As Safir Logo
المصدر:

حركة الديوان بدأت بثلاثة وانتهت بواحد واعتبرت نفسها أعظم نهضة أدبية عند العرب أحمد شوقي جثة.. ليس شاعراً ويطلبه الخليّون من الشعر

المؤلف: حسين قصي التاريخ: 2000-07-21 رقم العدد:8657

لم يكن الديوان في بداية ظهور الديوانيين مدرسة، وإنما كانت حركة نقدية وشعرية جديدة تجمع بين شعراء مثلث التجديد في مصر في السنوات العشر الأولى من القرن العشرين. وقد اعتبرت هذه الحركة النقدية امتدادا لدعوة مطران في التجديد الشعري. وفي عام 1909، نشر عبد الرحمن شكري ديوانه المسمى »ضوء الفجر«، وهو يجري في هذا الذوق الجديد، إذ تعالج قصائده معاني إنسانية عامة تنبع من قلب صادق الإحساس بمشاعره وبما توحي به الطبيعة من حوله. فهو شعر ذاتي كامل الذاتية، ليس شعرا لمجتمع ولا شعرا غيريا، كأكثر ما أنتجه شعراء البعث، وإنما هو حديث نفس، تترجم عن دخائلها ووساوسها وآلامها وأحلامها، كما تترجم عن الكون وطلاسمه وألغازه، وما يحمل بين جوانحه من حقائق وأسرار. وبدت هذه النزعة الذاتية عند شكري، تقترن بتشاؤم حاد، فالحياة تستغرقها الآلام، والبشرية تتقاذفها الفجائع لا عداد لها ولا حصر. ويمضي شكري في تصوير ذلك في حزن عميق، بحيث لو أمكن ان نعطي لشعره لوناً، لقلنا انه شعر قاتم، مجلل بالسواد والكآبة والحزن. وكان من الطبيعي أن يستغرق منزع الرومانسية شعر عبد الرحمن شكري، الذي اندمج فيه، وتبعه في ذلك كل من المازني والعقاد. وقد اعتبر ديوان »ضوء الفجر« ثورة على الشعر العربي القديم والحديث، سواء من حيث الموضوع والمنزع، أو من حيث اللغة والقوافي، إذ بدا الشاعر فيه، يحاول أن يحطم كل السدود التي تقف أمامه في الصياغة والقوافي، كما يريد أن يثبت اتجاها جديدا في تصوير الخوالج النفسية. وقد نشر شكري بعد هذا الديوان الأول، ستة دواوين أخرى، لم ينحرف فيها عن هذه الغاية وأصدائها النفسية والعقلية. أما الأستاذ عباس العقاد وهو الذي اشتهر عنه انه إمام الديوانيين ورائدهم، فقد انعكس »المذهب الجديد«، في شعره ونقده، عام 1907، وخصوصا مع ظهور يومياته، وهي عبارة عن مجموعة مقالات نشرها في ذلك الحين. وفي عام 1911 نشأت العلاقة الحميمة بينه وبين عبد القادر المازني الديواني الثالث، ليتعرف في ما بعد هذا الأخير، عام 1913، إلى عبد الرحمن شكري، وبعد هذا التعارف والتواصل الثقافي بينهم جميعا، كتب العقاد مقدمة ديوان كل شاعر من الشاعرين. قدم العقاد لديوان شكري الثاني »لآلئ الأفكار« سنة 1913، كما قدم في السنة نفسها أيضا لديوان المازني الجزء الأول. أما الجزء الثاني فقد تأخر في إخراجه حتى سنة 1917. ولا يزال شكري يخرج جزءا تلو جزء من ديوانه، حتى يخرج الجزء السابع وذلك عام 1919. وفي المقدمة التي كتبها لديوان المازني الجزء الأول، نرى العقاد كيف يصور طريقتهم الجديدة، فيذكر انها تقوم على وصف آلام الإنسانية، والتعبير عن أناتها وأحزانها، حتى ليصبح الشعر كله زفرات وعبرات. ثم يقف وقفة طويلة عند فكرة التغيير في القوافي، ونراه يطيل القول، فيمن ينزعون منزع القدماء، ولم يرتض الجديد الذي كان يردده كل من شوقي وحافظ، في تصويرهما لحياتنا العامة، وفي وصفهما للمستحدثات والمخترعات. وإذ يتحدث في هذه المقدمة، عما أسماه »المدرسة الجديدة« أو »المذهب الجديد« وشعر الطبع نراه يقول: »ونحن اليوم غيرنا قبل عشرين سنة، لقد تبوأ منابر الأدب فتية لا عهد لهم بالجيل الماضي«. وهذه الشهادة تؤكد لنا ان ثمة تيارا مهما يواجه ما ألفه الناس من الشعر وفهمه. أما المازني فقد كتب في مقال نشره بصحيفة الجريدة سنة 1912: »إن الناظر في شعر هذا العصر يجد كلاما منسجما وأسلوبا رائعا ولفظا شائقا ووشيا حسنا وديباجة مليحة، وجودة في الحبك وصحة في السبك ودقة في المسلك ولطفا في التخيل. وهذا كله شيء حسن جميل ما لحسنه نهاية. فإذا أراد شخصية الشاعر، أخطأها ولم يجدها. أو روح العصر لم يكد يحسها. وذلك لأن شعراءنا، وإن كانوا لا يزالون يأتون في شعرهم بالبيت النادر والمثل السائر والقلادة المروية والفريدة العبقرية، غير أنهم لا يجلون المعاني الحديثة في كلامهم، ولا يزفون أبكار الأغراض فيما يحوكون من الأشعار. بل لا تزال لهم التفاتة الى الشعر القديم يسرقون منه، ويغيرون عليه، أو ينحون نحوه ويقتاسون به«. وهكذا نجد المازني يسخر من محافظة شعراء البعث على الصيغة الرصينة التي يستمدونها من القدماء، ويقول انها تحيل أشعارهم نسخا متشابهة، لأنهم لا يعمدون الى تصوير خوالجهم النفسية الحقيقية، ولا الى تمثيل روح عصرهم المتشائمة المحزونة، وإنما كل ما يعمدون إليه، أن يأتوا ببيت طريف، فإذا حققته، وجدته مسروقا من معاني القدماء وكأن بينهم وبين المعاني الحديثة حجاباً. إن ظهور ديوان »ضوء الفجر« (1909) لشكري شكل انموذجا أوليا لشعر الديوانيين، كما أن مقدمة العقاد النقدية التي اتصلت بديوانه الثاني »لآلئ الأفكار« (1913)، شكلت هي أيضا انموذجا أوليا لنقد الديوانيين، وتزامنت مع مقدمة العقاد الأخرى التي صدَّر بها ديوان المازني في جزئه الأول 1913. ومن الملاحظ ان ظهور مدرسة الديوان اسميا قد تم في ذلك التاريخ المتقدم على ولادة مدرسة الديوان رسميا. إذ منذ ذلك الحين، أخذت مجالات الدعوة لمدرسة الديوان تتنوع تنوعا عظيما. فكثرت الدراسات الأدبية النقدية، خصوصا لدى العقاد والمازني. ولقد كانت هذه الدراسات متنوعة المناهج، ولم تقف عند حدود المعاصرة، وإنما تخطت ذلك الى التراث، كما في »ابن الرومي« و»أبي نواس« و»ساعات بين الكتب« والفصول للعقاد. وكما في »بشار« و»شعر حافظ« و»حصاد الهشيم« و»قبض الريح« للمازني. وكذلك فقد كثرت النماذج الشعرية التي تحمل في أطوائها بذور التغيير وأصول هذه القيم الجديدة، وهذه كانت دواوين هؤلاء الثلاثة: شكري والعقاد والمازني، بما تحمله من ملامح التجديد، براهين لدعوتهم التجديدية. ناهيك عن أن معظم هذه الدواوين، كانت تصدّر بمقدمات يكتبها أحدهم، وفيها الدعوة الى التجديد كما تتوضح فيها وجهات نظرهم إزاء قضايا الشعر، والحملة على رواد المدرسة الكلاسيكية، وإبداء الرأي في مدى ما يقبلون من التغيير، وليس أدل على ذلك من المقدمات التي كتبها العقاد لديوان المازني. ولادة مدرسة ويبدو ان مدرسة الديوان التي ظهرت بصورة اسمية بادئ ذي بدء، منذ ظهور ديوان »ضوء الفجر« (1909) لشكري ثم ظهور ديوانه »لآلئ الأفكار« (1913)، مصدّرا بمقدمة العقاد، وظهور ديوان المازني 1913 مصدرا بمقدمة العقاد أيضا، قد وضع اسم هذه المدرسة قيد التداول على ألسنة أهل الأدب والنقد في ذلك العصر. كما أن تتالي الكتابات النقدية والشعرية لهؤلاء الشعراء الثلاثة الذين ظهروا متضامنين في ما بينهم، كان قد قوّى شيوع اسم مدرسة الديوان بين أهل العصر في كل مصر وذلك حتى تاريخ 1919 وهو تاريخ صدور الجزء السابع لشكري. غير اننا لا نتقدم الى سنة 1921، حتى ينشر العقاد والمازني معاً، دون شكري، كتابا سمياه »الديوان«، وفيه يعقد العقاد فصولا طويلة في نقد أحمد شوقي، كما يعقد المازني لواء الهجوم العنيف على حافظ إبراهيم وعلى عبد الرحمن شكري، الذي كان قد اتهم المازني في مقدمة ديوانه الخامس، بأنه سرق عددا من قصائد الشعر الانكليزي، ونسبها الى نفسه، وقد كشف عن هذه القصائد وأبان مصادرها. ويعلل العقاد سبب تأليف الديوان من منطلق سياسي/ أدبي، فيقول: »ألّفت أنا والمازني: »الديوان في الأدب والنقد«، لأنه كان مضروبا الحجز على أسمائنا في الصحف... وهي لا تنشر في ذلك العهد إلا لمطران وشوقي وحافظ. أما مطران فله في مصر بنو عمومته يعملون بالصحافة... وأما حافظ فكان رجلاً فكهاً.. يحبه جميع حملة الأقلام الذين كانوا يعطفون عليه... ويأتي دور شوقي الذي فرضته وظيفته بالقصر على الصحف. ولطالما تحدث باسم القصر.. وشوقي كان يحارب باسم ولي نعمته »الخديوي« كل ثورة فكرية تبين عنها الصحف، ويقوم بها مصريون ذوو أنفة وكبرياء«. وكان قد عزم العقاد والمازني على ان يصدرا كتاب »الديوان في الأدب والنقد« في عشرة أجزاء، ولكن لم يصدر منه إلا جزءان فقط. وكانت خطتهما تقضي بأن يبدآ بتحطيم الأصنام كما يقولون مثل شوقي والمنفلوطي وحافظ وغيرهم، حتى إذا تمت عملية الهدم أخذا في نشر آرائهما النقدية البناءة. ولكن لما لم يظهر من الديوان إلا جزءان فقط، فقد ظلت آراؤهما النقدية البنائية مجهولة.. ولو قدر لتلك الآراء أن تظهر حسب الخطة الموضوعة لها، لربما ربح الأدب والمتأدبون ربحا عظيما. واللافت ان كتاب »الديوان في الأدب والنقد«، الذي يضم في فصوله موضوعات عديدة في الأدب والنقد سبق ان نشرها كل من العقاد والمازني سابقا قبل أكثر من عشر سنوات، ارتبط ظهوره بالخصومة الأدبية التي برزت بين المازني وشكري، وهذا ما سمح لمدرسة الديوان بأن تأكل أول أبنائها (عبد الرحمن شكري)، على قاعدة ان الزمن الأدبي يطوي، كما (كرونوس) في الأسطورة اليونانية، أجزاءه طياً. وبدا عبد الرحمن شكري، مؤسس مدرسة الديوان، عرضة للهجوم النقدي عليه في أول كتاب مستقل يصدر عن هذه المدرسة، وذلك من قبل المازني نفسه الذي كان شكري قد تعرض له بسهام النقد واتهمه بالسرقات الأدبية، كما سبق وأشرنا الى ذلك. ومن هنا نستطيع ان نقول، ان الديوانيين، شكري والعقاد والمازني، كانوا قد بلوروا آراءهم النقدية بادئ ذي بدء في مقدمات دواوينهم الشعرية وفي متون قصائدهم على السواء، بالاضافة الى الفصول النقدية التي كانوا قد نشروها آنذاك في صدور الصحف والمجلات التي كانت تفرد صفحات أدبية واسعة لها. أما ظهور كتاب الديوان بجزأيه الأول والثاني، فهو يؤرخ الى انفراط عقد الديوانيين، لأنه ضم بين دفتيه الى جانب المطولات النقدية القديمة، مقالات جديدة تطعن بأحد أعمدة مدرسة الديوان (شكري)، كما تطعن بحافظ وشوقي سواء بسواء. فمدرسة الديوان، بأفكارها الجديدة وقصائدها الجديدة لدى أعمدتها الثلاثة: شكري والعقاد والمازني، كانت قد شاعت بين الأوساط الأدبية، قبل عشر سنوات من ظهور كتاب الديوان بجزأيه الأول والثاني والذي يعبّر بين دفتيه عن الآراء النقدية لدى العقاد والمازني دون شكري. ومرد الالتباس الذي رافق ذيوع مدرسة الديوان، هو بسبب الخصومة التي استخدمت بين شكري والمازني، فكان ان تضامن بعض أهل الأدب مع الأول كما تضامن البعض الآخر مع الثاني. فنسب أشياع شكري مدرسة الديوان الى ديوانه »ضوء الفجر« وقرنوها بمقدمة العقاد له ولديوان المازني، في حين نسب أشياع المازني مدرسة الديوان الى كتاب »الديوان في الأدب والنقد« نفسه والذي ضم بين دفتيه آراء كل من المازني والعقاد النقدية، بما فيها الحملة النقدية التي حملها المازني على شكري نفسه. والحق يقال إن مدرسة الديوان ظهرت كمبادئ ومعالم تجديدية، مع ظهور دواوين الديوانيين الثلاثة، وكتاباتهم النقدية التي أشرنا إليها، ثم لم تلبث ان رست كمفاهيم نقدية جديدة بين دفتي كتاب الديوان بجزأيه للعقاد والمازني، دون أن يضيرها في شيء تلك الحملة الشخصية التي حملها المازني على شكري، لأنها كانت محددة الأهداف، ومحدودة النتائج، فلم تتجاوز مثلا ذلك، لأن المازني كان قد بناها على قاعدة العين بالعين والبادئ هو الأظلم، دون ان يمس الأسس التي بنيت عليها مدرسة الديوان، بمفاهيمها وأركانها الجوهرية في الأدب والنقد، وهذا ما جعلها تقوى وتشيع بعد ظهور كتاب الديوان، كما جعلها تثبت لدى أهل الأدب رسميا، بعدما كانت قد ظهرت في أوساطهم اسميا، خصوصا ان العقاد كان قد وقف موقفا شاجبا من كل من شكري والمازني ولم يجار أحدهما على الآخر، الى ان جمعها ورأب الصدع، وعاهدهما ان يكفا، فرضيا بحكمه. وقد