ظاهرة لا بد من الوقوف عندها في الجردة التشكيلية لهذا العام، هي الحضور البارز للعروض التشكيلية السورية في بيروت، مترافق بالطبع وحجم النزوح السوري الكثيف في لبنان، وقد اندفع عدد من الفنانين السوريين أيضاً في اتجاه لبنان، فأقيمت معارض جماعية وفردية وأنشطة متفرقة، إلى درجة تضاربت فيها المواعيد وتوازت، وقد أقيم «معرض الفن السوري المعاصر»، بمشاركة أربع غاليريات وخمسين فناناً، في غاليري «أرتيوم»، الكرنتينا، ويضم عدداً من الأعمال التي تتنوع بين لوحات ومنحوتات وصور فوتوغرافية، وجناح خاص بالأكسسوارات النسائية وعملي فيديو. وهو لم يكن مقرراً أن يقام في لبنان، غير أن ظروف الحرب جعلت القيمين عليه ينقلونه إلى العاصمة الأقرب بيروت. ونظمت الناشطة التشكيلية السورية رازان شطي وجمعيتها «آفاق»، بالتعاون مع شركة «سوليدير» معرض «دمشق - بيروت بألوان الحب»، ضم مجموعة من الاعمال لفنانين سوريين معروفين، منهم فاتح المدرَس ونذير نبعه وأحمد معلا وعاصم الباشا وجميل قاشا وسبهان آدم واسعد فرزات. وأقامت معارض سورية لبنانية مشتركة، مثلما قدمت صرخات الفنان السوري ثائر معروف في معرض منفرد. كما نظم الناشط اللبناني محمد عقل معرض «عيون الشام» في الصالة الزجاجية، ضم مجموعة من الفنانين السوريين. ينضم إلى التظاهرات التشكيلية السورية ما فعلته رغد مارديني التي أسست هذا العام محترفاً يستقبل فنانين شهرياً تحت مسمى «دار الإقامة الفنية في عاليه»، يشكل فسحة حرة ومتنفساً للقاء المبدعين السوريين، لا سيما الشبان، الآتين من سوريا أو من بلاد النزوح السوري. وليس بعيداً عن الهم السوري ما قامت به نورا جنبلاط، عندما أقامت معرضاً في مركز بيروت للمعارض، بمشاركة فنانين سوريين وعرب، قُدِّمت أعماله لدعم أطفال سوريا، وقد حصد المزاد العلني الأولي الذي أقيم على هامشه مبلغ 600 ألف دولار، ثمناً لـ17 عملاً من أصل ما يقارب مئة وخمسين عملاً، لـ120 رساماً ونحاتاً ومصوراً فوتوغرافياً. ومن أبرز الفنانين السوريين الذين عرضوا أعمالهم في بيروت، الفنان مروان قصاب باشي، في معرض استعادي ضخم أقيم في مركز بيروت للمعارض، ثم معارض أخرى لمنير شعراني ونذير إسماعيل وسعد يكن وحسكو حسكو وأحمد قليج وآخرين كثر، حتى أن بعض غاليريات شارع الجميزة تخصصت بالفن السوري. ظاهرة المعارض السورية وكثافتها جعلت البعض يصفونها بـ«اجتياح» الفن السوري للبنان. ولا ننسى أن قضية اعتقال الفنان السوري يوسف عبدلكي أثارت الكثير من ردود الفعل في لبنان، وقد أقيمت تظاهرات تضامنية منها اعتصام بوجود عدد من لوحاته في «غاليري أجيال» (شارع الحمراء). سلوى روضة شقير لا يمكن وصف إقامة معرض استعادي ضخم للفنانة اللبنانية سلوى روضة شقير في متحف «تيت مودرن» البريطاني إلا بالحدث التاريخي على مستوى الفن اللبناني، إذ احتضن هذا المتحف الذي يعتبر رابع أهم متحف في العالم 120 عملاً، على مدى ستة شهور، لفنانة لم تسلط الأضواء عليها بالشكل الكافي في بلادها لولا ما قام به صالح بركات في إقامة معرضين مهمين لها في بيروت. وشقير لم تكن من الذين يعرفون كيف يروجون لفنهم. ومن المفترض أن يكون المعرض قد استقبل ما يقارب عدد سكان لبنان من البريطانيين والسياح الذين يزورون المعرض ويقصدون متحف «تيت». فنان لبناني آخر هو بول غيراغوسيان كرم في معرض استعادي ضم مفاصل تجربته، في تظاهرة ضخمة أقامتها أسرته بالتعاون مع «سوليدير»، إذ ضم المعرض 200 عمل أضاءت ما أمكن من تجربة فنان فاق نتاجه خمسة آلاف عمل أضاء بها عصره. وهنا نتذكر تكريم الفنان وجيه نحلة لمناسبة بلوغه الثمانين من العمر. ولا بد من الانتباه إلى معرض بيروت للفن BEIRUT ART FAIR، في دورته الرابعة، الذي أقامته الناشطة التشكيلية الفرنسية لور دو هوتفيل في صالات «بيال» في بيروت، وهو معرض دولي ضخم، شاركت فيه 40 غاليري من أكثر من 15 دولة، ولم يقتصر على العرض الفني والتجاري للأعمال الفنية، إنما شهد أيضاً عدداً لا بأس به من اللقاءات والطاولات المستديرة التي تحلق حولها نقاد وافدون من دول شتى. على أن هذا المعرض يراد له أن يكون منافساً، لـ«آرت دبي» السنوي، وهو من المعارض الفنية الدولية المهمة على المستوى الإقليمي. وتركزت أعماله هذا العام على إبداعات من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا. وشكل المعرض الدولي الذي أقامه الناشط المصري طارق أبو الفتوح، في إطار مهرجان «أشغال داخلية 6»، فرصة لمشاهدة تنويع من الأعمال التشكيلية المعاصرة البعيدة عن العرض التشكيلي التقليدي، لـ18 فناناً من لبنان ومصر والسعودية والصين وكوريا وأسبانيا وسنغافورا. «جولة في تراثنا، نظرة جديدة معاصرة إلى الفن اللبناني» عنوان معرض شارك فيه 20 فناناً وفنانة من الجيل الجديد، تحت سن الأربعين، أنجزوا أعمالاً فنية، بالتقنية التي اختاروها، مستلهمين تجارب فنانين من التراث التشكيلي اللبناني، بأساليب فنية معاصرة. تجربة تحدٍّ حفزت جيلاً فنياً على التطلع إلى الأمام بالاعتماد على الماضي الفني، أو تذكر للتراث بمزاج شبابي خاص. لوحة نفسية ولا بدّ من تذكر أول معرض تشكيلي من نوعه في بيروت، أقيم في «زيتونة باي»، بمشاركة فنانين لبنانيين حاولوا، في أعمال فنية منوّعة، تصوير حالات نفسية استقوها من داخل الواقع اللبناني، يستجيب للإعلان الذي انتشر على الشاشات وفي الطرقات، وينص على أن واحداً من كل أربعة لبنانيين معرّض للمرض النفسي، وقد قدم المعرض أفكاراً وألواناً لعلاج الصدمات النفسية، خصوصاً تلك التي تسببت بها الحرب في لبنان. ومع سيرة الحرب والأزمات النفسية، يحضر معرض سمير خداج الملحمي الذي صور لنا على شاشات متحركة فظائع الخراب وخيالات الأرواح المدمَّرة. ثم معارض لجان مارك نحاس وعماد عيسى وصلاح صولي وآني كوردجيان. وبعيداً عن الحرب معارض لحسين ماضي وفاطمة الحاج وجميل ملاعب وشوقي شمعون وعادل قديح ومازن كرباج ويوسف غزاوي، ولا بد من تذكر معرض محترف جورج الزعني الأخير «يمام بيروت» وسلسلة المعارض التوليفية الأخرى. ثم معرض «جبل» الذي عاد هذا العام بعد انقطاع ستة أعوام مع 25 فناناً شاباً شاركوا في الدورة التاسعة. متحفان أو مشروعا متحف ظهرا هذا العام، واحد هو «مقام» للفن التشكيلي اللبناني في عاليه، أسسه سيزار نمور، وبدأ بـ300 منحوتة، وهو موضوع على سكة التطوير خطوة خطوة ومتحف آخر في حمانا أسسه جوزيف أبو رزق. أما أبرز الغاليريات التي انطلقت هذا العام (تأسست في كانون الأول الماضي) فهي غاليري «أرجوان» لصاحبتها الفنانة التشكيلية العراقية ليلى كعوش. أما الكتب التشكيلية فنذكر منها: «منحوتات بيار كرم»، «لبنان... جمال يفوق الخيال» كتاب فوتوغرافي لجمال وأيمن السعيدي، «الهوية الراهنة للتشكيل العربي المعاصر» لمهى عزيزة سلطان و«الكتاب الثاني - سيرة بالألوان» لنزار ضاهر. وتحت غمامة سوداء ودعنا هذا العام في لبنان مجموعة من التشكيليين: الخزّاف سمير موللر، الكلاسيكي المتشدد أسعد رنو، صاحب العصب الفني النادر عبد الحميد بعلبكي ومطرب الألوان فؤاد جوهر. ومن العرب نتذكر المبدع العراقي الرصين رافع الناصري. وقد فقدت الأوساط الفنية العالمية الفنان الفرنسي من أصل صينى، زاو يوـ كي، الذي كان حاضراً في أكثر من تجمع ومدرسة في الوسط التشكيلي الفرنسي.