الآن، وبعدما هدأت عاصفة مركز ابن خلدون وصاحبه، وبدأت تتكشف أبعادها، وأسرارها، واحدا تلو الآخر.. وبعد ان أريقت أطنان (الأحبار) في الحديث عن القضية حتى وهي في طورها الجنيني عندما كانت لا تزال بعد في مرحلة التحقيقات والتحريات الأولية!! } يحق لنا الآن ان ندلي بدلونا في القضية.. خاصة وقد كنا بكل تواضع من أوائل من نبهوا الى أخطاء وخطايا سعد الدين ابراهيم منذ بواكير عمله في هذا المجال البحثي (الذين يسميه خطأ بائعو وهم الجمعيات الاهلية ب»العمل المدني«)، منذ بداية الثمانينيات، عندما كتبنا عنه وعن جامعته الاميركية بالقاهرة كتابا وخمس حلقات في صحيفة (الشعب) المعارضة تحت عنوان »الدور السياسي للجامعة الاميركية في مصر«. وكان ذلك خلال عام 1983... ثم توالي اهتمامنا وتصدينا للسرطان العلمي الذي تفشى في الجسد الثقافي المصري تحت عنوان (التمويل الاجنبي للبحوث الاجتماعية والاقتصادية)، وأصدرنا خمسة مؤلفات فضلا عن عشرات الدراسات والمقالات التي تتصدى وبالوثائق لهذه الجريمة الاخلاقية والعلمية لأي باحث يحترم عقله وضميره وثقافته!! وكان (سعد الدين ابراهيم) كنموذج حاضرا في كل أعمالنا تلك لم يغب للحظة، لأنه كان المثال على من نسميهم بمقاولي الابحاث وسماسرة ما يسمى بالمجتمع المدني، وكان مقالنا في صحيفة الوفد (29/6/2000) والمعنون ب(المتأقبطون الجدد) آخر تلك المحاولات الكاشفة لدور هذا الباحث ورفاقه من المتلاعبين بورقة (الأقباط) ومن قبل (التمويل) ومن بعد (المجتمع المدني) وتصادف ان نشر المقال قبل القبض عليه ب48 ساعة!! } لماذا نحكي كل هذا؟! } نحكيه حتى نبين اننا لا نتجنى على الرجل او مركزه او قضيته او على أشباهه من أدعياء البحث العلمي وحقوق الانسان في ما سنكتبه الآن، لأننا لا نكتب في إطار (هوجة) الكتابة التي واكبت محنته، وبعضها للأسف كتبه من لا يقلون عنه سلوكا، وفكرا، ودورا ولكن أمرتهم (الاجهزة الرسمية) ان يكتبوا فكتبوا وان يطبلوا فطبلوا وبقوة. ولا نتشفى من الرجل، فخلافنا معه قديم، وخلافنا في الاخير، ليس لأسباب شخصية، بل لأسباب وطنية صرفة، ومن هنا نكتب... ونحلل المسكوت عنه في هذه القضية ككل.. عل ما نكتبه يفيد. * * * ان الحديث عن الذي جرى عن قضية سعد الدين ابراهيم ومركزه لم يتطرق في تقديرنا الى أصل القضايا وجوهرها، واكتفى بالقشور ومن ثم فاننا نتوقع ان تنتهي هذه القضية الى لا شيء، لأنها لم تصل سواء (قضائيا) او (صحافيا) الى لب المأساة... وحتى عندما وصلت أسرعت (قضائيا وصحافيا) بتجاوزه في خفة وسرعة تؤكد ان الامر من أوله الى آخره كان مجرد فرقعة إعلامية/ سياسية أرادت بها الحكومة المصرية أمورا عدة من بينها ان تصرف الانظار عن حجم مأزقها السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي تعيش فيه منذ عام مضى والذي ينخر في جسد الحكم نخرا يهدد شرعيته من الأساس، وكانت (شماعة) سعد الدين ابراهيم، جاهزة للتعليق، ولصرف الأنظار أيضا. اما اذا أردنا ان نصل نحن، ومعنا القارئ الى أصل القضايا المسكوت عنها في هذه القضية فاننا نوجزها في الآتي: أولا: هناك قضية (التطبيع السري القبيح مع الكيان الصهيوني متجاوزا دور المثقف الى دور السياسي) وهو التطبيع الذي ارتكبه هذا المركز (ونظائره من المراكز الرسمية الحكومية: مثل مركز الدراسات بالاهرام) ولم تتجه التحقيقات القانونية او التحريات الامنية او المتابعات الصحافية (إلا في ما ندر) إليه برغم ان العلاقات التي تربط سعد الدين ابراهيم شخصيا ب(القنصل الاسرائيلي بالقاهرة ناداف كوهين) والملحقة الاعلامية الاسرائيلية (إيليت كوهين) ومدير المركز الاكاديمي الاسرائيلي بالقاهرة (يوسي أميتاي)، فضلا عن علاقاته السابقة بكل من شيمون شامير مؤسس هذا المركز والسفير الاسرائيلي الأسبق، وديفيد سلطان وإبراهام واربورج، السفيرين السابقين لإسرائيل بمصر، وغيرهم، بالاضافة الى علاقاته بجامعة تل أبيب وزياراته المتكررة لها واستقباله لوفود طلابية منها داخل أروقة مركزه في ضاحية المقطم.. هذا الجانب من سلوكيات (سعد الدين ابراهيم) بكل أسراره وتفاصيله الخطرة سُكت عنه، تحقيقا نيابيا وصحافيا، برغم انه في تقديرنا (الاصل) الذي من حوله تتفرع القضايا، وتلف، وتتداخل، ومن داخله (هذا الاصل الفاسد) ينبت الفساد العلمي.. والثقافي والسياسي بأغرب صوره وأشكاله... } سكت النظام.. } وسكتت الأقلام.. وتحول الامر كله الى مجرد قيام هذا الباحث بتزوير بطاقات انتخابية، وتلقي تمويل خارجي من مؤسسات غربية!! } يا سلام!! } وهل سعد الدين ابراهيم هو وحده الذي (زور) بطاقات انتخابية في مصر أم ان اجهزة الدولة التشريعية قد مارست هذه الجريمة بأقوى منه ولأكثر من 30 عاما مضت الى درجة ان المحكمة الدستورية العليا في مصر قد أصدرت ثلاثة أحكام لثلاث دورات بحل مجلس الشعب المصري خلال فترة حكم الرئيس مبارك (يعني طيلة فترة الحكم كان مجلس الشعب مزورا وقائما على أسس غير دستورية).. ولعل أكثرها وضوحا الحكم الاخير الصادر قبل أيام والذي وضع نظام الحكم في مأزق حقيقي مرير!! } فهل يلام سعد (برغم جرمه) وحده؟! } ثم ان حكاية (التمويل الاجنبي) تلك مردود عليها بأن مراكز أبحاث تابعة للدولة ولمؤسسات صحافية كبيرة تتلقى تمويلا مشبوها من الخارج منذ 20 عاما ومن وراء ظهر الدولة، وحتى بعد ان علمت الاجهزة الرسمية لم تفعل لها شيئا.. فهل يلام سعد (برغم جرمه أيضا في هذا الجانب) وحده؟ ام ان العدل يتطلب ان يمتد حبل التحقيق والكشف على استقامته.. ويُسأل بالمرة د. عبد المنعم سعيد مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام وتاريخه التمويلي متخم ومثير، وايضا يُسأل مديرة مركز البحوث الاجتماعية والجنائية (د. سهير لطفي)، ومدير المركز القومي للبحوث ومركز البحوث الزراعية، ومركز البحوث السياسية بجامعة القاهرة والذي كان له السبق التاريخي في هذا المضمار على أوسع نطاق حتى مع اليهود عبر مديره السابق د. علي الدين هلال (وزير الشباب الحالي ورفيق عمر سعد الدين ابراهيم في كل السلوكيات والأخلاقيات) وعبر مديرته الحالية د. نازلي معوض. } إذا كان لا بد من محاكمة عادلة وصادقة لسعد الدين ابراهيم، فإما ان يحاكَم على (الأصل) المسكوت عنه لأسباب لا نفهمها وهو جريمة التطبيع السري لمثقف مصري ليس مطلوبا منه هذا الدور التطبيعي مع العدو الصهيوني، وإما ان تنسحب المحاكمة (الفرعية) الجارية الآن على باقي الهيئات السياسية والتشريعية والمراكز البحثية الاخرى التي لا تقل ان لم تزد عنه في جريمتي (التزوير) و(التمويل)!!... وإما ان يُبرّأ الرجل فورا ويُعتذر منه لأن الجميع في الهم شرق كما يقال!! * * * ثانيا: انطلاقا من هذه الحقائق المسكوت عنها، كشفت لنا ايضا قضية سعد الدين ابراهيم، حقائق أخرى آن لنا ان نبرزها، ونؤكدها. (1) الحقيقة الاولى: الالتباس الشديد الذي جرى بشأن حقوق الانسان في مصر، واعتبار ما تم مع (سعد الدين إبراهيم) اعتداء على حقوق الانسان، مما استدعى تبرير تدخل السفير الاميركي والعديد من الهيئات الغربية للضغط من اجل صون حرية هذا (الانسان)، وتبرير البعض من دعاة حقوق الانسان لهذا التدخل بل وطلبه واستدعاءه. فأي حقوق انسان تلك التي يدّعونها؟! ولماذا لم تحركهم مثلا قضية (مجدي أحمد حسين ورفيقيه) في السجن وهم من معتقلي الرأي والفكر أيضا؟ لماذا لم يبك على (مجدي حسين) كل من (سلامة أحمد سلامة.. وصلاح منتصر ود. عبد المنعم سعيد ود. محمد السيد سعيد) الكتّاب الكبار بالأهرام ومنظمات حقوق الانسان في مصر بنفس الحرقة التي بكوا بها سعد الدين ابراهيم (صديق القناصل والملحقين والباحثين الصهاينة والمتهم بالتزوير والرشوة الدولية). لماذا لم يكتبوا حرفا عن اعتصام وإضراب صحافيي الشعب (80 صحفي) عن الطعام منذ 60 يوما لعدم تمكنهم من صرف رواتبهم التي يعيشون عليها كبشر وبسبب غلق صحيفة وتشريد أهلها: أليست تلك حقوق إنسان؟ فلماذا يبكون على هذا ولا يبكون على تلك؟ ولماذا لا يتذمرون لاستمرار اعتقال 25 ألف معتقل سياسي إسلامي في مصر يعيشون في أسوأ أوضاع إنسانية عرفها التاريخ منذ 20 عاما وليس فقط عشرين يوما مثل سعد!! ان مفهوم حقوق الانسان في هذه القضية ألتُبس الى حد يرثى له وازدوجت فيه المعايير، وبات مصطلحا مستهلكا وقبيحا (للأسف الشديد) لأنه صار واجهة مضللة تحتها ترتكب وتزيف عشرات القضايا والمفاهيم. (2) الحقيقة الثانية: ذلك الالتباس البين بين دور المثقف ودور السياسي واختلاطهما بطريقة يرثى لها جعلت من نماذج مثل سعد الدين ابراهيم مجرد (مهجرين سياسيين) فلم يرقوا الى دور المثقف الملتزم ولم يتحركوا الى دور السياسي المحترم!! (3) الحقيقة الثالثة: كشفت قضية سعد الدين ابراهيم ايضا من جملة ما كشفته من المسكوت عنه، ذلك التراجع المخيف لدور الدولة في (البحث العلمي) تمويلا وإعدادا، وتقدم دور المؤسسات الاجنبية (45 مؤسسة) والخاصة (52 مؤسسة) لتحل محل الدولة حاملة معها عشرات الأخطار والمفاهيم، وفق (أجندة أولويات) غير تلك الاجندة الوطنية المفترضة، وكان لغياب الدولة، دور في تبوء هذه المؤسسات للصدارة برغم هزالتها علميا وشبهة أهدافها، وأدوارها الاجتماعية والسياسية! * * * ان المسكوت عنه في قضية مركز ابن خلدون وصاحبه، تتعدى في الواقع، هذا المركز لتصب في أزمة السياسية والمجتمع، والعلم، والانسان في أوطاننا، وهي أزمة تمتد بجذورها وآثارها من الداخل الى الخارج، عبر حلقات من الاتصال لا تنفك، يبرز فيها أمامنا (الاستبداد) و(الفساد) و(التمويل) و(التطبيع)، في تلاحم غريب، يحتاج فكه وتحطيمه الى عزيمة، ووعي، ومواجهة لا تعرف حدودا يُسكت عندها او يصمت، وهو ما نفتقده مصريا للأسف!! (*) كاتب سياسي مصري.