كتب العقاد يومئذ مقالة في »الأفكار«، وصف ما جرى بينهما، بأنه مصارعة أصدقاء لا مقاتلة أعداء. كما أشار الى ذلك في قصيدته الدالية الجميلة التي رثى بها عبد الرحمن شكري. كما ان شكري نفسه كان قد كتب اثر الصلح الذي تم بينه وبين المازني قصيدة دالية تحت عنوان: »بعد الإخاء والعداء«، ثم نراه ينحو نحو الانزواء، وينصرف كليا من ساحة الأدب والنقد، ويترك الميدان للعقاد والمازني. كما أن المازني لم يتأخر هو أيضا بعد صدور كتاب »الديوان« عن الانصراف من هذه الساحة ليجعل العقاد وحده، يتابع بمفرده معركة مدرسة الديوان بين الخصوم والمؤيدين. مفاهيم وما من شك في أن اتجاهات الديوان والديوانيين الأدبية والنقدية، مثلما كانت قد ابتدأت مع الرواد شكري والعقاد والمازني طردا (فرديا وثنائيا وثلاثيا) فقد انتهت معهم عكسا. ذلك ان العقاد قد بقي وحده في الميدان، بعد ان انصرف شكري أولا، ثم المازني ثانيا، ليواصل جهاده المخلص في منهج النقد والشعر والبحث والدراسة، على ضوء الأهداف التي تحددت في كتاب »الديوان«. وبرأينا ان اتجاهات الديوان الأدبية والنقدية، قد تبلورت كمفاهيم مدرسية من خلال جهود الديوانيين أنفسهم منفردين أو متضامنين، إذ مع صدور ديوان »ضوء الفجر« لعبد الرحمن شكري، ظهرت أول محاولة لهذه المدرسة. فقد جرى فيه صاحبه في هذا الذوق الجديد، كما عالجت قصائده معاني إنسانية عامة، تنبع من قلب صادق الإحساس بمشاعره، وبما توحي به الطبيعة من حوله. فهو شعر ذاتي كامل الذاتية، ليس شعرا لمجتمع ولا شعرا غيريا كأكثر ما أنتجه شعراء البعث، وإنما هو حديث نفس، تترجم عن دخائلها ووساوسها وآلامها وأحلامها، كما تترجم عن الكون وطلاسمه وألغازه وما يحمل بين جوانحه من حقائق وأسرار، مفعمة بالأحزان ومجللة بالكآبة والسواد. وقد نشر شكري بعد ديوانه الأول ستة دواوين لم ينحرف فيها عن هذه الغاية وأصدائها الرومانسية الغربية. وفي الطريق نفسه، سار كل من المازني والعقاد، وكانا ناقدين شاعرين، إذ بدآ يكتبان في هذا المذهب الجديد، ويقارنان بينه وبين مذهب البارودي وتلاميذه، ويحملان على المحافظين حملات شعواء، ويمجدان المذهب الجديد الذي نهجه شكري وتبعاه فيه، تمجيدا حارا، ونحن لا ننسى ما كتبه العقاد في مقدمة الجزء الثاني من ديوان شكري الذي نشره سنة 1913 حيث يقول: »اليوم يتلقى قراء العربية هذا الجزء الثاني من ديوان شكري، فيتلقون صفحات جمعت من الشعر أفانين، ويرون في هذه الصفحات نظرة المتدبر وسجدة العابد ولمحة العاشق وزفرة المتوجع وصيحة الغاضب ودمعة الحزين وابتسامة الساخر وبشاشة الرضا وعبوسة السخط وفتور اليأس وحرارة الرجاء.. ان شعر شكري لا ينحدر انحدار السيل في شدة وصخب وانصباب، ولكنه ينبسط انبساط البحر في عمق وسعة وسكون«. وعندما أصدر المازني الجزء الأول من ديوانه، قدم له النقاد، فصور طريقة الديوانيين الجديدة، وكيف