق، تقييم وتوثيق بتنظيم هذه الحلقات والنشاطات ليعتادوا روح المشاركة والتنظيم. والشباب المشاركون في المخيم هم المتطوعون الدائمون في المؤسسة والذين يعملون خلال السنة في نوادي الاتحاد الموزّعة في مناطق ريفية عدة في لبنان. لا تختلف طبيعة المخيمات كثيرا في ما بينها، فمعظمها عبارة عن حوارات وحلقات نقاش وتدريب قبل الظهر، ونشاطات ترفيهية بعد الظهر، إلا ان الاختلاف يظهر في المواضيع والنشاطات التي يقوم بها المتطوعون، والتي تحدد مفهومهم للتنمية. زينة عنبر، وهي متطوعة في اتحاد غوث الاولاد في نادي صريفا الجنوبي، ستشارك في المخيم الذي ينظمه الاتحاد في دير المخلص خلال شهر آب. وستكون زينة في اللجنة الادارية للمخيم، بالاضافة الى كونها متدربة ومتطوعة، وقد شاركت في اختيار مواضيع النقاش. »سيحدد العمل التطوعي للمخيم بحسب احتياجات اهل المنطقة، ويتراوح ذلك من حملة تنظيف الى انشاء بنى تحتية، بالتعاون مع الاهالي«. الاختلاط والتواصل »ليست أهمية المخيم في العمل التطوعي بحد ذاته او في المواضيع التي تناقش بقدر ما هو في تعزيز التشبيك والتعارف بين الشباب«، تقول هبة الحاج. فالاختلاط الذي يتم بين الفئات والطوائف والتيارات المختلفة، من جامعيين وعمال ومهنيين وابناء الريف والمدن، يُغني النقاش ويخلق خلفية متنوعة للعمل والنشاطات، بعكس ما هو الحال في مخيمات وزارة الشؤون الاجتماعية بحيث يؤكد جعفر صالح انه من المفضل ان يكون الشباب من مستوى ثقافي معين، أي طلاب مدارس وجامعات »حتى يقدروا يتفاهموا مع بعض«. »الاختلاط والحوار بين الشباب ليس الهدف المباشر للمخيم بقدر ما هو تحصيل حاصل لطبيعة النشاطات وعمل الأندية المتواصل خلال السنة«، تقول هبة. في المقابل، يُعتبر »الحوار« والتواصل بين الشباب هدف المخيم السنوي الرئيسي لبرنامج شباب لبنان الواحد باشراف معن بشور. وبما ان الجنوب اليوم هو »الهم الشاغل« لجميع المؤسسات والجمعيات، كان البرنامج لهذه السنة هو الحوار والتواصل بين الشباب في مناطق الجنوب »المحرر«. »هدف البرنامج هو تعميق الروح الوطنية ووحدة الشباب في ما بينهم«، تقول رحاب مكحل، منسقة البرنامج. فتتلخص نشاطات المخيم عادة بنقاشات وحوارات بين مختلف التيارات والفئات السياسية والاجتماعية بهدف التوصل الى لقاء حول نقاط مشتركة. وتضمن المخيم زيارات لبلدات عدة وقرى محررة في الجنوب بهدف اللقاء مع الاهالي والتواصل معهم. ليس هدف المخيم تنمويا او تطوعيا، بل هو موجّه الى الشباب المشاركين وهدفه التواصل في ما بينهم. على الموضة تحتل فكرة »الحوار« او »التواصل« حيزا كبيرا في عمل المؤسسات واهدافها، وتتخذ احيانا كثيرة صيغة مفتعلة، كما هو الحال في المخيم الذي تقيمه مؤسسة »فينكس« الاميركية مع مؤسسة »اطباء بلا حدود« الهولندية. ويعمل المنظمون على جمع أربعين شابا، نصفهم من منطقة النبطية ونصفهم الآخر من منطقة جزين، وذلك لحملهم على العمل سويا والاندماج في نشاطات تنموية وبيئية وتربوية. ويندرج ذلك البرنامج في سلسلة دورات حل النزاعات »الدارجة« في برامج تدريبية عدة ضمن مخيمات صيفية كثيرة يجري تمويلها من مؤسسات اميركية، كندية وعالمية. فتتضمن برامج النجدة الشعبية واتحاد غوث الاولاد، مثلا، مثل هذه الدورات في مخيماتهم الصيفية، بالاضافة الى غيرها من دورات »على الموضة« اليوم مثل »التوعية على الالغام«، او »البرمجة والتخطيط«، وهي مواضيع تحولت فجأة الى امور اساسية لا بل وضرورية لتنمية الشباب او تدريبهم على »التنمية«. تخصص النجدة الشعبية مخيماتها لتدريب وتنشيط المتطوعين حول تقنيات ومهارات اساسية للمتطوع والمدرب الاجتماعي، مثل حقوق الانسان والطفل، التوعية على الالغام، حل النزاعات، الامراض المنقولة جنسيا مثل السيدا، وغيرها من المواضيع التي يأتي بها مدربون معظمهم من الأمم المتحدة، كما هو واضح من العناوين. بالاضافة الى الدورات التدريبية، يقوم المشاركون بنشاطات تطوعية تنموية تختلف باختلاف احتياجات اهل المنطقة. إلا ان اللافت في عمل النجدة الشعبية هو استمرارية برنامجها خلال السنة بالتعاون مع اتحاد غوث الاولاد (الأميركي والسويدي) في المناطق المهمشة والفقيرة مثل صيدا القديمة (البلد) ومثيلاتها في المناطق الاخرى مثل صور والنبطية. »قبل البدء بالعمل، تقوم النجدة بدراسة مع مختصين في هذه المناطق حول احتياجات السكان والشباب، ومن ثم تحدد خطة العمل«، تقول حكمت فاعور، المتطوعة في المؤسسة منذ اربع سنوات. ونتيجة لهذه الدراسات، تنظم النجدة اليوم دورات التدريب المهني لشباب واطفال في المناطق الصناعية حيث تكثر عمالة الاولاد، او دورات محو أمية للنساء والاولاد. »أما المخيم، فهو حلقة مكثفة لتدريب المتطوعين واعادة تأهيلهم حول مواضيع ودورات جديدة«. يقول فضل الله حسونة. الشباب كهدف أول وأخير في اطار آخر، تهتم جمعية الشباب المسيحية (YMCA) بتطوير المشاركة المدنية للشباب ضمن برنامج التنمية الريفية. لا تتضمن هذه الجمعية متطوعين خاصين بها، بل تتوجه للعمل مع شباب في بلدات وقرى ريفية »ليكونوا نواة فاعلة في امكنتهم وقراهم، أي ليشاركوا في تفعيل التنمية حيث هم«، يقول بيار فلفلي، مسؤول قسم المشاركة المدنية في برنامج التنمية الريفية. وتقوم الجمعية بالتعاون مع الاندية المحلية في القرية او البلدة بنشاطات يقترحها الشباب انفسهم ويتم تحقيقها خلال فترة المخيم. »وقد قام الشباب لوحدهم ببناء نادٍ خاص بهم في بلدة القصيبة (قضاء النبطية) السنة الماضية، ويقومون هذه السنة بطرشه وترتيبه«. فالهدف الاول هو تطوير وبناء روح المسؤولية والمشاركة لدى الشباب خلال مخيم نهاري في البلدة نفسها. ويقوم بتمويل النشاطات وبرنامج تنمية الشباب الوكالة الاميركية للتنمية. »فالمخيم هو وسيلة، لا هدف، لابراز طاقات الشباب والتركيز على اهمية مشاركتهم في الشأن العام كأفراد معنيين ومسؤولين«، يقول فلفلي. بما ان العمل التطوعي بحاجة لمتطوعين، وبما ان استقطاب المتطوعين يتم صيفا، يصبح المخيم كمرحلة استقطاب، لما يتضمنه من نشاطات ترفيهية ومسلية. ولكنه من ناحية اخرى مكلف جدا، فتضطر الجمعيات والمؤسسات الى »تدبير« الكلفة من مؤسسات تمويلية مهتمة بالعمل التنموي الشبابي. وحين لا يتوفر التمويل، قد لا يتم المخيم، بكل بساطة كما حصل مع جمعية الشبيبة للمكفوفين، الذين اقاموا مخيمات صيفية عدة سابقا، مهمتها دمج الكفيف بالمجتمع، وتحقيق هذا الهدف بشكل ترفيهي. بين التنمية والترفيه خيط رفيع، اوله التطوع وآخره الاستفادة. وما بين العمل التطوعي والتدرب على المفاهيم »الدارجة«، غالبا ما يتحوّل الهدف التنموي في »المناطق المحتاجة« الى مجرد »حجّة« لتمضية الصيف والهروب من الضجر والحر.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة