As Safir Logo
المصدر:

## «بارات» وسط البلد... تاريخ وثورة

المؤلف: الندا أحمد التاريخ: 2014-01-08 رقم العدد:12670

يتلفتون يميناً ويساراً قبل عبورهم الباب. كانوا ثلاثة، يرمقهم الرجل الواقف في محل بقالة مواجه للمكان بنظرات تجمع السخرية والتعالي والأسى. نظرة تمتلئ بالخبرة الممتدة لسنين حول من يأتي المكان لأول مرة. بعدها بدقائق، يمر رجلان يرميان السلام على رجل البقالة قبل دخولهما إلى الحانة أو «البار» كما يسميه الجميع هنا. «قهوة الحرية» الواقعة على شارع رئيسي بباب اللوق، ليست حانة بالمعنى الحرفي للكلمة، بل هي مقهى شعبي يقدم الشاي والقهوة إلى جانب البيرة. آخر المقاهي التي تحمل رخصة لتقديم الكحوليات في وسط البلد، أبوابه مفتوحة دائما، والصخب داخله يتعدى حدود المكان. رواده يمثّلون قطاعا من رواد وسط البلد من كل الجنسيات. الإضاءة القوية والمرايا المنتظمة تمنح إحساسا بالاتساع في مكان متسع بالفعل، و«لوغو ستلا» المطبوع على الجدران يعطي للحرية هوية سهلة الاكتشاف لزائر جديد لوسط البلد. «الناس الجديدة بتخش لما بتشوف كلمة ستلا ع الحيطة، والتلاجات أصلا في وش الباب». يقول ميلاد، الوجه الأشهر بين من يعملون في المكان لمشاكساته التي جربها كل من دخل يوما، بإلحاحه في طلب البقشيش كأنه نوع من ضريبة الخدمة. وميلاد شاب في أواخر العشرينيات، ورث العمل عن أبيه الذي عمل هنا لأكثر من عشرين عاما. أطرف ما في المكان تقسيماته: قسم لا يقدم الكحوليات ويسمى برلين، وقسم يقدمها يسمى باريس. أصل التسمية غير معلوم للجميع. أيام حكم «الإخوان» ولرمزية الحرية ورمزية وجود ميلاد فيه كمسيحي يقدم الخمور- رُسم «غرافيتي» على الحائط المجاور للباب بصورته، وتحتها عبارة: «بكرة تبيع سبح». وعلى الرغم من السخرية التي تشير إلى هواجس إغلاق البارات، يؤكد ميلاد نفسه نقيض ذلك: «الرجل كترت أيام الإخوان، زي ما يكون عِند». «بار ستلا» على النقيض من «مقهى الحريّة» في كل تفصيلاته. لا يمكن اكتشافه لعابر جديد إلا بالصدفة، باب خشبي نصف مغلق، ومساحة تتسع بالكاد لخمس طاولات. لا يقدم البار إلا البيرة، خصوصا «ستلا» المملوكة لشركة الأهرام للمشروبات ــ وهي شركة قطاع عام ــ والإضاءة الخافتة تعطي للمكان سحرا تاريخياً تزيده الألوان القاتمة لجدرانه الخشبية. رواده معظمهم ممن تجاوزوا الأربعين، أو أولئك الذين يبحثون عن بقعة منفصلة تماما عن صخب شارع طلعت حرب المطل عليه. ثمة تواطؤ غير معلن من الرواد مع ضيق المكان، إذ لا أمل لمساحة خاصة لزبون، إذ يتكدس الجميع دون تذمر يذكر. الصيحات تتداخل مع صوت أم كلثوم الذي صار خلفية ثابتة. «أنا عارف زبايني»، يقول ماجد الشاب العامل الذي يصغر معظم الحاضرين هنا. ويحكي عن علاقة طيبة تربطه بهم، حيث تحوّل الأمر من «زبون وساقٍ» إلى صيغة ما قريبة من الصداقة. على بعد خطوات من «ستلا»، مطعم «استوريل» ذو الخمس نجوم. رواده ينتمون لبورجوازيي الفن والصحافة، لارتفاع سعر الكحوليات فيه مقارنة بـ«الحرية» و«ستلا». وعلى الرغم من أن لافتة المكان تقول إن هذا مطعم، فبعض رواده لا يقصدون المكان إلا للشرب. عمال المكان يرتدون قمصانا وربطات عنق. ولا يكتفي المكان بتقديم البيرة كسابقيه، لمراعاة النجوم الخمس التي يحملها المطعم على كاهله. مكانٌ مغلقٌ على عكس مطعم «الجريون»، المطعم المنزوي داخل ممر من ممرات وسط البلد الشهيرة، برواقه الواسع وقاعتيه المغلقة والمفتوحة، عماله كذلك يرتدون ربطات العنق، ويحملون مسؤولية خمس نجوم وتنوع الكحوليات وبورجوازي وسط البلد. وربما اشترك «استوريل» و«الجريون» في الزبائن أنفسهم، كأنهما فرعين من شركة واحدة. ولا يمكن تجاوز شارع طلعت حرب دون التوقف عند مقهى «ريش» - الذي كتب عنه نجيب سرور ديوانه الشهير «بروتوكولات حكماء ريش» - وواجهته الزجاجية التي تطلّ على الشارع. صاحب «ريش» العجوز لا يحب الوجوه الجديدة، كما يتباهى بتعليق صور رواده الذين «صودف» أنهم أعلام مصر الإبداعية والفنية. بالابتعاد عن شارع طلعت حرب، ومربعه الكثيف، يمكن استكشاف بارات أخرى تنتشر في وسط البلد. كل واحد منها يجتذب طبقة بعينها، وأحيانا ثقافة خاصة: «هابي سيتي» و«أوديون» و«وينسور» و«كارلتون»، أجزاء من فنادق كلاسيكية بقيت من رائحة الماضي فيها آليتها للمقاومة واكتساب صداقات جديدة مع أجيال اليوم. وأيضا «أريزونا» و«كاب دور» و«جامايكا» ووجوه رجالها المرهقة التي تخبر عن الجهد الجسدي لأعمالهم... إضافة إلى «النادي اليوناني» الذي يرفض استقبال زوار جدد بعد الثانية عشرة صباحا، رغم سهره حتى الصباح مكتفيا بمن لديه. لم تحضر الدولة في بارات وسط البلد، رغم الجزع الذي انتشر على صفحات الـ«فايسبوك» أيام حكم «الإخوان». عندما أغلقت «الحرية» أبوابها لأكثر من شهر، ظنّ الناس أنها بداية سلسلة إجراءات قمعية، ليتضح في ما بعد أن سبب الإغلاق تجديد المكان. لم تحضر الدولة إذا، وظلّت زجاجة «ستلا» تجد لنفسها ملاذا بين شباب عائد لتوه من مشوار الثورة الطويل، ليأخذ استراحة ويقتنص شيئا من البهجة. ولما كانت الحرية لا تتجزأ، فقد خرجت مسيرة بعد تولي مرسي الحكم تحت اسم «مسيرة البيرة». وبعدما سقط «الإخوان»، وطالت يد الجيش الأنفاس، فأغلقت الحياة في وسط البلد بعد منتصف الليل، تحايل الشباب بالبقاء في البارات حتى موعد انتهاء الحظر في السادسة صباحا. أما اليوم، فتعود البارات لوتيرة عملها المعتاد، ويعود معها الاطمئنان إلى قلب ميلاد، الذي لم يعد يخشى أن «يبيع السبح»! أحمد ندا (القاهرة)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة