أدرك الأمير بشير الثاني في نهاية العام 1840 أنّ هزيمة جيوش حليفه محمد علي باشا باتت محتمة وأنّ انسحابها من سوريا وعودتها إلى مصر بات مسألة وقت ليس إلا، فقد تمكّن التحالف الذي قادته انكلترا من إنقاذ السلطنة العثمانية من خطر الجيش المصري الذي احتلّ بلاد الشام لما يقارب العشر سنوات. ولذلك، قرر الأمير بشير الثاني الاستسلام، فانتقل في 11 تشرين الأول 1840 للمرة الأخيرة من بيت الدين إلى صيدا، ومن هناك أقلته باخرة بريطانية إلى بيروت لمقابلة الأميرال ستوبفور، الذي أبلغه قرار نفيه تاركاً له حرية الاختيار بين الذهاب إلى انكلترا أو إلى جزيرة مالطا. فسافر الأمير إلى مالطا مصطحباً معه زوجته والشاعر بطرس كرامة وثلاثة من أولاده إضافة إلى حاشية كبيرة. وبعدما أقام فترة عام تقريباً في مالطا انتقل الأمير بشير إلى اسطنبول، حيث مات في العام 1850 وجرى دفنه في كنيسة الأرمن الكاثوليك. وهكذا ظلت رفات الأمير خارج لبنان لقرن من الزمان حتى تمكن الرئيس بشارة الخوري من نقلها إلى بيت الدين بعدما راودته هذه الفكرة منذ أن كان في شبابه. وقد تم تخليد هذه الحادثة بميدالية برونزية ذهبية اللون تحمل على وجهها شارة الأرزة وخلفها أشعة منبثقة من شمس مشرقة وعلى وجهها الآخر صورة الأمير بشير الشهيرة. وتحمل الميدالية توقيع الفنان الانكليزي المعروف بيرسي متكالف الذي صمم أيضاً مجموعة مهمة من الأوسمة والنقود الانكليزية والمصرية. وهي تجمع إلى البساطة جمال التصميم وتتمتع بقيمة تاريخية أكيدة ما يجعل منها هدفاً للهواة. وقد روى الرئيس بشارة الخوري في الجزء الثالث من كتابه «حقائق لبنانية» تفاصيل هذه الواقعة. فبعد ترميمه قصر بيت الدين، عقد الرئيس الخوري العزم على استعادة رفات الأمير بشير ودفنها إلى جوار زوجته الست شمس. وقد استغلّ الرئيس زيارة له إلى تركيا العام 1946 فتفقد ضريح الأمير في اسطنبول. وبعد موافقة الحكومة التركية على طلب نقل الرفات في صيف 1947، شكل الرئيس الخوري وفداً برئاسة قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب للسفر إلى تركيا واستلام الرفات التي تمّ نقلها إلى بيروت بالسكة الحديدية. ويتابع بشارة الخوري سرده للأحداث فيقول: «وأقامت الحكومة مأتماً وطنياً للأمير الكبير سار من المرفأ إلى ساحة الشهداء والرفات محمول على عربة مدفع، ومشيت ومشى وراءه الجيش اللبناني وقوى الأمن والهيئات الرسمية من لبنانية وأجنبية ودينية ووجوه البلاد وعامة الشعب». وبعد إلقاء كلمة كل من رئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة توجّه الموكب إلى قصر بيت الدين حيث تمّ إطلاق المدافع تكريماً. ومن ثم ألقى الرئيس اللبناني خطبة مؤثرة في الحاضرين وبعدها حمل الجنود النعش ودفنوا الرفات في حديقة القصر الذي شيّده الأمير بشير وحكم منه لبنان لعقود طويلة. وسام اللحّام