هالة كوثراني في جديدها الروائي (عن دار الساقي) لعبت على شخصيات نسائية ثلاث، من أزمنة مختلفة وأعمار متباينة، وجمعت بين المتخيّل والتاريخي، في حبكة مشغولة أفضت الى سرد متماسك، مقنع وجميل... عن جديدها «كاريزما» كان هذا الحديث: عملك على شخصيات متباينة في تاريخها وحقيقتها وأعمارها فني دقيق. هل استعنت عليه بقراءات مساعدة؟ ^ الجمع بين المتخيّل والتاريخي أو شبه التاريخي ضاعف متعة الكتابة والتحدّي الذي تقدّمه. تطلّبت كتابةُ هذه الرواية الغوص في قراءة دراسات وأعمال يمكن اعتبارها تاريخية، إضافة إلى كتب فكر وسياسة. إحدى شخصيات الرواية والتي سمّيتها «تاج» مستوحاة من شخصية يُفترض أنّها حقيقية عاشت وقُتلت في القرن التاسع عشر، وقد افتُتنتُ بها ونسجتُ أحداث الرواية حول مشاهد من حياتها تكرّرت في بعض الكتب التي ناقشت حياتها وأتت على ذكرها. يتداخل في الرواية الواقعي أو التاريخي بالمتخيّل. ولعلّ الجمع بينهما ضمن إطار الرواية العام يترك الانطباع بأنّ العمل محبوك في أسلوب فنيّ دقيق كما حاولتِ وصفه في سؤالك. أتمنى أن تُقرأ الرواية كعمل فنّي دقيق وصعب. الانتظار تيمة من تيمات روايتك. كيف ترينه كروائية وكذلك على الصعيد الشخصي وما الذي يعنيه لك؟ ^ انتظار الغائب، انتظار البطل المنقذ الذي سيحقّق العدل، فكرة متجذّرة في وعي أبناء الثقافات المختلفة. هذه الفكرة تحديداً شكّلت في الحقيقة أحد أسباب ثورة «تاج» الشخصية التاريخية التي جعلتُها شخصيةً روائية في عملي هذا. انتظار من سيحقّق العدل يدفع إليه البؤس المعاش، وكلّما ازداد البؤس اسوداداً تعمّقت فكرة الانتظار هذه، تاج إحدى النساء الثلاث في روايتي أرادت البحث عن العدل بدلاً من انتظاره، والبحث عن المخلّص أيضاً بدلاً من انتظاره. لكنّ الانتظار قدر لا يستطيع الإنسان أن يهرب منه. جمع الانتظار بين البطلات، عزة العجوز تنتظر موتها ولم تكف عن انتظار ابنها المخطوف، ورشا الصبية تنتظر أن تجد نفسها وتجد الحياة التي حلمت بها. الانتظار فعل عبثي، وهو انعكاس لوجود الإنسان، أنا موجود إذاً أنا أنتظر. اشتغلت على عدم تحديد المكان، ماذا ترمين من وراء ذلك؟ ^ المكان غائب خصوصاً في الجزء المتعلّق بـ«تاج» الشخصية التاريخية التي منحتُها اسماً غير اسمها. عدم تحديد الإطار المكاني العام لا يؤثّر في السياق الروائي، وبصراحة هو هروب من كشف واضح للشخصية الحقيقية. فأنا لم أكتب سيرة تاريخية بل قصدت الابتعاد عن تسمية المكان كي لا أكشف هويتها بوضوح. لكنني اهتممت بوصف تفاصيل الأمكنة المختلفة من دون أن تحمل أسماء نعرفها. لك إصدارات روائية ثلاث قبل هذه. ما الذي أضفته هنا برأيك على الصعيد الفني تحديداً؟ ^ هذه روايتي الرابعة، وأحسّ بأنّها الأولى بل أعتبرها روايتي الأولى. علاقتي بالكتابة تغيّرت تماماً. أرجو أن يكون ما أمرّ به تجربة عابرة خلال مرحلة عابرة. فقد اهتزّ إيماني بالكلمات. وكانت هذه الخيبة قد تسلّلت إلى رواية «كاريزما» وظهرت في تساؤلات الأبطال وشكوكهم. اهتزّ الإيمان بالدور الذي يمكن أن تؤديه الكلمات. على كل حال، فكرة التغيير هي أهم تيمات الرواية. فهل الكلمات في زمننا هذا قادرة على التغيير؟ أما سؤال القراءة، نضج القراءات ينعكس نضجاً في الكتابة والعكس صحيح. القراءة تغذّي الكتابة التي يفترض أن تتطوّر من عمل إلى آخر، وأن يتطوّر معها الكاتب أو الكاتبة فتصبح القراءات أنضج وأشد تأثيراً. لماذا «تاج»؟ شخصيتك الروائية الأكثر تأثيراً.. لماذا هذه الشخصية بالذات؟ ^ تجاوزت علوم «تاج» العلوم التي يمكن أن يحصدها عالم مجتهد، وأصرّت في أصعب الظروف على القراءة والكتابة. لم تخف من المواجهة مدافعةً عن اختياراتها. جرأتها أهم أسباب افتتاني بها، إلى جانب إصرارها على التعلّم والقراءة ثم على تعليم نساء يزرنها وتلتقي بهن. اخترتُ الكتابة عن امرأة لم تتراجع عن مواقفها ولم تخف من مواجهة المجتمع، وقد اعتبرت «تاج»، وهو الاسم الذي اخترته لقرّة العين بعدما جعلتها بطلة روائية في «كاريزما»، أولى النسويات في المنطقة في أكثر من دراسة تسنّى لي الإطلاع عليها (هي أول امرأة تجرأت على الكشف عن وجهها أمام مجموعة من الرجال). عزة أيضاً أردتُها امرأة قوية ومتعلّمة، تجربتها الأولى الفاشلة في الزواج زادتها قوة. لكن «الانتصار للمرأة» كما سميتِه ليس الأساس الذي تقوم عليه الرواية. تيمات الرواية أوسع، هناك وهم التغيير والحاجة إليه، وتيمات أخرى أترك للقارئ أن يكتشفها، وهناك أيضاً فكرة أنّ الأمور لم تتغيّر فعلياً منذ قرون. ما علاقتك بالقراءة التي هي كتابة ثانية ولمن تقرئين؟ ^ أعدتُ قراءة كامو أخيراً، والآن أقرأ كتاباً جديداً يسرد حياة فولتير. وقد شغلتني قراءة كتب السيرة في مرحلة ما أكثر من الروايات. أقرأ كتباً سياسية، فلا يخفت اهتمامي بالسياسة برغم خيبتي بعد دراسة العلوم السياسية في الجامعة قبل أن أختار أن أكمل دراساتي العليا في الأدب العربي. في الأشهر الأخيرة، على الأرجح بسبب الظلام الذي يحيط بنا، أحسست بحاجة إلى القراءة عن عصر التنوير. قرأت أخيراً رواية Life After Life للبريطانية كايت أتكنسون. أقرأ الآن «الشافيات» لعباس بيضون وأنوي قراءة رواية «حيّ الأميركان» لجبور الدويهي. أجرت الحوار: عناية جابر