(1) من مخلفات العام الماضي ملفات تضم مقالات كان عليَّ أن أقرأها في وقتها فلم أفعل. مع بداية العام الجديد أخذت أستعرضها بسرعة، فتخلصت من بعضها ودَوَّرْتُ بعضها الآخر. وقرأت بعضاً ثالثاً، منه مقالة للأستاذ جهاد الخازن نشرتها «الحياة» في 26/2/2013. تحت العنوان المعهود: «عيون وآذان». كتبت فوق العنوان بخط اليد: حنا بطاطو. معظم مقالة الخازن عن بطاطو،وبالتحديد عن كتاب له صدر بالإنكليزية عام 1999 عنوانه: فلاحو سوريا المتحدرون من أسر ريفية أقل بروزاً وسياساتها. لم أسمع عن قبل بهذا الكتاب، إلا أنني كنت أعلم أن البحاثة بطاطو كان يؤلف كتاباً عن سوريا، وعن بنيتها الاقتصادية - الاجتماعية، وكيفية تجلي هذه البنية سياسياً. أحسن الخازن في وصف بطاطو، أنقل عنه هنا بعض العبارات التي توضح ملامح البحاثة وكتابه: «كان وطنياً عربياً من منازلهم (أي من منازل الوطنيين العرب). أذكر أن وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر، حاضر في طلاب جورجتاون، ومع أنه معتدل وتحدث باعتدال، فقد تصدى له حنا بطاطو، وسرد له تاريخ جرائم الإدارات الأميركية المتعاقبة بحق العرب والمسلمين في شكل لا يقدر عليه إلا مؤرخ من هذا المستوى النادر معرفة وإنسانية. الكتاب صدر سنة 1999 عن مطبعة جامعة برنستون وطلبته مع انفجار الأوضاع في سوريا لأنه يشرح خلفيتها في شكل يلقي ضوءاً على النظام الحالي والثورة عليه، وأستاذي حنا بطاطو توفي في السنة التالية في 24/6/2000. أستطيع أن أبدي ثقتي بكل كلمة وسطر في الكتاب، والفصول عن علاقة حافظ الأسد بشيوخ السنة في بلاده، ومحاولاته إثبات أن الإسماعيليين جزء من الشيعة الجعفرية الإثني عشرية، تزخر بمعلومات موثقة هي جزء أساسي من تاريخ سوريا الحديث». يتشارك مع الخازن في توصيف بطاطو كل من عرفت من طلابه. (2) بذخيرتي عن بطاطو من أفواه المعجبين به، لم يكن من المتوقع ألا أنقض على مقالة (دراسة) له ظهرت في مجلة علمية رصينة هي: مجلة الشرق الأوسط Middl East Journal الفصلية، في أوائل الثمانينيات. عنوان المقالة مثير هو - كما أذكر - «الضباط المتاورة حول حافظ الأسد». كنت آنذاك أعمل في القصر الجمهوري السوري مديراً للدراسات السياسية والعامة. الضباط الذين يتحدث عنهم بطاطو هم من المقربين للرئيس حافظ الأسد كما أقدر. من المرجح - لدي - أنهم الذين يتحدث إليهم الرئيس ويجالسهم أكثر مما يتحدث إلي ويجالسني. قرأت في مقالته ما أثار لدي شيئاً من الشك في دقة من اشتهر بدقته. كيف أستثير الشك؟ بدا لي بطاطو، في بضعة أسطر من ذات صفحة من مقالته، وكأنه يطرح السؤال التالي: لماذا يثق حافظ الأسد بعبد الحليم خدام؟ بدا لي وكأنه يجيب: لأن زوجة خدام الأولى من آل الهواش، زعماء المتاورة. توقفت عن القراءة. لا أعرف لخدام زوجة أولى من ثانية. وتقدمت إلى قراءة مصدر المعلومة، إذ قرأت المصدر،لم أصبر. صديقي «عميد» آل الهواش، الحقوقي والنائب فالسفير الأستاذ جهاد. لم أصبر حتى أنهي المقالة. هتفت له: من هي ابنة الهواش التي كانت زوجة أولى للأستاذ خدام؟ بدماثته، بأسلوبه السمح الذي لا يخفي معلومة، أعلمني أنها شقيقته السيدة فدوى. لكنها لم تكن زوجة خدام. كانت زوجة شخص من إحدى عائلات بانياس السياسية. أخطأ حنا بطاطو الذي لا يخطئ. هذه الأسطر عن «اشتباكي» مع الخطأ. ولها هدفان: أولهما إظهار المدى الذي تستطيع به معلومة خاطئة أن تشق طريقها عريضاً واسعاً للانتشار العلمي والسياسي إذا صادفت تلك المعلومة تربة خصبة في وجدانات أصحاب مدرسة تحاول دائما تصور حكم الأسد و«البعث» قائماً على مرتكزات طائفية وعشائرية. أما ثاني الهدفين فهو حث السوريين على العناية بتاريخهم السياسي المعاصر. (3) «صلّي يا ستي صلّي لكي ينجح عمك.» تلك كانت كلمات جدتها لها. هكذا تستعيد أختي الدكتورة جهينة، إسهامها، وهي ابنة سنوات تسع، في المعركة الانتخابية القاسية التي خاضها عمي المحامي أديب العام 1937، مرشحاً للنيابة عن قضاء صافيتا على قائمة عزيز بك الهواش. لم تفز القائمة. في أعقاب المعركة الانتخابية، بل وأثناءها وبعدها وبفعلها، كانت أحاديث عن مكان محافظة اللاذقية في الدولة السورية الموحدة الجديدة. كانت محافظة اللاذقية الحالية تشمل أيضاً ما هو الآن محافظة طرطوس. أقرّ البرلمان السوري مشروع المعاهدة مع فرنسا الذي اعترف باستقلال سوريا. إلا أن تأخر البرلمان الفرنسي في إقرار مشروع المعاهدة جدد الحديث عن إمكان قيام دولة للعلويين. ذات يوم هتفت لي الأستاذة الدكتورة خيرية قاسمية،البارعة في النظر إلى ما خلّف السياسيون العرب من أوراق. قالت إنها عثرت في مكان ما على رسالة من عزيز الهواش إلى أديب جبور يذكر بها الزعيم العلوي نتائج محادثات له أجراها مع مسؤول فرنسي كبير في بيروت عن إمكان قيام دولة علوية. بدا المرسل والمرسل إليه، من خلال الرسالة، وهما المهزومان انتخابياً،متعاطفين مع ذلك الإمكان. امدتني المؤرخة بالرسالة - الوثيقة. كنت أعد للنشر كتابي: نحو علم عربي للسياسة (دمشق، الطبعة الثالثة، 2009)، وبه مذكراتي عن عام ونيف من إقامتي في القاهرة أستاذاً ورئيساً لقسم الدراسات السياسية والقومية في معهد البحوث والدراسات العربية. بعد مدة قصيرة من ظهور الكتاب هتف لي من فندق شيراتون دمشق إلى مكتبي في القصر حنا بطاطو. تحدث معي بكل «مهنية» كأنني زميل باحث صديق له منذ زمن. حدثني عن بعض كتبي وكتاباتي. ثم توصل إلى ما يريد. يود أن يتعامل بحثياً مع سوريا كما تعامل مع العراق. قال إنه حصل على الموافقات اللازمة. سألني تحديد موعد يزورني به في مكتبي. فعلت. لم أحدثه عبر الهاتف عن مقالته بشأن الضباط المقربين من الرئيس حافظ الأسد. مكثت الغلطة جاثمة في الذهن،ثقيلة مهيمنة. ثم كأنني مللت من تأجيلي مفاجأتي له بغلطه إلى أن يحين موعد اللقاء. فماذا فعلت؟ وضعت لصيقة ظاهرة على ذلك الموضع في كتابي الذي أتحدث به عن علاقة عائلية قديمة مع آل الهواش. أرسلت إليه الكتاب. لم تمض سوى دقائق - فيما أقدر - بعد استلامه الكتاب إلا وكان على الهاتف ثانية مفتتحاً كلامه بجملة لن أنساها: «أتمنى لو كانت شلّت يدي قبل أن أكتب تلك المقالة»، لم تكن كلمة «المقالة» قد وردت في المكالمة الأولى. لم يذكر في مكالمته الثانية أية مقالة يقصد. لم يشر إلى المقالة بهويتها: بعنوانها ومكان نشرها وتاريخه. أشار إليها بأنها تلك المقالة. يُقدِّرُ هو - وكان تقديره حقاً - أن المقالة معروفة لدي،وان كتابي الذي وصله تسفيه لها. وفي تعبيره «تلك المقالة» إيحاء بابتعاده عنها. إنها تلك. كأنها ليست مقالته. حادثة فريدة تصلح أنموذجاً لحوار فطن صامت. في لقائنا كان قمة في التواضع. لعل الحادثة زادته تواضعاً. تبرع لي مباشرة، ومن دون طلب، باسم من أعطاه المعلومة المغلوطة. ولم يسألني تعهداً بألا أبوح بالاسم. حدثني عن ظروف اهتمامه بموضوع المقالة. بل لعله أوحى أنه إنما ينوي الانكباب على الموضوع السوري، من الأرض السورية، لكي يبني بحثه، نتيجة ملامسة الواقع، على قاعدة علمية أصلب. (4) في 17/5/1983 توصلت الحكومة اللبنانية، بواسطة أميركية، إلى اتفاق مع إسرائيل حكم عليه بالفشل أوائل آذار 1984. كان الاتفاق استثماراً سياسياً لعدوان إسرائيل على لبنان عام 1982. غضبت دمشق. في أيار عقد الاتفاق. في آذار 1984 نقض. درجت إمارة أبو ظبي على استضافة دورات دبلوماسية تنظمها جامعة الدول العربية ويدعى لإلقاء محاضرات فيها خبراء بشؤوننا من الدول الغربية، من المتعاطفين - إجمالاً - مع وجهة النظر العربية في الأحداث الدولية. كان منهم واحد اسمه مايكل هدسون. هو صديق قديم جمعتنا زمالة حضور في مؤتمرات تخصصية أثناء إقامتي في أميركا خلال النصف الأول من الستينيات. متزوج من فلسطينية ومن القضية العربية الأولى أيضاً. في بنية مايكل الفكرية احترام لكل بني البشر واحترام للمساواة بينهم. له رأيه المسموع في السياسة اللبنانية لدى اللبنانيين وغيرهم. كتابه عن لبنان بعنوان: الجمهورية المقلقلة The Precarious Republic كان قد مُنع من التداول في لبنان الذي لا يمنع تداول الكتب. به تنبأ، قبل الأحداث اللبنانية عام 1975 بحتمية وقوعها. فكسب احتراماً فكرياً لدى مثقفي لبنان والفاعلين السياسيين فيه. أطلق هدسون من أبو ظبي تحذيراً من نتائج اتفاق /17/ أيار. قرأت تصريحه في وسائل الإعلام. سطرت مذكرة إلى الرئيس حافظ الأسد مقترحاً دعوته سريعاً لزيارة دمشق في طريق عودته من أبو ظبي إلى واشنطن حيث يدير مركز الدراسات العربية المعاصرة في جامعة جورجتاون. لم أبلغ بأي قرار رئاسي بشأن الاقتراح. ولم أسأل. رن جرس هاتف المكتب. المتحدث: مايكل هدسون. الزمان: أواخر العام 1983 أو أوائل عام 1984. يشكو مايكل هدسون حاله إلي. هو في الفندق، فندق الشام، كما أظن. زاره في مكتبه بواشنطن الدكتور جويجاتي، سفير سوريا في واشنطن. سلمه دعوة الخارجية له لزيارة سوريا رغم أنه لم يطلب الزيارة. لبى الدعوة. أتى. حل في الفندق حيث حجز له. أعلم الخارجية بوصوله. يقيم في الفندق منذ أيام إلا أن أحداً لم يسأل عنه. كأن الخارجية دعته ونسيت. ما العمل؟ أتاني إلى المكتب. كرر الشرح. لم يعرف سبب الدعوة. تذكرت أني قد أكون السبب، لكنني استحسنت عدم إعلامه. اكتفيت بالاتصال بالأستاذ فاروق الشرع. وهو آنذاك وزير الدولة للشؤون الخارجية. فسألته استقبال الزائر. فعل. عاد إليَّ هدسون مباشرة بعد لقائه الوزير. تجاور الوزارة القصر. حدثني عن انطباعه. أعجب بالشرع. ثم مارس التحليل السياسي معتمداً على غلطة بطاطو. الشرع وزير دولة للشؤون الخارجية، وليس وزير خارجية، لأن خدام صهر قديم لزعيم المتاورة! شاهدي في هذه الحكاية حيٌ يرزق، وقد يتقدم للشهادة والله أعلم. واستمر تأثير غلطة بطاطو. في منتصف التسعينيات وقعتُ على كتاب تعريفي بسوريا يوزع على سفارات أميركا ويباع للقراء كافة. في كتاب بطاطو الحديث ذاته عن زوجة الأستاذ عبد الحليم خدام الأولى ويعرف كل الناس في سوريا بأن ليس لخدام إلا زوجة واحدة. (5) «كيف نكتب التاريخ؟». كان ذلك هو العنوان الذي اخترته أول ما فكرت بكتابة هذه المقالة. عدّلت العنوان حتى استوى على نحو ما يظهر في بداية هذه الأسطر. لكنني، لدى توقفي مع العنوان الأول، وضعت له جواباً. حذفت السؤال لكنني لا أحب أن أحذف الجواب. أنظر إلى سنوات ثلاث من الأحداث الأليمة. أقول: نكتب التاريخ بروح سلام وطني ذكي عالم عارف، لا بسلام وطني قمة بلاغته تبادل القبل وجهل او تجاهل أحداث الماضي. [email protected]