As Safir Logo
المصدر:

حصار العرب في »كامب ديفيد«

المؤلف: مكحل غسان التاريخ: 2000-07-24 رقم العدد:8659

لولا التحرك المصري الأخير باتجاه السعودية، وقبله بقليل باتجاه الأردن للبحث في تطورات ما يجري في قمة »كامب ديفيد«، لكان يمكن القول ان العالم العربي ليس مهتما بالمرة بما يجري في تلك القمة مع انها تبحث إنهاء القضية الفلسطينية، القضية المركزية الاولى للعرب، ومسألة القدس، التي طالما اعلن العرب جميعا انها مسألة مصير بالنسبة إليهم جميعا. حجم الاهتمام العربي بقمة »كامب ديفيد«، كان الامتحان الحقيقي لعلاقة العرب الفعلية بالقضية الفلسطينية وبمسألة القدس، وكان الدليل على ان فلسطين والقدس لم تعودا في موقع اهتمام اساسي او حتى اهتمام، بالنسبة الى الحكومات العربية، وحتى بالنسبة الى الغالبية من الناطقين بالعربية. وربما كان هذا هو الانجاز الأهم لعملية السلام، الذي سهل عقد محادثات مثل التي تجري في »كامب ديفيد«، ومهد السبيل امام اتفاقات تتعلق بالمساومة على فلسطين وعاصمتها القدس. فخلال اسبوعين من المفاوضات المتواصلة الفلسطينية الاسرائيلية، برعاية اميركية، كان الامر الاساسي المثير للدهشة هو غياب المواقف العربية الجدية، التي تعترض على تنازل محتمل خطير بشأن القدس، و/أو التي تقف موقف المحذر فعليا من ان تكون نتيجة تلك المفاوضات محو عروبة القدس، وإلغاء الارتباط التاريخي للعرب مع المدينة المقدسة الذي بدأ منذ آلاف السنين، وأيضا إلغاء العلاقة العضوية، التي كان يبدو أن لا انفصام فيها ما بين العرب وأرضهم فلسطين. ومهما يكن من أمر فإن سياسات السلطة الفلسطينية، لا يمكن ان تكون مبررا، بأي شكل من الاشكال، لان تتخذ الحكومات العربية قرارات بفك العلاقة مع القدس تحديدا، والقضية الفلسطينية عموما، لسبب اساسي هو ان الضىاع المحتمل للقدس، يعني الى حد كبير، ضياع الهيبة العربية، وجانب اساسي من الهوية العربية، مع ما يعني ذلك ايضا من خطر شديد على الوجود العربي، ليس في فلسطين وحدها بل في كل مكان بلغته لغة الضاد وثقافة العرب. وفوق ذلك فإن هذه القضية هي اكبر واهم من ان توكل بالكامل الى الطرف الفلسطيني المفاوض، الذي يعيش حالة حصار مادي ومعنوي، ولا يملك اي شكل حقيقي من أشكال القدرة التي تؤهله للصمود في وجه الطرف الاسرائيلي المتفوق بالكامل والمدعوم مباشرة من الولايات المتحدة والعالم الغربي الغني عموما. فالتخلي العربي حاليا، مهما كانت طبيعة سياسات ياسر عرفات، يصل الى حد المشاركة في التآمر وإضاعة الحقوق العربية في فلسطين والقدس. يعيد هذا الى الذاكرة ما كان اعلنه الجنرال اللنبي عندما دخل القدس بجيوشه في العام 1918، اذ قال صراحة »الآن انتهت الحروب الصليبية«، ملخصا بذلك أهمية موقع القدس بالنسبة الى العرب والاوروبيين على حد سواء. وبالتالي فإن بإمكان ايهود باراك ان يعلن مباشرة بعد التوصل الى اتفاق لصالحه مع ياسر عرفات في »كامب ديفيد« »الآن انتهى الصراع العربي الصهيوني«، وبالاحرى الآن بدأت رحلة التراجع العربي عن ارض العرب وثقافة العرب. وإذا بات ميسرا للصهاينة ان يفرضوا حلا مناسبا لمطامعهم في القدس، يكفل لوجودهم المحتل »شرعية«، فإن الامر الطبيعي، هو ان يصبح مصير الدول والبلدان العربية بأكملها في مهب الريح، ويصبح من الممكن الحديث فعلا عن أفول شمس العرب. الأمر هنا بالتحديد هو صراع وجود وليس صراع حدود، وهو يطال كل فرد، من دون استثناء، من المحيط الى الخليج. ثم إذا لم تكن قضية القدس قادرة على إقناع العرب بعقد مؤتمر قمة لبحث المستقبل والمصير، وإذا لم تكن قضية القدس وهي تعيش فصولها التي ربما كانت الاخيرة، قادرة على تحريك الجماهير العربية بمؤسساتها المدنية من تجمعات وتيارات ومنظمات واحزاب، فما هو القادر على التأثير والتحريك؟! وإذا كانت سياسة منظمة التحرير، وبالأخص زعيمها ياسر عرفات، تتحمل مسؤولية أساسية عما آلت اليه الامور بالنسبة الى القدس والقضية الفلسطينية، فإن هذا لا يقلل من مسؤولية الدول العربية عن مأساتنا الحالية، خصوصا انه ما من دولة عربية، ما عدا القليل القليل، إلا وساهمت سياساتها في مرحلة او مراحل ما في توجيه ضربات قاصمة لقضية القدس وفلسطين. وما حصارنا كلنا في القدس حاليا، إلا حصاد تلك السياسات وسنوات التلكؤ والتخاذل وحتى التآمر. والتضامن في هذه المرحلة مع قضية القدس وفلسطين، لا يمكن ان يكون منة او حسنة ولا حتى كفارة عن أثام الماضي والحاضر، لكنه دفاع مشترك عن اهم الحصون المعنوية والفكرية والعقائدية والمادية، قبل ان نصبح جميعا نسيا منسيا، ولو بعد حين.. بعد خسارة القدس.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة