ظاهرة استثمرتها شركات متعددة الجنسية
يُظهر الرسم شاباً يرتدي قميصاً أصفر اللون، يُمسك بزجاجة تبدو نبيذاً. يُحدّق بها بابتسامة ارتياح كأي مستهلك يُبدي إعجابه بسلعةٍ قبل اقتنائها. لكنه لا يبدو مكترثاً بمقارنة نوعية المنتج بسعره، يجول في خاطره أمر آخر.. أحوال منتجي تلك الزجاجة التي تتوسطها علامة "التجارة العادلة" (Fair Trade). فيتخيّل مزارعاً وعائلته وخلفهما منزل قرويّ وحديقة. يُذيّل الرسم بضع كلمات لتفسير سبب تحديق الشاب بتلك الزجاجة. "إنه شراء عادل لإيجاد ظروف تجارية أكثر عدلاً للمزارعين والتعاونيات"، يقول الشعار الذي ظهر أسفل الرسم في كتيّب لـ"جمعية فير ترايد- لبنان". وخلف الرسم الكرتوني، قد يسأل المستهلك (الحقيقي) عن معنى علامة "التجارة العادلة" الملصقة على السلعة.. عن معاييرها ومدى "عدالتها" وتأثيرها الفعلي على المنتجين الصغار. الذنب الطبقي لا يحدّد الرسم خلفية الشاب الطبقية، لكنه في الغالب من المتمكنين مادياً. فلا تستهدف سلع "التجارة العادلة" جميع الناس، تماماً كالمنتجات العضوية، بل الطبقات الميسورة في المدن، خصوصاً المهتمين بدعم فقراء الريف واستهلاك منتجاتهم الغذائية التقليدية. هذا ما يؤكدّه الأستاذ الجامعي في الاقتصاد الزراعي كنج حمادة، قائلاً إنّ "هناك طلباً على المنتجات التقليدية التي تراعي المعايير الصحية والبيئية وحقوق المنتجين من جانب طبقات متوسطة وعليا في المدن، خصوصاً في أوروبا". فأسعار منتجات "التجارة العادلة" أعلى من غيرها، ومبرّرة بقيمتها الاجتماعية. يدفع المستهلك مبلغاً إضافياً لزيادة أرباح المنتج ومساعدته على تطوير مجتمعه المحلي. فيتحرّر في عملية الشراء تلك من ذنب التفاوت الطبقي، ويساهم بشكل أو بآخر في إعادة توزيع دخله. ظهر مفهوم "التجارة العادلة" من التفاوت الاجتماعي نفسه، أكان بين الدول المتقدمة والنامية أم المجتمعات الريفية والحضرية داخل الدول. فانبثق من نظام التحرير العالمي للتجارة وما أعقبه من فجوات واحتكار حفنة من كبار الشركات الغذائية للأسواق في العالم. وإن برز المفهوم بشكل خاص في الدول الأوروبية مع الحركات المناهضة للعولمة ولأنماطها الغذائية الاستهلاكية، انتشر تدريجاً داخل بلدان "الشمال" و"الجنوب"، على حدّ سواء. وما يميّز سلع "التجارة العادلة" عن غيرها هو علامة تجارية تؤكد أن التعاونية/ الشركة قد حصلت على شهادة. وخلافاً لشهادة المنتجات العضوية التي تخضع لقوانين ناظمة، تراعي شهادة التجارة العادلة معايير خاصة، صادرة عن منظمات دولية عدة. وبالإضافة إلى المعايير البيئية والصحية، يجمع بينها مبادئ اجتماعية، كتنمية المجتمع المحلي للمنتجين (مثل بناء مدرسة في القرية)، الحدّ من تعسف الوسيط بين المزارع والتاجر (أي الحدّ الأدنى من الربح "العادل" للمنتج)، العمل مع مجموعات صغيرة من المنتجين، احترام حقوق المنتجين/ العمال (ساعات العمل، عدم التمييز، السلامة والصحة المهنيتين)، إبرام عقود طويلة الأمد بين المنتجين والوكلاء لضمان استمرار عملية الإنتاج. هذا في المعايير، ماذا عن تطبيقها في الواقع؟ وسيط أكثر رحمة برز مفهوم "التجارة العادلة" في لبنان منذ نحو سبع سنوات مع "جمعية فير ترايد - لبنان" (Fair Trade Lebanon) التي تعمل مع تعاونيات ريفية (تضم نحو 550 منتِجاً) في الجنوب والبقاع وعكار لمساعدتهم على الحصول على شهادة "التجارة العادلة" العالمية، وتسويق منتجاتهم في دول أوروبية عدة. وأطلقت مؤخراً "مجموعة الأبحاث والتدريب للعمل التنموي" (CRTDA) مشروعاً لدعم المهارات التقليدية للنساء الريفيات (نحو 600 منتِجة) في الجوار المتوسطي بتمويل من الاتحاد الأوروبي، أيضاً عبر "التجارة العادلة". وفي حين يعتبر مدير المشاريع في "جمعية فير ترايد" بينوا بيرجيه أن مهمتهم تكمن في تغيير حياة سكان الريف الأفقر في لبنان، يبدو مدير المشاريع في "مجموعة الأبحاث" أكثر تشكيكاً بفعالية تلك الأداة في حياة المنتِجات الريفيات. "كان التمويل متاحاً من قبل الاتحاد الأوروبي على مشروع يتضمن بند التجارة العادلة، قدمنا اقتراحاً استكمالاً لعملنا مع التعاونيات النسائية الريفية منذ نحو عشر سنوات". يرى طرابلسي أن "التجارة العادلة" تفتح فرصاً جديدة لتسويق منتجات تلك النساء الريفيات بعدما أظهرت قنوات التسويق العادية محدوديتها، مؤكداً أنها لا تهدّد قوانين السوق المجحفة، ولكنها قد تشكّل خرقاً بسيطاً لها. ومن تجربة "جمعية فير ترايد" في دير الأحمر مع "تعاونية كوتو ايليوبولس" (Coteaux d’Heliopolis) على سبيل المثال، يتبيّن أن التجارة العادلة تؤمن أرباحاً أعلى للمزارع. تضم "تعاونية ايليوبولس" 250 مزارعا يملكون أرضاً بنحو 2500 دونماً ينتجون سنوياً 800 طن من العنب. تبيع التعاونية العنب المخصص لصناعة النبيذ، وتنتج نبيذها الخاص وتصدره إلى اليابان وبريطانيا عن طريق "شركة التجارة العادلة والسياحة في لبنان" (Fair Trade and Tourism Lebanon) المملوكة من مؤسسي الجمعية. وبينما تسعى الجمعية إلى مساعدة التعاونيات الريفية على الحصول على شهادة "التجارة العادلة" من "منظمة FairTrade International" الدولية والترويج للمفهوم، تقوم الشركة بتحديد الأسواق في أوروبا والعثور على العملاء. تكسب التعاونية من بيع النبيذ نحو 25 في المئة من الأرباح، بينما تحصل الشركة على نحو 20 في المئة مقابل خدمة التصدير، وفق عضو مجلس إدارة الجمعية فيليب عضيمة. ولكن لا تلغي "التجارة العادلة" الوسيط بشكل كامل، بل تستبدله بآخر أكثر رحمة. علماً أن رئيس التعاونية سامي رحمة وأحد أعضائها وليد حبشي، لم يكونا على علم بنسب الأرباح التي تحصل عليها الشركة، ما يخالف معيار الشفافية التي تفرضه "التجارة العادلة" على مراحل السلسلة التجارية كلها. ولكن بالنظر بدقة إلى حالة "تعاونية ايليوبوليس" يتضح أن حصول المزارعين على ربح أعلى، وهو واحد دولار كحدّ أدنى على كيلو العنب، وفق ما تحدّده شهادة "التجارة العادلة" العالمية، لم يكن نتيجة تعاونها مع "جمعية فير ترايد" منذ نحو سنتين. يشدّد رحمة على أن تنظيم مزارعي دير الأحمر في التعاونية منذ العام 2000 قد وحّد معايير الجودة ورفع القدرة التفاوضية عند المزارعين، ما جعلهم يبيعون العنب لأربع خمارات بسعر لا يقلّ عن واحد دولار/ كيلو أيضاً. وتبيع التعاونية 85 في المئة من محصول المزارعين السنويّ إلى الخمارات الأربع تلك. وبالتالي، ما أثّر على ظروف مزارعي دير الأحمر هو قوة تعاونيتهم لا "التجارة العادلة" بحدّ ذاتها. تبييض الصورة انبثقت "التجارة العادلة" من حركات اجتماعية مناهضة للعولمة، ولكن سرعان ما تمّ ابتلاعها من العولمة الرأسمالية نفسها. "وإن وجدت تلك التجارة ضمن المتاجر المتخصصة التي تؤمن دوائر بديلة لصغار المنتجين، ركبّت الشركات الكبرى سريعاً موجة التجارة العادلة بعد انتشارها في أوروبا"، يعتبر حمادة. فاستثمرت شركات متعددة الجنسية، مثل "ستاربكس" و"نستله" و"كادبوري"، المعروفة باحتكاراتها واستغلالها للمنتجين والعمال، في "التجارة العادلة" لتبييض صورتها عند المستهلكين. وعلى سبيل المثال، أشارت "جمعية المستهلكين العضويين" ((Organic Consumers Association أن العديد من المستهلكين يفترضون أن قهوة "ستاربكس" خاضعة لمعايير "التجارة العادلة"، في الوقت الذي لا تتجاوز نسبة إنتاجها للقهوة، وفق تلك المعايير الستة في المئة فقط. تعتمد بعض الأسواق المتخصصة، بشكل أو بآخر، منطق "التبييض" نفسه. فلا تحظى مثلاً منتجات "جمعية فير ترايد" الزراعية التقليدية بشهادة "التجارة العادلة"، خلافاً لمنتجاتها من النبيذ وزيت الزيتون. يشرح بيرجيه السبب بـ"محدودية الربح في تلك المنتجات الذي لا يزال نطاق تسويقها ضيّقاً، وكونها تسوّق نفسها بنفسها". فالمونة المنزلية تصنعها نساء ريفيات، فقيرات بطبيعة الحال، وذلك بغض النظر عن ظروف عملهن. ما يعني أن الهدف من تصنيف السلع بـ"التجارة العادلة" هو التسويق أكثر منه إيجاد ظروف عادلة لصغار المنتجين. في التعاونية الريفية في الفرزل، أحد أعضاء "جمعية فير ترايد"، تكسب كلود مهنا العضو في التعاونية نحو 170 ألف ليرة شهرياً. "نربح 4000 ليرة على الساعة، عملنا موسمي ومرتبط بطلب الزبائن. اعتبرها هواية أكثر من عمل حقيقي". ترويّ كلود أنها لا تتمتع بضمان اجتماعي ولا بتأمين حتى في مكان العمل. فتعاونية الفرزل، كغالبية التعاونيات النسائية، لا تدرّ أرباحاً تُمكّنها من تأمين ظروف لائقة لأعضائها. حصلت التعاونية على تمويل وتدريب من منظمات دولية عدة، وساهمت "جمعية فير ترايد" في تصدير منتجاتها إلى فرنسا وإيطاليا. وبالرغم من ذلك، يبقى نطاق عملها متواضعاً. "لا نحظى بعقود ثابتة طويلة الأمد لتصريف الإنتاج، وتكلفنا المواد الأولية، من خضار وفاكهة، كثيراً لأن السمسار (تاجر الخضار) يأكل كل شيء"، تشرح رئيس التعاونية لوريت جرجس. يوضح المثل صعوبة الالتزام بمعايير "التجارة العادلة"، خصوصاً تلك المتعلقة باحترام حقوق المنتجين والعمال. ليس لدى الشركات المتعددة الجنسية مصلحة في ذلك، ما دامت القوانين لا تُلزمها، فتكتفي باحترامها في نسبة زهيدة من منتجاتها. أما التعاونيات الريفية النسائية، التي بات يُروّج لها على أنها الحل السحري لمكافحة الفقر وتمكين النساء، فلا قدرة لها على ذلك. وبين النموذجين، نجد تعاونيات على نطاق أوسع، تُراعي سلعها معايير "التجارة العادلة"، لكن باحترامها حقوق المزارعين تغض النظر عن العمال الزراعيين. في "تعاونية ايليوبوليس"، يكسب المزارع وليد حبشي (الذي يملك مئة دونم) أربعين ألف دولار سنوياً، لكن العامل السوري الذي يزرع ويحصد أرضه يكسب نحو عشرة دولارات يومياً، وأقل بدولارين للعاملة. جزء من منظومة لا شكّ في أن "التجارة العادلة" تحسّن ظروفَ صغار المنتجين والمزارعين، لكن الترويج لها على أنها الأداة لمكافحة الفقر وإصلاح الاقتصاد العالمي من الداخل يحمُل كثيراً من المبالغات. تعترف "التجارة العادلة" بقواعد اللعبة المسيطرة، ولا تسعى إلى تهديدها، بل التخفيف من مساوئها.. لضمان استمراريتها. فتندرج ضمن أدوات "التنفيس" التي ابتكرها الاقتصاد النيوليبرالي لتسويق "العدالة" كسلوك فرديّ أخلاقيّ، لا يمّت إلى سياسات الاستخدام والأجور والحماية الاجتماعية بصلّة. قد يشتري المستهلك المصوّر في الرسم (أو الواقعي) سلعةً بعلامة "التجارة العادلة"، فيتحرّر من ذنبه بزيادة أرباح المنتج الفقير، لكن ذلك لن يُلغي أنه وحده، ومجموعة ضئيلة من المستهلكين، قادر على شراء منتجات غذائية خالية من الأسمدة والمواد الحافظة. ولن يُعيد سلوكه الأخلاقي النظر بموازين القوى الاقتصادية القائمة.