As Safir Logo
المصدر:

حكايات القاهرة

حسين سالم (في الوسط) الى جانب مبارك في صورة من الارشيف (عن «الانترنت»)
كاريكاتور للرسام مجدي المبيض عن فيلم «المرأة والساطور» (1997) المستوحى من قصة ناهد القفاص (عن «الانترنت»)
المؤلف: عبد الفتاح وائل التاريخ: 2014-01-11 رقم العدد:12673

1 عودة ميت عاد وظهر في الوقت الذي تكلمت فيه صحف القاهرة عن فتح التحقيق في ظهور الاطباق الطائرة في الغردقة. ظهر خارجاً من وسط الخرافات بصوته مصحوباً بصورة تمنحه بعداً خرافيا لا يحتاج الى ماكياج ليبدو معه خارجاً من بحيرة مقدسة او قادماً من العالم الغامض المثير والمرعب في منطقة خارج ادراكنا المحدود. عاد حسين سالم من عالمه القديم الغامض في حركة ضد الزمن كما نتخيله احيانا يتقدم، ومع زمن دائري، يصنع من الحركات متاهة، تلقي مع كل دورة كائناً من كائناتها يتسلى به المتصارعون على اي رعب اكثر رعباً من المرعوب اكثر، من الذي يحق له باسم رعبه ان يسود اللحظة ويسيطر. يحمل حسين سالم مبادرة العودة الى مصر، مقابل نصف ثروته، تلك التي احتارت الامم من القاهرة الى سويسرا مرور باميركا واسبانيا في تعدادها، او تصورها نهائيا، بل ان المحاكمات العابرة للحدود لم تكشف ما لدى الرجل الذي ظل غامضاً حتى بعد تهدم المعبد الذي اختفى فيه طويلاً. مثل الساحرات الشريرات يظهرن ليتعلم الاطفال الفضيلة، بدا ظهور حسين سالم نذير عودة ميت، مستحيلة، لكنها تبدو درسا في تربية الشعوب، ان هناك شخصيات اقوى من التغيير، يمكنها ان تظهر وتحول جريمتها الى «فعل وطني» كما وصف متحدث الحكومة مبادرة نصف الثروة. ورغم ان التنازل اعتراف بالجريمة الا ان المتحدث استخدم كرمه ليصفه بانه «رجل اعمال شريف»... واذا كان الشرف نسبياً هنا فإن رجل الاعمال لا تنطبق على رجل كانت تتعطل من اجله الاعمال. وكما كتبت، حسين سالم اول هارب بعد جمعة الغضب في 28 شباط العام 2011. التقط في الهواء رائحة اخرى غير التي تعودها طيلة 30 سنة، فحمل عائلته وحقائب (قيل في الروايات الخرافية وقتها ان فيها مليارا ونصف مليار دولار)، وسافر بطائرته الخاصة الي دبي وفي رواية اخرى كندا، لكنه عندما ظهر للعلن كان في اسبانيا حيث يحمل جنسيتها. هو اقدم محمية سياسية وأكثر الشخصيات غموضاً في سنوات حكم مبارك. لم يكن من الممكن لفترات طويلة أن يذكر اسمه مباشرة، كان يشار إليه بـ«صديق الرئيس» أو «الرجل الغامض»... تربى في مؤسسات تجمع السلطة والانضباط والسرية. تكونت محميته في الخفاء «بعيداً عن الأضواء» إلى حد كبير. لعب في «البزنس» على استحياء، لأن الجمع بين السلطة والبزنس كان ضد القانون وضد أعراف الدولة الشفافة. لكن مع وصول مبارك للحكم تفككت الحواجز بالتدريج بين السلطة و«البزنس». بدأت برجل في الظل يعمل باسم الرئيس في السلطة. وهذه كانت لحظة ولادة المحميات السياسية. النظام يريد أن يقول للعالم إنه ودع الاشتراكية بغير رجعة وإنه يفتح الأبواب أمام القطاع الخاص. وفي نفس الوقت لا يريد أن تنفلت الثروة بعيداً عن سيطرته. وتقرر أن تتم التقسيمة على «أهل ثقة» من اختيار النظام. هؤلاء كانوا الجيل الأول من الديناصورات الذين كبروا وسمنوا في رعاية «الدولة» وتحت جناحها. لم يشكلوا طبقة رأسمالية وطنية تنمو وينمو بها اقتصاد الدولة. لكنهم ظلوا في حدود مزرعة الديناصورات التي تديرها الدولة بالكامل. تضخمت الثروات بقوة الصاروخ. وتحرك الاقتصاد بسرعة السلحفاة. الهدف لم يكن النمو بل توزيع الثروة بشكل يضمن سيطرة النظام عليها. ورجال الأعمال الذين وصلوا إلي المليار لم يصلوها لأنهم بنوا بنية صناعية حقيقية لكن لأنهم دخلوا في إطار محمياته. هذه المحميات ليس لها استقلالية عن النظام. تعمل بأوامره وتتحرك في حدود رغباته. وتتضخم ثرواتها ما دامت تدفع النسبة المعروفة. هذه النسبة معروفة لكل من تتعدى مشاريعه رقماً معيناً يسمى في لغة «البزنس» السرية: المنطقة الحمراء. ستدفع النسبة وإلا فلن يمر المشروع وستخرج عليك وحوش البيروقراطية لتذكرك أننا في دولة «مش سايبة». المحميات تتغير لها القوانين وتمارس نشاطها فوق القانون بل تشعر بعد فترة أنها القانون. لكنها لا تستطيع الاستمتاع بهذه القوة بشكل مطلق. وتعيش في الخطر. فالغضب ممكن في أي لحظة وعلى أهون سبب. ولن يعرف صاحب المحمية متى وأين؟ لكنه شعور بالخطر يجعله مندفعاً في «التكويش». من هذه التصورات وبالعمل في الظل ولدت محمية حسين سالم المعروف عنه القليل جدا: زميل مبارك في سلاح الطيران فقط. والمحكي عنه أطنان: هو اول مدير لأموال مبارك في السر، وهذه الحكايات ليست مؤكدة بشكل حاسم لكنها أحد أسرار نفوذ حسين سالم الذي يعتبر وبالفعل قائد بناة شرم الشيخ. بناها بشكل حقيقي وبشعور المحتكر الأول حتى اتسعت وفكت الدولة وظلها في «البزنس» قبضتها قليلا لتسمح بدخول آخرين. واضطر حسين سالم للقبول بمشاركة الآخرين «دولته» التي بناها بثقة الجهات العليا. الثقة الممنوحة لحسين سالم تجعله يعمل في الملفات السرية لدولة مبارك. في شرم الشيخ كانت دولتهم الخلفية، وقانونها خارج القوانين السارية في مصر. دولة بدأت بعلاقة لا يعرفها سرها الا مبارك وحسين سالم؟ العلاقة أساسها الثقة بحسين سالم وبدأت بحكاية حكاها الصحافي الأميركي بوب ود وورد مفجر فضيحة «ووترجيت» الشهيرة في كتابه «الحجاب». الحكاية عن شركة اسمها «الأجنحة البيضاء» مسجلة في فرنسا، ومهمتها نقل الأسلحة، وتتضمن أربعة مؤسسين هم: منير ثابت (شقيق سوزان مبارك)، وحسين سالم، وعبد الحليم أبو غزالة (وزير الدفاع المصري آنذاك)، ومحمد حسني مبارك (نائب رئيس الجمهورية وقت تأسيسها). الشركة تعرضت لاتهامات قضائية في أميركا (1981 تقريباً) لمخالفتها بعض القوانين التجارية هناك. لكن حسين سالم أبعد مبارك لحساسية موقعه السياسي. وبعدها بدأ اسم حسين سالم يتردد في نشاطات اقتصادية ذات طبيعة حساسة، بداية من شركات البترول، وأساساً في بناء شرم الشيخ المقر المفضل للرئيس مبارك، والمدينة التي تحولت إلى مراعي الثروة الجديدة ومستوطنة المحميات السياسية. نشاطات حسين سالم أقرب إلى التكليفات الغامضة : شراكة مع إسرائيل في شركة بترول. تصدير الغاز إلى إسرائيل. إنشاء قاعة مؤتمرات في شرم الشيخ. محمية حسين سالم لها طابع الكتمان والسرية. تخرج أسرارها محاطة بهيبة ورعب، قبل ان تتعدد المحميات ومن يحمونها في شرم الشيخ. 2 عندما تتكلم المومياء يتكلم كثيراً وبدون أن يلح أحد. يروي بطولاته في الحروب، وينظر في عين زواره ليذكرهم بتلك اللحظات التي صنع منها جسره الي كرسي السلطة. وزوار مبارك يحكون عن رحلاتهم إليه، والروايات تحولت مثل حافظة حكايات، او الوعي المخزون لزمن لا يريد ان يغادر مصر، رغم ان الثورة احدثت فجوة زمانية، لكن هناك ما لم تتم روايته، او ما خفي من ذاكرة لم يملكها سواه. الرحلات الى مبارك هي نزهة اجيال، او مخزونها المحفور في ذاكرة لم تعد تحت سيطرة الوعي اليقظ، لكنها رهن مزاج دفاعي عن النفس. مومياء تتكلم... هذا هو مبارك او الوعي الرابض في ليل الانظمة/الذاكرة المؤرقة... يدافع عن نفسه: «بيقولوا إن أنا الحرامي؟ أنا؟ يدوّروا في ممتلكات الـ40 بتوع الأمانة (ويذكر اسم تكوينات في هيئات عسكرية وسرية) ليروا القصور والمزارع و الحسابات». ذاكرة منفلتة تبدو أحياناً فاضحة، وتروي بالتفاصيل او تخزن في ذاكرات عابرة تفاصيل حكايات لم يكن ليعرفها سوى الرجل القابض بقبضة موظف. اي انه هاوي أضابير وعاشق تستيف اوراق، ويعرف اين تخبئ الثعالب التي رباها صيدها. هو خبير بالرجال الذين تركهم في مقاعدهم عشرين سنة، وبينهم المشير حسين طنطاوي: «عرضت عليه منصب النائب (يقصد في ايام الثورة الاولى) لكن رده كان نهنهة (يقلده..) وطلب (خليني بالميري)، وهو بالفعل يدرك ان قوته في الميري، وهو لن يُمس ما دام السيسي موجوداً، فطنطاوي ابوه الروحي». اما السيسي نفسه فالتعليق الذي يردده دائماً عنه: «لم يحارب». لا تعرف المسافة بين الحقيقة والخيال في الروايات المنقولة عن الرحلات الى مبارك، لكنها تقال قي جلسات اجتماعية وسياسية، لتثير شيئاً بين الضحك والرهبة من فتح هذه الصناديق وألى اي مدى ستؤرق تلك الذاكرة شخصيات يراها مبارك في غير ما اصبحت عليه الآن، فهذا المرشح الثرثار الذي عمل بجانبه طويلا يراه: «صاحب ناب ازرق». عنده حكايات عن كل شخصية قديمة وخزينة اسرار يترك متحوياتها وديعة لزواره، وربما لمن هم قريبون منه، وهذه على ما يبدو هي نصيب المومياء في مستقبل قريب...او التي تبدو زيارتها والدوران حولها...سياحة من نوع جديد. 3 الدم الغاطس في الحنين إلى الثمانينيات ناهد القفاص هي نجمة عنبر القاتلات. اولاً، وقبل كل شيء، لأن قصتها تحولت الى فيلم «المرأة و الساطور» (تمثيل نبيلة عبيد وابو بكر عزت وعبد المنعم مدبولي واخراج سعيد مرزوق)، وهي وفيلمها اشارة جزء غاطس من الثمانينيات - شباب مبارك او سنواته العشر الاولى - التي يبدو أن مصر تعيد انتاجه او لا تقدر بنيتها على مغادرته - سياسياً و اجتماعيا وثقافيا، تدور الثورة وتفكك كل شيء، لتعود الدولة الي ثمانينياتها - وكأنها قوة شريرة مقيمة في سرداب سري يجذب البلد كله، ويدفعه الى حنين دفين الى تلك السنوات ونجومها، من الجنزوري وعاطف الطيب الى عمرو دياب (كما كتب اصدقاء مثل احمد ناجي على الفايسبوك او محمود سالم في مقال صحافي). فكرت مع اصدقائي، أودفعني الحوار معهم الى التفكير في المقابلة التي لم تتم مع ناهد القفاص، وهي تجسيد لتحولات مهمة في عالم الجمال والمال وبينهما الدم وظهور النصّابين في لحظات السيولة الطبقية. نجوميتها ترجع ايضاً الى امتلاكها جاذبية الأمهات بين سجينات التجربة الاولى خاصة من بنات العائلات. بين هؤلاء كانت حبيبة الممثلة الشابة التي اجبرت على الاعتراف بقتل زوجها القطري، وحكم عليها بعشر سنوات، لكن الحظ والصدف السعيدة اخرجتها من محنة قاسية بعد مرور خمس سنوات فقط، وذلك عندما ألقي القبض على مسجل خطر في قضية سرقة لتفاجأ أجهزة الأمن باعترافه انه اشترك مع مجموعة في قتل الزوج القطري. كان اسمها هو الاقتراح الاول في قائمة المقابلات مع «القاتلات»، لكنني رفضت: «قصتها معروفة»، قلت للمشرفة الاجتماعية. والغريب انه في اللحظة التى دخلت فيها المكتبة (مقر الحوارات) فوجئت بالأمينة الاخرى تتحدث الى مسجونة وتستمع إليها بتركيز شديد، وهي تقول: «اعذريني يا أبلة اماني... انا ساخرج بعد ستة اشهر واريد ان ينساني الناس». كانت هي: ناهد القفاص. لمحتها للحظات عابرة... كانت في ملامح وجهها صرامة الناظرات في المدارس الثانوية، ويمنحها مناخ السجن والطرحة البيضاء وقار المآسي. وقلت في نفسي: «موديل كلاسيكي للسجينات المشهورات». لم تتح هذه اللحظات العابرة ما اتاحته لي صورة نشرتها مجلة «Egypt today « في عدد اشتريته مصادفة مساء يوم زيارة السجن. في الصورة تبدو ناهد القفاص شخصية خارجة من الروايات. اظافرها الاصطناعية مع عينها الضيقة وتركيزها الشديد في نظرة قوية، وملامح مشحونة لسحب نفس عميق من السيجارة. ملامح الصورة قادتني الى اعادة قراءة قصتها من جديد، وفي قصاصات الصحف عثرت على صورة لها نشرت مع خبر القبض عليها. وبدا انها صورة البطاقة الشخصية او جواز السفر، وتظهر فيها ناهد بملامح جمال امرأة من ربات البيوت المصرية تضع على رأسها اول موضات الحجاب التركي في مصر، اي المزركش برسومات، ومحاط بعقد من الترتر «الفالصو». الصحف نشرت يوم 29 تموز العام 1989 حكاية ناهد بشغف مثير، وتحت عناوين مثيرة فى الصفحة الاولى: «الفيلم الاخير للمنتج السينمائى: قتلته زوجته ووزعت جثته على ثلاث مناطق في الاسكندرية وكفر الدوار» («الجمهورية»)...»قتل الازواج مستمر: تذبح زوجها وتقطّع جثته وتخفيها في اكياس قمامة»(«الاخبار»). كانت الصفحة الاولى في الاخبار مزدحمة بأخبار عن حرب الرهائن في بيروت بين «حزب الله» و«اسرائيل»، بينما كان كاريكاتيراحمد رجب ومصطفى حسين في الصفحة الاخيرة تحت عنوان «مسلسل قتل الازواج»، وفيه رسم لزوجة تقف امام الاولاد وهم يركبون على ظهر الزوج الذي اتخذ وضع الخروف بينما الزوجة تقول وهي تبتسم: «بالدور ياولاد هاتركبوا وتتفسحوا شويه قبل الذبح». كانت الظاهرة فى ذروتها. بجوار خبر ناهد القفاص في الصفحات الداخلية متابعة لتحقيقات مع «رابعة»: زوجة اخرى قتلت زوجها رئيس طباخي فندق «ميناهاوس» في الهرم بعد زواج 11 عاماً و خمسة اطفال... لكنها شعرت بالغيرة و بأنه ينوي الزواج من اخرى فقتلته بالساطور و مزّقت جثته. كانت هذه الفترة هي «زهوة النهاية» بالنسبة لنوع من العمل السياسي الذي تختلط فيه العقائد الفكرية بالعمليات المسلحة... وفي صفحة الحوادث التي نشرت اخبار تفصيلية عن حادثة ناهد القفاص، كانت متابعة لمحاكمة تنظيم «ثورة مصر» والتي كان المتهم رقم واحد فيها هو المهندس خالد، ابن الرئيس جمال عبد الناصر، وكانت تهمته التمويل وقيادة التنظيم الذي قام بعمليات اغتيال لمسؤولين في السفارة الاسرائيلية في القاهرة طوال السنوات الاولى من عقد الثمانينيات. وعرف في ما بعد ان القائد الحقيقي للتنظيم هو محمود نور الدين، وهو ضابط مخابرات سابق في عصر عبد الناصر، وكان ينوي اقامة جناح عسكري لتنظيمات ناصرية لم تكن قد حصلت على رخصة شرعية بعد... مات نور الدين في السجن بعدها بسنوات لم تتكرر فيها العمليات المسلحة ضد سفارة اسرائيل. لكن في أيلول العام 1989، صدرت احكام على اعضاء في نوع اخر من التنظيمات ينتمي الى «التيار الاسلامي». التنظيم عرف اعلاميا باسم «الناجون من النار» وكانت اشهر عملياته محاولة اغتيال حسن ابو باشا ومحمد النبوي اسماعيل وزيرا الداخلية الاسبقين، ومكرم محمد احمد رئيس تحرير «المصور» ونقيب الصحافيين وقتها. لابد ان نشير الى ان هذا هو عصر زكي بدر وزير الداخلية الذي خلف احمد رشدي. وعلى عكس السيرة الحسنة لرشدي، كان بدر موهوبا فى صنع الاحتقان السياسي، ولم يكن فقط مميزاً في تقنيات تعذيب المعارضين السياسيين، بل وصلت خصوماته السياسية الى حدود التشهير بشرائط الفيديو، بل انه صفع نائباً «وفدياً» في البرلمان، وانتهت حياته في السلطة بعد شريط سجل وصلات شتائم من النوع المكشوف لم يكن جديدا عليه، ولكن الجديد انه طال وزراء في الحكومة اتهمهم في اجتماع علني بأنهم «شواذ جنسياً». بمعنى ما كانت الحالة العامة تفكك الصراعات السياسية التقليدية الى نوع من الفضائح الشخصية. وتكون مزاج انتظار الفضائح و الحكايات المختفية وراء غرف النوم او في الجلسات الخاصة او في المجتمعات التي تكون تحت الاضواء، وهذا ماجعل الايام الاخيرة لعصر زكي بدر تتوازن فيها حالة الهياج السياسي لرجاله ضد المعارضة العلنية والسرية، مع قصص فضائح من عالم الفن. في شباط العام 1988، تم تقديم الفنان حاتم ذو الفقار الى المحاكمة بسبب تعاطيه واتجاره في المخدرات... في العام ذاته قدم الفنان فاروق الفيشاوى بلاغا الى النيابة ضد مجلة عربية تصدر في القاهرة ونشرت تقريراً عن عودته الى شم الهيرويين بعد اعترافه العلني انه كان مدمناً و تلقى علاجاً في مصحة نفسية... وقبل نهاية تشرين الثاني أحيلت الفنانة ماجدة الخطيب على المحاكمة بتهمة قتل شخصين اثناء قيادتها لسيارتها (ويبدو انها كانت هدفاً سهلا لرجال المباحث فقبلها بفترة قصيرة كانت قضيتها مع المخدرات)... وكذلك كان الفنان سعيد صالح يخرج من مطب المخدرات ليدخل فى مطب الالفاظ الخارجة في مسرحيته «البعبع». وقبل ان ينتهي العام، نشرت الصحف خبراً عن محاولة انتحار قامت بها الراقصة دينا طلعت (هكذا كان يكتب اسم دينا قبل لمعان نجمها)، تناولت فيها 40 قرص «فاليوم» بعد انفصالها عن خطيبها مدير فنادق «شيراتون». وفي حزيران العام 1989 القي القبض على الفنان سيد زيان و الفنان مجدي وهبة ومنتج سينمائي اسمه احمد الكحلاوى بتهمة تعاطي واحراز مواد مخدرة، وقبل صدور حكم البراءة القت المباحث القبض مرة اخرى على مجدي وهبة (تشرين العام 1989)، وفي سيارته بودرة الهيرويين ثم برأته المحكمة (ربما تكون قد رأت ان هناك تصفية حسابات بينه وبين ضباط المباحث). وقبل خبر ناهد القفاص بأيام، استولت على الاحاديث العامة اخبار الغيبوبة التي سقط فيها نجم الاغنية الشعبية احمد عدوية داخل غرفة بفندق «ماريوت» بعد سهرة مع ثري عربي و فتاة مغربية... الحادث الغامض انتهى بإصابة عدوية بشلل رباعى ما زال يعاني من اثاره حتى الان. في ظل هذه الاخبار نشرت الصحف حادثة ناهد القفاص، مع اشارة إلى أن القتيل منتج سينمائي، رغم ان التفاصيل اوضحت ان اسمه الهامي فراج وعمره 43 عاماً تزوجته ناهد كضابط في مباحث امن الدولة، واعترف لها بعد الزواج انه رجل اعمال، كما اكد احد المحامين انه تدرب في مكتبه بضع شهور قبل ان يكتشف انه لايحمل ليسانس حقوق. بطاقته الشخصية تقول انه صحافي وجواز سفره يؤكد انه منتج سينمائي (وربما هذه الصفة متعلقة باعمال في ابو ظبي حينما انتشر التصوير فى استوديوهات عجمان). والمدهش ان ضباط المباحث اكتشفوا بعد العثور على جثة الهامي انه كان وراء سرقة «لودر» من الطريق الصحراوي تملكه شخصية عامة. وبعد ذلك نشرت الصحف انه كان متزوجا من شقيقة المطرب المشهور وقتها عماد عبد الحليم والموسيقار محمد علي سليمان، وانه نصب عليها وسرق اموالها، كما نصب على الموسيقار سيد مكاوي واستولى منه على اشرطة فيديو لبيعها الى تلفزيونات عربية. إذاً كان نصاباً من نوع النصابين الذين لمعوا في تلك الفترة وكانت تلعب برؤوسهم حكايات عن نجوم النصب عالي المستوى. وليس صدفة انه بعد شهرين من قتل الهامي فراج تمت احالة توفيق عبد الحي (اول ملوك الفراخ الفاسدة) واسرته الى محكمة القيم، وقبله (تشرين الثاني 1988) كانت المرأة الحديدية هدى عبد المنعم تهرب من مصر رغم قرار المحكمة بمنعها من السفر، فيما كان المدعي الاشتراكي يطلب مصادرة 18 مليون جنيه من اموال عصمت شقيق الرئيس انور السادات لأنه جمعها بطرق غير مشروعة. وفي الشهر ذاته، تقرر المحكمة حبس احمد الريان 45 يوماً، بينما كان زكي بدر يعلن عن «كشوف البركة» التى تضم مسؤولين في الحكومة يحصلون على فوائد 100 في المئة شهرياً على ودائعهم في شركات الريان التي كانت تعطي وقتها 24 في المئة فائدة مستغلة صرعة الحصول على ثروة سريعة سهلة. الهامي سار على الدرب والتقى بناهد في لحظة احتياجها إلى رجل تحبه. ورغم ان ملامحه كما تبدو في الصور لم تكن عاطفية على الاطلاق، الا انه نجح فى اللعب برأسها. ناهد من اسرة يصفونها اجتماعياً ومالياً بمتوسطة الحال. والدها كان بالمعاش وقت الحادث ولها ثلاثة اشقاء. وهي لم تحصل الا على الاعدادية، لكنها جمعت ثروة بعد زواج من ثري عربي، وبعده من تاجر اسكندراني. لها ابنة واحدة (حنان) من الثري، وابن (أيمن) من القتيل. عرفته في رحلة قطار من القاهرة الى الاسكندرية وعرض عليها توصيلها بسيارته الخاصة الى منزلها في بسان استيفانو، وكانت بالنسبة له صيدا ثمينا فقد عرف انها مطلقة، ووقعت ناهد فى الفخ العاطفي، وهي قالت للصحف وقتها وفي عز سخونة الحادث: «يا ليتنى ما تزوجته... فقد اكتشفت انه نصاب و زواجه للمصلحة، والدليل انه بدأ معي اساليب الابتزاز والتهديد، واستمر في انتهاج سياسته حتى باع شقتي التمليك المكونة من 6 غرف واشترى فيلا في منطقة كنج مريوط باسمه، ثم استولى على سيارتي الفيات 132 واهداها الى احد اشقائه... لم يكتف بذلك وانما وصل به الجشع الى الاستيلاء على مجوهراتي ومصوغاتي الذهبية التى تقدر قيمتها باكثر من 100 الف جنيه (نحن في العام 1989)، كما امتدت يده الى رصيدي البالغ 35 الف جنيه في المصارف». ومازالت ناهد تتذكر الحكاية وروتها بدقة لمحررة «Egypt Today»: « لقد حاول اغتصاب ابنتي... حاول تلطيخ شرفي... كان هذا هو الكبريت المشتعل الذي سقط على حاوية بنزين كبيرة «كان هذا وصفها لذروة سنوات الزواج السبعة: «لا حظت كيف كان ينظر الى حنان في بداية زواجنا... كانت طفلة جميلة... لذا ارسلتها لتعيش مع ابي وأمي». ولم تكن تراها الا في ايام غيابه التي كان يوم الحادث احدها... كانت تشترى لها السمك من سوق العامرية القريب من كنج مريوط، وقبل ان تصل الى الحديقة سمعت ناهد صراخ ابنتها «عندما دخلت رأيت زوجي وقد مزق ملابسها و يحاول ان يغتصبها، ولم استطع الا ان اصفع ابنتي واصرخ في وجهها... والا كان قتلني انا وهي... بعدها اصطحبت البنت الى منزل والدتي فى الاسكندرية «. وعادت اليه بعد ساعتين... كان نائما لا يرتدي الا بنطلون بيجاما... جلست على المقعد المجاور للسرير والتقطت سكينة صغيرة وتفاحة من طبق الفاكهة: «كنت على وشك ان اقطع التفاحة ولكنني وجدت نفسي اطعنه هو. لم استطع التوقف. ووجدت نفسي اردد: هذه الطعنة من اجل ما فعلته بي. هذه الطعنة من اجل مافعلته بابنتي. هذه الطعنة من اجل ما فعلته بأبي وامي. بعدها وضعته في حقيبة قديمة كان قد اشتراها من احد المزادات. وفجأة شعرت ان الاسكندرية كلها اصبحت ضيقة. لم ادر اين اذهب به، فوضعت الحقيبة في صندوق السيارة وسرت بها... وجدت احد المباني المظلمة خلف مدرسة كلية النصر وألقيت الحقيبة فيها». بعدها نامت ناهد في شقة امها ستة ايام كاملة استيقظت فى اخرها وسألت امها: «هو الهامي ما سألش عليّ؟». كانت قد نسيت كل شيء. الغريب أن في الحكاية الجديدة لناهد سقطت تفاصيل عن كوب اللبن الذي وضعت فيه المورفين لزوجها. وسقطت ايضا تقطيع الجثة وتوزيعها في 3 مناطق في الاسكندرية و كفر الدوار (حتى ان الصحف نشرت صورة لرأس الزوج مفصولة تماما عن الجسد)، بل انها اضافت هنا حكاية جديدة وهي ان «الوفاة حدثت قبل ساعتين من طعنها له اثر جرعة هيرويين زائدة (كانت هذه سنوات عز الهيرويين وقد بشرت الصحف في نفس الشهر الذي قتلت فيه ناهد زوجها بأن حورية امبراطورية الهيرويين سقطت). ناهد تعلق على التفصيلة الجديدة: «لم تكن أي من الطعنات الثلاث والثلاثين نافذة بالدرجة الكافية لقتله... لقد قتلت رجلاً ميتاً، ولهذا لم ينزف حين طعنته... لو انه نزف لتوقفت بعد الطعنة الاولى لانني لا اتحمل منظر الدم». هكذا ذهبت ناهد الى المحكمة تحيطها تظاهرة نساء صامتة لم تنطق، لكنها ملأت قاعة سماع الحكم بينما كانت الصحف تنشر اخبار اتهام والد ناهد لابنتها بالهروب بعد سرقة مجوهرات امها المحبوسة. واختفت.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة