تقديم ضروري: السيد سدير: الولايات المتحدة الأميركية السيد ياسر: نيوزيلنده (لم يعد لكما في العراق ما يستحق العودة) التوقيع (مجهول الهوية تماما كما هي حال مئات آلاف الجثث التي وجدت في شوارع وأزقة ومزابل ومكبات نفايات العراق وفي أنهاره وجداوله وسواقيه منذ نيسان أبريل 2003.) كانا قد غادرا العراق للدراسة ومن ثم عادا يحملان الشهادة. منذ أكثر من سبع سنوات تزوجا وأنجبا هناك في المنفى الإجباري. بعد أن ولدا في (بغداد) بعد عام 1964، في دارهما التي كانت ناتج جهاد ومكابدات الأب في شارع الأميرات في المنصور أرغما على مغادرة الدنيا المضطربة إلى غيرها في العام 2004، بعد عشر سنوات أيضا من عودة الأب إلى غياب هو الحضور فقط في تاريخ البلد، لكنه ذهب ملتحقا برفيقة عمره التي سبقته إلى الفراق بسنوات عجز سرمد وياسر عن جثماني أبويهما إلى حيث مسقط رأسه، أجج فيهما مشاعر الإحباط . بعض ما هو منصوص: ــ 1 ــ كانا ملثمين. وكانا يتهامسان في تلك الليلة من ليالي أيار مايو ابتسم أصغرهما وهمس: أتعلم أن الليلة هي ليلة الخامس عشر من أيار؟ ما فهم الثاني فتساءل: يعني؟ فقال الأصغر: هي ذكرى نكبتهم. قفز الأول من مكانه فرحا وصفق قاطعا صمت المسافة بين وكرهما والرقم (55). ابن الكلب: أحسن مكان في أحلى منطقة من مناطق بغداد. (البيت بيت أبينا وجاء الغرباء وطردونا). وقهقه الثاني مرة أخرى: (هَمْ كان نزل (مؤجرا) وهَمْ يدبج (يخبط بقدميه) على السطح). لكزه زميله: أنت متأكد أن كل شيء سيكون ما هو مخطط؟ ـ طبيعي. أتعرف لماذا؟ أنا شخصيا أشرفت على العملية كلها، توصيت تماما بالبيت: طن كامل من شديدات الانفجار.. يقلب عاليها سافلها. لن يتبقى هنا منه أثر. كانا قد انهيا كل شيء. وعليهما أن يلوذا بمكان يبعد عن (الأميرات) تجنبا من مخاطر إلقاء القبض عليهما. واطمأنا إلى (الناقل المفجر عن بعد) ثم رفعا اللثامين عن وجهيهما. تبادلا نظرات الظفر. أسرعا يبتعدان عن المكان بحركة تشبه كثيرا حركة الصيادين ولكن في شارع واسع يعبق بعطر الفل والليلك و(الشبو) كل (المنصور) يعيق في الليالي الصيفية والربيعية بعطر (الشبو الليلي). تنفسا بعمق. واترعا موقديهما بالفيض من النار تتأجج داخل القفصين الصدريين. كانا متأكدين أن الجائزة ستكون كبيرة وفي انتظارهما حالا. الانفجار لن يقتصر صداه وصوته واهتزازاته و سامعوه على (الأميرات أو المنصور).. كل كرخ بغداد سيهتز بعد قليل. ــ 2 ــ كان يحتل ركنا بين شارعي الأميرة والمنصور الداخلي لصيقا بشارع السفارات إلا من عدة بيوت. وواسعا كان بحديقة منزلية منسقة على يمين ويسار المدخل. تستقبل القادم ثلة من حراس شرف من تشكيلات وردية وحمراء وبيضاء وصفراء، فتمتلئ الصدور بعليل النسمة المشبعة بالعبير. تدخل لاحتضان البسمة التي لا تفارق وجهه الصبوح. يغمرك بالكلمات والأحضان والزغايد والترحاب. كان صادقا كما هبات نشطة للربيع في مسقط رأسه. لم يستطع الزمن أن يبدد عن وجهه نشاط ودماثته وحيوية الصبا وحنين الرجعة إلى موطنه. كان ينسى العواصم التي مر بها أو التي بها أقام سنوات من العمر في الشباب نسي باريس ونسي لندن ونسي الدنيا الا هذا الذي يجمع في الشرايين ما بين بغداد والفرات ودجلة وما بين حيفا والقدس والنيل والى بيرون ومنها.. ويدنو من حيث الوطن في الوجيب حين يداني بردى. بغداد كانت هواه وحبه ولكنها كانت واسطة انتقاله إلى حيث مرتع السنوات الأولى من موجات على البحر المتوسط. كانت تداعبه بعد أن بادر إلى ميناء حيفا، من مكان يعبق بأريج (المهد) وعبر مسار ليلي أو نهاري لا فرق خلف السور اقترابا من قدسية يقال إنها بل يحس أنها الأقرب إلى الباري الخالق: مجمع في مئات الأمتار المكعبة والمربعة أرضا والملتحمة سماء بين الأقصى والقيامة. وهناك كان يحس دائما انه أعجز من ذبابة عن اختراق جدار كوني مصنوع من الفولاذ لكنه أقوى من كل قوة إنسانية مادام يدرك انه يستطيع تطويع اللوحة والريشة والكلمة وبلغات كثيرة لكي تتم عودته إلى حيث مسقط الرأس. كان يرى أن ما يجمعه ويسوع هو المكان والوطن ولكنه كان لا يشعر بأنه مصلوب على قارعة الزمن حين يقال له ( جنسيتك)؟ تسبقه دائما كلمة (فلسطينية) ليستدرك (عراقية). غليون وحب، وأنفاس تجمعك بجدك وبأبيك، وتنتقل بك إلى الكرمل والى المكبر والى الناصرة والى بيت لحم قبل كل هذا وبعده. وأنت تدخل إلى الدار تتفاجأ. أنت أمام جدران من فئتين: إما من لوحات عباقرة التشكيل ومحبيه ومنهم هو ذاته وإما لا تقع عيناك إلا على الكتب، ما كان منها قد جلد وما احتفظ بحرارته ورائحة مطبعته.. ما أنت في سفينة نوح ولكن في بيت تفوح منه رائحة غلي (القرفة). تسأله عن سر الرائحة .. يبتسم: كنت لا أصدق من يقول إن الحفيد اعز من الوليد. إن الحفيد مسعود يا صديقي. انه أغلى ما في الدنيا. أتظن أننا نحبهم لأنهم امتدادنا أم لأنهم أيضا يحملوننا غدا إلى حيث البلاد، وإن في نطفهم وجيناتهم الوراثية. تقول له: للسببين.. أظن أن نزعتنا للخلود تجد تعبيرها في الأحفاد. يهز رأسه ويضرم النار بما في الغليون قبل أن يغير رأيه ويلقيه جانبا ثم يعيد عليك سؤاله التقليدي: أتشرب شيئا أم أنت جائع؟ يا الله كم هو تلقائي هذا الإنسان ! حتى لو كنت تدخل بيته للمرة الأولى فانه يستقبلك بالسؤال ذاته. وأنت لا تملك إلا أن تحبه. كان أحيانا لا يخجل من حك انفه بثياب القادم من هناك.. من الغرب.. من شواطئ المتوسط، من بيروت، من اللاذقية، من الإسكندرية. لا فرق. يقول لهم: أشم فيها عبير البلاد. إنني احن إلى البئر الأولى.. واشعر أنني في سفينة في البحار العالية.. (موجة ترفعها وأخرى تنزلها، وهي لا تجد المرفأ.) ــ 3 ــ كابدت المرأة حتى نامت فهي تشعر بقلق لا تدري سببه . ما كانت ترغب أن تسبق ابنتها في النوم. تأكدت أن كل البيت هادئ وعلى ما يرام. ثم على نتفة من ضياء القمر تسللت إلى فراشها بدعوة منها، أحبت أن تنام وقد أطفأت الأنوار فليس مؤكدا أن التيار لن ينقطع بعد قليل. وقبل أن تغمض عينيها تناهى إلى مسمعها صوت غريب. لكنها ركنت إلى حقيقة أن ليس ثمة ما يبدو غريبا هذه الأيام. وفجأة دوى انفجار هائل. هز البيوت والقلوب وابعد النوم عن العيون، ومن استيقظ على الصوت هتف: متى نخلص؟ إلى (الأميرات) و(55) هرعت سيارات الإطفاء والإسعاف. كان أهل الحي قد خرجوا ليتبينوا ما حدث. ولكنهم لم يصدقوا ما وقعت عليه عيونهم. البيت (55) كان قد تحول الى كومة هائلة من الركام. كانت إحدى النساء تصرخ وهي تركض في اتجاه الركام (هناك امرأة وابنتها. ابحثوا عنهما من أجل الله. لعلكم تجدونهما على الأقل نلملم أشلاءهما). ويلي. ــ 4 ــ ـ هل تسمعني جيدا يا ياسر. ـ اجل. ـ أصحيح أننا لم يبق لدينا هناك ما يستحق؟ ـ لا يا اخي. لدينا في العراق ما يستحق. ولا تنس ان لدينا في بيت لحم ما يستحق الحياة. ـ هل تنتحب. ـ ... ـ لا تفعل. ـ اشعر انهم قتلوا ابي مرة أخرى. بل اشعر ان جبرا ابراهيم جبرا سيعود يوما الى بيت لحم. ويبقى له في بغداد متحفه. (كاتب فلسطيني)