ليس من الصعب الحكم على ما يمكن ان يتأتى عن لقاء المرشح الاميركي آل غور مع المعارضة العراقية على صعيد تغيير الحكم في العراق، لان هذا التغيير هو من بين أهداف الادارة الاميركية الخارجية التي خصصت مبلغ 97 مليون دولار لتحقيق هذه الاهداف التي تمس المنطقة بمجملها وليس العراق لوحده، وعلى الرغم من محاولات سابقة للادارة الاميركية والمعارضة العراقية في هذا الاتجاه، الا ان شيئا من هذه السيناريوهات الاميركية لم يتحقق. كيف يمكن قراءة هذه الاهداف والسيناريوهات في ضوء تراجع سياسة الاحتواء الاميركية للعراق، وفي واقع تفتت المعارضة العراقية الى عشرات التنظيمات المتناحرة؟ قليلون هم الذين يختلفون على أن المعارضة العراقية لم تبرهن، خلال أكثر من تسع سنوات، على جدارة تدفع الولايات المتحدة او غيرها الى الاعتماد عليها من أجل احداث تغيير بحجم الاطاحة بنظام تمرّس في الحفاظ على أمنه. ويعلم الاميركيون الذين يديرون المسألة العراقية، حال هذه المعارضة التي ينفخون فيها من حين لآخر وهم يدركون جيدا، ومن واقع التجربة، ان هذه المعارضة أضعف من ان يوضع على كاهلها، الذي ينوء بالانقسامات، عبء هائل بحجم ما ينطوي عليه شعار »تحرير العراق«. لا شك في ان التكوين العقائدي والسياسي للمعارضة يعكس الى حد كبير شكل النسيج الاجتماعي للمجتمع العراقي الذي يتكون من ثلاث جماعات كبرى. وكما ان المجتمع منقسم، فان المعارضة هي الاخرى منقسمة الى تيارات متباينة في مرجعيتها الفكرية والعقائدية التي يمكن اختصارها في ثلاث مجموعات رئيسية وهي: } الاحزاب الدينية: أهمها المجلس الاعلى للثورة الاسلامية، برئاسة باقر الحكيم، حزب الدعوة الاسلامية الذي أسسه الشيخ محمد باقر الصدر، ومنظمة العمل الاسلامي، وحركة المجاهدين، والحركة الاسلامية، وحركة جند الامام. } الأحزاب الكردية: اهمها الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البرزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني وبينهما تنافس تقليدي على زعامة الأكراد، والجبهة الكردستانية، والحزب الاشتراكي الكردستاني. } الاحزاب القومية والعلمانية: أهمها حزب البعث منشق عن حزب البعث الحاكم والتجمّع الوحدوي الناصري، والحركة الاشتراكية العربية، والحزب الشيوعي. هذه التعددية الحزبية المقرونة بتعددية أيديولوجية أضرّت بالمعارضة ورؤيتها لمستقبل العراق، وهي باستثناء تمرّد عام 1991 لم تحقق هذه المعارضة أهدافها، وبمرور السنين أصبحت عاجزة عن تحريك المجتمع العراقي ودفعه نحو الانتفاضة. ان ممارسة تنظيمات المعارضة نشاطها من خارج العراق، وبالتحديد من لندن وواشنطن، ألقى بظلال من الشك في مصداقيتها وجعل الرأي العام العراقي موحّدا في تقويمه لدورها الذي يهدد وحدة العراق ومعتبرا بقاء صدام حسين في الحكم أفضل ضمانة للحفاظ على وحدة العراق ومواجهة مخططات تقسيمه الى دويلات متناحرة. على خلفية هذا الواقع يمكن القول ان المعارضة العراقية تعاني من أزمة ثقة عميقة يمكن اختصارها بالتالي: 1 التشتت والتبعثر الذي تعاني منه تنظيماتها التي لا تقل عن السبعين تنظيما. 2 تنامي ظاهرة العشائرية والطائفية والعرقية داخل هذه التنظيمات. 3 تورّط عدد من أطرافها في مشروع استمرار الحصار الاميركي ومشروع »تحرير العراق« الذي كان قد أصدره الكونغرس الاميركي عام 1998. ان الاسئلة المحرجة والصعبة التي طرحها المعلقون المحايدون حول قدرات المعارضة، وبخاصة تلك المنضوية تحت مظلة المؤتمر الوطني العراقي، في فرض الضغوط العسكرية على بغداد، ازدادت صورتها تعقيدا، بسبب معارضة قائد القوات الاميركية المرابطة في الخليج الجنرال انطوني زيني، تسليح المعارضة العراقية بسبب قدراتها المحدودة، ولأنها يمكن ان تزج الولايات المتحدة في حرب جديدة. وما يعزز هذه الصورة، رأي كثير من المحللين الاستراتيجيين الاميركيين، الذين يؤكدون ان السياسة الاميركية الحالية تجاه العراق غير ناضجة تجاه أي من أهدافها المعلنة، وان واشنطن تستخدم المعارضة العراقية الآن لخدمة المصالح الاميركية على الصعيدين الداخلي والخارجي. أي ان واشنطن تفضّل الوضع العراقي الراهن، من دون ان ينفي ذلك ان تدعم تحرّكا هنا، وانتفاضة هناك، ما يثير مزيدا من المخاوف الاقليمية والدولية. وثمة من يقول ان الولايات المتحدة »تشتري الوقت فقط«.. وانه لا يوجد في القاموس الاميركي حتى الآن تعريف لمصطلح »إسقاط صدام حسين« بعد نجاحاته الداخلية والعربية والدولية، خاصة بعدما ظهر للمراقبين ان استراتيجية »الاحتواء« للعراق، لم تعد ناجحة مما وضع أمام واشنطن خيارا من اثنين: اما ان تقبل بتآكل العقوبات الى حين انتهائها تدريجيا. واما تقوية استراتيجية الاحتواء بإضافة عناصر إليها، كدعم وتشجيع المعارضة العراقية بطريقة أفضل. ويمكن تحديد نجاحات صدام حسين على صعيدين اثنين: الاول: اكدت تطورات سوق النفط العالمية، إن هذه السوق أصبحت رهينة بيد الرئيس العراقي الذي يستطيع ان يحدث بلبلة واسعة فيه ان قرّر فجأة تخفيض انتاج العراق. وبحسب صحيفة »فيدميستي« الروسية، فان الزيادة التي قدرتها منظمة أوبك مؤخرا بمقدار 700 ألف برميل يوميا لن تؤثر وحدها على أسعار النفط العالمية، لان الامر لا يتعلق بزيادة انتاج النفط فقط، فالعراق الذي يشارك في اجتماع أوبك منذ آذار الماضي زاد انتاجه بمقدار 26$ وأصبح انتاجه يصل الى 9،2 مليون برميل في اليوم. ويضع هذا الرقم العراق في المرتبة الثالثة من الدول المصدرة للنفط في الوقت الحاضر، مما يعطي الفرصة لصدام لوضع سوق النفط في »دربكة مفزعة« في حالة اتخاذه قرارا مفاجئا بتخفيض انتاج العراق من النفط. الثاني: قرار صدام حسين بتجميد قيادات تشكيل المناطق العسكرية الأربع في العراق في حزيران الماضي، أعطى انطباعا للمراقبين الغربيين والاقليميين بأن الاوضاع داخل العراق اصبحت طبيعية ولا يوجد ما يتطلب العمل وفق الحالات والصيغ والتدابير الاستثنائية، وذلك كجزء من حملة نفسية للداخل والخارج. وكانت عملية تقسيم العراق الى أربع مناطق عسكرية وتعيين قادتها، جاءت قبل يوم واحد من عملية »ثعلب الصحراء« في كانون الاول 1998، وبعدما تحسّبت القيادة العراقية لاحتمال ان تحصل حرب مدن فيما اذا فكّر الاميركان باجتياز الحدود طبقا لقانون »تحرير العراق«، الا ان مقتل مليون و300 ألف طفل عراقي كاف وحده ليسقط كل مبرر قانوني او انساني عن هذه الحرب التي ما زالت مستمرة بأشكال وسيناريوهات متعدّدة.