لم أكن أعرف شيئا عن حنا بطاطو في عراق التعتيم (والتعتير) بكل أشكاله. ولم أسمع بكتابه الهائل عن العراق الا بعد خروجي من بغداد في العام 1991. وبعد اطلاعي على الكتب والمطبوعات التي لم تكن متوفرة لنا في العراق، كان اسم بطاطو وعنوان كتابه يطالعني في كل كتاب عن العراق صدر بعد ان نشر بطاطو كتابه. أدركت عندها أهمية الرجل وعمله. وأسعدني أنه كان استاذا في مركز الدراسات العربية المعاصرة في جامعة جورجتاون حيث كنت أنوي مواصلة دراساتي. وعندما قبلت في برنامج الماجستير كنت على أحر من الجمر لحضور حلقاته الدراسية ومحاضراته للاستفادة منه ومن علمه. كان بطاطو قد عاد لتوه من سوريا، بعدما أمضى عاما كاملا يجمع المعلومات ويجري المقابلات لكتابه المنتظر. وكنا قد سمعنا ان تلك السنة (93 94) قد تكون سنته الاخيرة كأستاذ قبل التقاعد الذي كان مصمما عليه. كنت قد اشتريت كتابه من مكتبة الجامعة وأبهرتني ضخامته (أكثر من ألف صفحة) وهزتني عبارة الإهداء التي وضعها بطاطو: »إلى الشعب العراقي«. وما زال الكتاب يحتل مكانه في مكتبتي وما زلت أعود اليه لأتعلم منه. أذكر بوضوح لحظات الترقب قبيل أول محاضرة له في خريف العام 1993. كنت، لأسباب عديدة، أتوقع عملاقا، لكني فوجئت برجل قصير القامة، أبيض الشعر، يحمل حقيبة بسيطة وابتسامة طفولية تحت عينين متعبتين، لكنهما ما زالتا تشتعلان عبقرية. كانت محاضراته الأغنى والأكثر إثارة لنا، دسمة بالمعلومات ومخيفة بشموليتها، تعكس موسوعية الرجل وقراءاته المتشعبة. واظبت على حضور كل دروسه، حتى تلك التي لم أكن مسجلا فيها بصورة رسمية. وكان هو يحرص كل سنة على تكريس محاضرة كاملة في فصل »المجتمع والسياسة في العالم العربي« للحديث عن تاريخ فلسطين والصراع مع اسرائيل. وما زالت تلك المحاضرة من أفصح وأعمق مع سمعته عن الموضوع معززة بالأدلة والاشارات والوثائق التاريخية، بعيدا عن اي منبرية او خطابية. كما كان يكرس محاضرة كاملة لموضوع حرب الخليج، مفندا فيها الخطاب السائد في الولايات المتحدة الاميركية حول الحرب، وموضحا ابعاد المذبحة التي اقترفت في الحرب وما تلاها من ابقاء للحظر. وأذكر ان احد الطلاب، قد كان ضابطا في الجيش الاميركي ومن الذين حاربوا ضد العراق، فقد أعصابه وصرخ في وجه بطاطو: »هذا هراء«، (This is crap). ورد بطاطو بهدوء رائع: هذا رأيك ولك ان تفسره وتدعمه إن شئت. والواقع ان استياء بطاطو والاحباط الذي شعر به بعد حرب الخليج كان سببا رئيسيا وراء تقاعده، كما قال لأحد طلابه. كما كان يشعر بالغضب لأن بعض الطلاب كانوا في اجهزة ومؤسسات تعمل على تدمير أهله وشعبه. كان الرجل مثال التواضع والبساطة. أعطيته ذات مرة مراجعة لكتابه عن العراق كتبها عزيز الحاج مشيرا فيها الى بعض الهفوات. شكرني عليها اكثر من مرة وطلب مني ان ألفت انتباهه الى مراجعات مماثلة، قائلا: »أريد أن أتعلم من أخطائي«. وعندما أقام له مركز الدراسات العربية المعاصرة حفلا بمناسبة تقاعده، شكر الجميع بخجل قائلا: »لقد تعلمت من طلابي أكثر بكثير مما تعلموه مني«. كان لا يمانع في الخروج مع الطلاب بعد الصف وكان يفضل صحبتهم على صحبة الاساتذة. وقد سألته، في المرة الاولى التي خرجنا فيها سويا بعد احدى المحاضرات عن طقوس الكتابة، فقال بأنه يجد صعوبة بالغة فيها: »ولدنا لنقرأ لا لنكتب!«. قال هذا وهو الذي كتب أكثر من ألف صفحة عن العراق. لكنه... أمضى عقدين من الزمن قبل ان ينجز الكتاب. سألته ايضا عن كل الجداول والقوائم بأسماء السياسيين والمسؤولين التي يجدها المرء في كتابه مرفقة بأدق التفاصيل، فقال انه إن لم يضعها في كتابه فقد لا يعرف عنها الشعب شيئا أبدا. وقص علي كيف انه عندما كان يدرس الوثائق والملفات في مديرية الأمن في العراق، لاحظ ان مئات الملفات والوثائق كانت على سطح البناية تهترئ تحت المطر والشمس، وعندما قال لأحد المسؤولين: »هذا تاريخ الشعب على السطح، تحت المطر«، هز كتفيه لامباليا! كنا نزوره بعد تقاعده بين حين وآخر في بيته الواقع على حدود ولاية وست فرجينيا، على بعد اكثر من ساعة من واشنطن حيث كان يعيش وحيدا بعد وفاة والدته. كانت الزيارة طقسا محببا لنا. وكنا نحن »الشباب« نزور الكهل ليلهمنا بمواظبته وانكبابه على البحث والكتابة في صومعته. اخذنا ذات مرة الى مطعم (Roy Rogers) في مدينة مجاورة لبيته حيث اعتاد على ان يتناول سندويشه كل يوم. كان سعيدا بوجودنا وقدمنا لمجموعة من الرجال المتقاعدين الذين اتخذوا المطعم مجلسا لهم قائلا: هؤلاء هم طلابي... نحن عرب. فقال احدهم: نعم، هل حدثكم عن كتابه، فيه فصل عني. ترى هل كانوا يدركون أهمية هذا الرجل البسيط المظهر؟ في المرة الاخيرة التي زرته فيها مع بعض الاصدقاء، كان قد شارف على انهاء كتابه عن سوريا. قرأ لنا فصلا منه، وعندما انتهى، قال بشيء من الاحباط: هل يهتم الناس بهذا؟ فقلت له ان الكثيرين يترقبون الكتاب منذ سنين. كان الرجل يعيش مع كتابه على مدار الساعة، حتى انه كان غالبا ما يحصل على مخالفة من شرطة المرور لأنه كان يستغرق في التفكير في مشروعه ويتجاوز السرعة القانونية وهو يقود سيارته الى الجامعة. وكان يكتب كل شيء بخط اليد ولم يكن يتقن استخدام الكمبيوتر، حتى اننا عرضنا عليه ان نساعده في طبع الكتاب. كان بطاطو يستعد للعمل على كتاب عن تاريخ فلسطين. ولكن، برحيله، سيطول ترقبنا لعمل بمستوى بطاطو وبأسلوبه ومقاييسه التي عودنا عليها. ولا أبالغ إن قلت ان هذا الترقب لن ينتهي. فالرجل كان من الطبقة الأولى ومن طراز لا يتكرر. محظوظون أولئك الذين تسنى لهم ان يكونوا طلابه وان يتعلموا منه عن كثب. تبقى امنية واحدة، وهي ان يشكر عراق المستقبل حنا بطاطو على عقدين من عمره أمضاهما في العمل على أفضل ما كتب عن العراق في القرن الماضي. ويمكن لهذا الشكر ان يأخذ واحدة من صيغ عدة، كأن تسمى احدى المكتبات او الكليات او الساحات باسمه. شكرا بطاطو.