انها تقوم على وصف آلام الإنسانية والتعبير عن أناتها وأحزانها، حتى ليصبح الشعر زفرات وعبرات. ووقف وقفة طويلة عند فكرة التغيير في القوافي، وأطال القول فيمن ينزعون منزع القدماء، ولم يرتض الجديد الذي كان يردده شوقي وحافظ، من تصويرهما للحياة العامة، ومن وصفهما للمستحدثات والمخترعات. وقال ان أمثال هذين الشاعرين لا يمتازون في شيء عن القدماء. وقد رماهما العقاد كما رمى أضرابهما، بأنهم جميعا غير صادقين في ما يعبرون عنه، إذ يعبرون عن معانٍ لا يؤمنون بها، فيمدحون من يحتقرونه بينهم وبين أنفسهم، ويهجون من يحترمونه. أما المازني نفسه، فنراه يسخر من محافظة شعراء الأحياء على الصيغة الرصينة التي يستمدونها من القدماء، ويقول انها تحيل أشعارهم نسخا متشابهة، لأنهم لا يعمدون إلى تصوير خوالجهم النفسية الحقيقية، ولا الى تمثيل روح عصرهم المتشائمة المحزونة، وإنما كل ما يعمدون إليه أن يأتوا ببيت طريف، فإذا حققته وجدته مسروقا من معاني القدماء، وكأن بينهم حجابا وبين المعاني الحديثة، وهو إنما يقصد معاني تجربتهم الإنسانية الواسعة. واللافت في معركة الديوانيين، ان روادها لم يسمعونا رأيهم في شعر شوقي طيلة عقد من ظهورهم متحدين أو مختلفين. غير اننا إذا تقدمنا الى سنة 1921، نجد أن العقاد والمازني يعملان معاً لنشر كتاب »الديوان« حيث نجد فيه فصولا طويلة، يعقدها العقاد في نقد أمير الشعراء أحمد شوقي حيث يقول: »اعلم أيها الشاعر العظيم، ان الشاعر من يشعر بجوهر الأشياء، لا من يعددها ويحصي أشكالها وألوانها. وان ليست مزية الشاعر ان يقول لك عن الشيء ماذا يشبه، وإنما مزيته أن يقول ما هو، ويكشف لك عن لبابه وصلة الحياة به. وليس همّ الناس من القصيد أن يتسابقوا في أشواط البصر والسمع، وإنما همهم ان يتعاطفوا، ويودع أحسنهم وأطبعهم في نفس إخوانه زبدة ما رآه وسمعه، وخلاصة ما استطابه أو كرهه. وإذا كان وكْدُك من التشبيه ان تذكر شيئا أحمر، ثم تذكر شيئين أو أشياء مثله في الاحمرار، فما زدت على أن ذكرت أربعة أو خمسة أشياء بدل شيء واحد«. ويتابع العقاد نقده لشوقي، موضحا موقفه من مسألة التشبيه في الشعر فيقول: »ولكن التشبيه ان تطبع في وجدان سامعك وفكره صورة واضحة مما انطبع في ذات نفسك. وما ابتدع التشبيه لرسم الأشكال والألوان، فإن الناس جميعا يرون الأشكال والألوان محسوسة بذاتها كما تراها، وإنما ابتدع لنقل الشعور بهذه الأشكال والألوان من نفس الى نفس. وبقوة الشعور وتيقظه وعمقه واتساع مداه، ونفاذه الى صميم الأشياء، يمتاز الشاعر على سواه«. وبرأينا ان العقاد إنما يصور في ذلك رأيه، ورأي مدرسته الجديدة في الشعر. فالشاعر ينبغي أن يتغلغل في أعماق الأشياء، حتى يذيع بواطنها وأسرارها. وهو لن يصل الى ذلك، إلا إذا كانت له نفس قوية الإحساس بالكون ومشاهده، تنفذ الى أغواره وتتسع الى كل نبضاته وأصدائه في الإنسان وغيره. وقد تعقب العقاد شوقي بنقد تطبيقي لمجموعة من قصائده انتخب معظمها من باب الرثاء. وأهم مرثية اتخذها غرضا لسهام نقده، كانت مرثية شوقي لمصطفى كامل. فقد لاحظ انها تمتاز مثلا بأوصاف أربعة معيبة هي: التفكك، والإحالة، والتقليد، والولع بالأعراض دون الجوهر. ومما وقف العقاد عنده طويلا، ان القصيدة ينبغي ان تعمها وحدة عضوية، فتكون جسدا واحدا، ولا ينتقل الشاعر من فكرة الى فكرة في غير نظام. وأيضا لا بد ان يلتحم كل بيت بما قبله وبما بعده. ونراه في مقالات كثيرة لا ينقصد قصائد لشوقي بعينها، بل يتحدث عن شعره من وجهة عامة. كذلك فإنه كان يهاجم ما ينظمه في الأحداث والمخترعات مهاجمة عنيفة. إننا إذن، ازاء نظرية جديدة تبلورت بعد ظهور كتاب الديوان، في مدرسة لها مفاهيمها وآراؤها النقدية. وهي بالتالي تصور مذهبا جديدا في عمل الشعر ونظمه، وتوضح مدى الخلاف بينها وبين مدرسة البعث السابقة. مدرسة العقاد أم مدرسة شكري وبرأي بعضهم ان تسمية مدرسة الديوان كانت على اسم الكتاب الذي نشره اثنان منهم بدون شكري، غير انه عرفت »بالمذهب الجديد«. وشاع الاسم »مدرسة الديوان« بعد فترة من تأسيس »جماعة أبولو« التي نسبت هي نفسها لاسم المجلة التي نشروا فيها، وعكست آراءهم النقدية وأساليبهم الشعرية. وفي هذا المجال نذكر ان بعض الباحثين دعا المدرسة ب»المدرسة العقادية« أو »مدرسة العقاد« كموريه مثلا، ذلك لأنه استنتج ان العقاد كان قد حافظ على علاقاته الحسنة مع كل من زميليه، وهذا له اعتبار في معنى المدرسة، ثم إنه واصل دراسة النظريات وكتابة الأبحاث النقدية دون كلل أو ملل، تماما كما واصل نظم الشعر. بينما توقف شكري عن الكتابة سنة 1919 ثم المازني أيضا سنة 1937. علما بأن هناك من يرى ان »مدرسة الديوان« لم تضم شكري أصلا بين مؤسسيها، وهي تضم فقط المؤلفيْن اللذين ألفا كتاب الديوان. وقد قال فريق آخر بوجود مدرستين منفصلتين لا واحدة. ومع ذلك فقد ظل شكري عضوا بارزا في »المدرسة« رغم انه هوجم في »كتاب الديوان«. ذلك لأنه كان صديقا للعقاد والمازني في دربهما الأدبي منذ البدء، يؤيد ذلك ما ذكر في مقالات العقاد والمازني، على انه واحد من ثلاثة »الديوانيين«: »وكنا جميعا (المازني وشكري وأنا) عرضة للإساءات السخيفة نتلقاها ممن هبّ ودبّ من أنصار القديم. ومنهم من كان يتميز غيظا من دعوتنا، ويتحرق شوقا الى الفرصة التي تهيئ له سببا من الأسباب للغض من هؤلاء (الطالعين فيها). كما كانوا يصفوننا في لغو الحديث«. ولشدة حضور شكري بين الديوانيين الثلاثة، ذهب عمر الدسوقي الى تسمية مدرسة الديوان »مدرسة شكري«، وذلك لتأكيد أهمية شكري وريادته. أما أحمد زكي أبو شادي، زعيم »جماعة أبولو« في حينه، فقد كان يقول: »كتب المازني والعقاد شعرهما بناءً على تعاليم شكري«.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة