As Safir Logo
المصدر:

اقتربت أكثر من اللامنطوق في السر الشعري

محمد علي شمس الدين: الحفر يتم في جسد اللغة العربية

ثقافة مقابلة مع الشعر علي شمس الدين ( مصطفى جمال الدين
ثقافة مقابلة مع الشعر علي شمس الدين ( مصطفى جمال الدين
المؤلف: حبش اسكندر التاريخ: 2013-12-06 رقم العدد:12645

عن دار الآداب في بيروت، مجموعة شعرية جديدة للشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين، بعنوان «النازلون على الريح». منذ العنوان، يدخلنا الشاعر إلى قلب هذا الهباء الذي يريد كتابته: ليس هباء الحياة، بل ربما هباء الكتابة التي تأخذ إلى الامّحاء أكثر مما تأخذ إلى الحضور المستديم. وكأنه هنا يعيد طرح الكثير من الأسئلة حول الشعر والكتابة، بلغة تقترب أكثر من الداخل: داخل اللغة والأشياء التي تحيط بنا. كتابة قد يكون هدفها الإمساك بجوهر الكتابة الشعرية: جوهر تبدل كثيرا في تجربة الشاعر، بمعنى أنه في كل مرة يأتي من مكان يحاول أن يمسك بجوانبه العديدة، وفي كل مرة تأخذنا القصائد إلى عوالم واختلافات، ربما لأن الشعر في النهاية ليس سوى هذه الاختلافات العميقة بين القول و«الحياة». حول هذه المجموعة الجديدة، كما حول بعض القضايا الشعرية، كان هذا اللقاء: «النازلون على الريح»، عنوان مجموعتك الجديدة الصادرة حديثا عن دار الآداب، تأتي لتكمل مشروعا شعريا بدأت فيه مع «قصائد مهربة إلى حبيبتي آسيا»، لكنه يفترق عنه أيضا، بمعنى أن القصيدة تصبح اليوم أكثر «جوانية» ولا تبحث إلا عن جوهر ما للشعر، حتى من خلال الوصف والتوصيف. أي الاختلاف اليوم في الكتابة، وكيف تفهم مقولة «جوهر الشعر»؟ جوهر الشعر، جوهر فيه من اللمعان والفتنة ما فيه من الغموض. لعلّه جوهر موجود في مناجم كثيرة ومتباينة. تجد هذا الجوهر في شعر امرئ القيس في الجاهلية، وفي شعر المعري وعند غارسيا لوركا والماغوط وعند شعراء آخرين كثر في أعماق تربة اللغات والحضارات. هو جذاب من نواح كثيرة وإكسيره في ما أرى يتعدى اللغة في اتجاه معنى غامض أبعد من الأدوات وأصعب منه الكلام عليه. يكفي أن نضع أمام أعيننا نماذج متباينة من الشعر في أزمنة متباينة ولغات مختلفة لكي نقول إن هذا الجوهر موجود ها هنا. شخصيا كان يخيل إليّ في ديوان «قصائد مهربة إلى حبيبتي آسيا» أن الشعر هو وحش لغوي وصوري والمعنى ينقلب بين هذين الوحشين محمولا على محفة الإيقاع. وكتبت على هذا الأساس إلى أن تبين لي أن في هذه المسألة بعض الخداع وأنني كمنظرين كثر، لغويين وألسنيين، من بينهم على سبيل المثال بول فاليري في الشعر وتودوروف في النظرية، اعتبروا القصيدة هو هذا التردد الدائم بين الصوت والمعنى. المسألة مضللة، أرى الشعر في ظلال الصمت أحيانا، في ما لم نقله، في ما يثير ما نقوله من أسئلة وغصص ومرارات أو يفتح من سماوات مغلقة. الشعر هنا كامن خلف الكلمات، فوقها، تحتها، بعدها، هو «ميتا لغة» في الجوهر. كيف؟ هناك عدة أمثلة، أعتقد أنني في المنقلب الآخر من كتابتي الشعرية التي جاء «النازلون على الريح» ليكون آخرها. اقتربت أكثر فأكثر من اللامنطوق في السرّ الشعري. شيء يشبه الفتوح النفسية أو الإشراقية. القصيدة هي المعطى التقني للشعر في اللغة أي لا قصيدة بلا لغة. في حين أن الشعر نبع شاسع يمد مياهه على مساحات كثيرة وأقرب ما يكون للشعر مفهوم الإيقاع. لكن لا نستطيع أن نفصل بحدة بين القصيدة كثمرة لغوية للشعر والشعر لأن الثمرة هنا يكمن فيها سرّ الشجرة. لكن لدي، ولأعترف، ريبة من كل هذا الكلام وقد عبرت عن ذلك بقولي: «كلّما أوضحت ما كانت تقول الشجرة/ خذلتني سوسة نائمة في الثمرة/» فقد يكون الشعر في مكان آخر وتكون القصيدة في مكان آخر. نحن نتكلم في سرّ خطير شبيه بالكلام في الله. أربط الشعر بالميتافيزيق، لا شعر خارج الميتافيزيق مهما تناول الماديات واليوميات والعالم المرئي والمحسوس. كأنك تبعد في كلامك هنا، كل ما ارتكب باسم الحداثة منذ أكثر من خمسين سنة. هل كانت الحداثة الأدبية عندنا، «خطأ» ما؟ لم تكن خطأ ولا خطيئة، كانت وجهة نظر قرأتها بإمعان وكنت أتعامل معها بقلق حقيقي. أعتقد أني قرأت معظم النظريات الحداثية، وما بعد الحداثية بالفرنسية وترجماتها بالعربية، وقرأت الأشعار في أصولها الفرنسية خاصة لأني أجيدها، كما رافقت التيارات الشعرية العربية وما بعدها وهذا الاحتكاك اليومي بالحداثة كنظريات وكنصوص أثار في نفسي صراعات كثيرة لأنني في الوقت نفسه كنت في قلب التراث العربي والإسلامي، فتمّ تصادم وتمازج بين قوى متباينة وأعتقد أنني منذ ديواني الأول الذي صدر العام 1975 كانت لديّ مناعة مزدوجة، مناعة القبول ومناعة الرفض، وأعتقد أن العالم هو شيء «نازل على الريح»، مشرع، فالأساس في هذه المسألة الخطيرة هو أن تقبل وأن ترفض كمبدأ تبعا لتكوينك الفكري والجسدي والتاريخي ثم أهم من ذلك كله كيف تحول ما تقبل وما ترفض إلى نص شعري إبداعي، ذلك يأخذ منك وقتا واختبارات صعبة لأنه قد يمضي جزء كبير من العمر ويكون الإنسان خاضعا فيه لوهم ثم ينجلي الوهم في لحظة من اللحظات. أخذت من الحداثة الغربية فكرة واحدة هي التمرد ولكنني انتبهت باكرا إلى أنني شاعر يكتب باللغة العربية وأن هذه اللغة هي نحن الآن وأمس وغدا وأن التمرد يجب أن يتم من داخلها وفيها وعليها وبها، لأن التمرد عليها من خلال العامية أو المحكية يذهب أدراج الرياح وباعتبار العامية ليست لغة الثقافة والتمرد عليها بلغات أخرى كالفرنسية والانكليزية الخ.. يصب في مصلحة هذه اللغات. الشعراء الفرنكفونيين خدموا اللغة الفرنسية، إذاً الحفر يجب أن يتم في جسد اللغة العربية وجسد الشعرية العربية. هذا ما حصل ونتيجة هذا الحوار جاءت قصائد كثيرة كتبتها على امتداد 15 ديواناً. أنا أخذت من الحداثة الغربية التمرد، استفدت من التقنيات، لكن ذلك كله صب في كينونة اللغة العربية التي هي لغة قصيدتي. ولكن في البدايات، كما أرى، اتكأت على رياح أخرى غير التمرد إذا جاز القول: «رامبو» في «غيم لأحلام الملك المخلوع» وهنا ثمة تحية لسيرج باي، وغير ذلك.. كيف تفسر هذا الاتكاء، فيما لو استعملت هذه الكلمة؟.. جزء من القبول في هذه العملية المزدوجة بأن التمرد لا يعني الرفض المطلق ولا القبول المطلق. أنا حين كتبت قصيدة رامبو، كتبت في الوقت نفسه قصيدة المعري وفان غوغ وغوغان واخترعت قصيدة لدالي بعنوان «المرأة التي فرت من لوحة سلفادور دالي». إذاً هذا الجزء من الحساسية الإبداعية المتنوعة التي تمتد على امتداد الثقافة هو مدموج في جوهر العربية التي أكتب بها. هذا هو الأساس أي المعطى الثقافي المتنوع ينصهر في بوتقة اللغة العربية وما زلنا نتكلم في الأدوات في حين أن الشعرية بالنسبة إليّ هي أمر خاص جدا ظهر في إشارات الكتابة وينطوي على ذهول أمام الوجود والموت والعشق والألم والمرأة وسؤال في الله، أي أقرب ما يكون للانخطاف العرفاني أو الصوفي. مراجعة أنسي هل بهذا المعنى تفهم ما كتبه أنسي الحاج انطلاقا من كتابك الأخير؟ يبدو أنسي وكأنه يعيد النظر بكل شيء. كيف تجد وتفهم ما قاله؟ تماما. ما كتبه أنسي الحاج في صفحته في «الأخبار» بتاريخ 2 تشرين الثاني 2013، مؤلف من 3 فقرات متكاملة، الأولى تتعلق بديوان «النازلون على الريح» وقد بدأ باختيارات شعرية من الديوان وسجل تجاهها ملاحظات عميقة ومحبة وشديدة البلاغة لأنه أشار إلى علامات الجوهر الشعري في «النازلون على الريح» إلى «التدفق الغنائي». و«التجربة الإنسانية المثخنة بالجروح» و«أنوار الفجر» و«السرد» و«صفاء الوزن». ويذكر أنه تفاجأ بقصيدة «طلل» التي لم يكن يستطيع أن يجد ما يشبهها إلا في ديوان الشعر الجاهلي وينتهي إلى أن الشعر لا يضيع بتنويع الأداء ثم يعتبر بجملة معبرة أن النازلين على هذا الشعر «ضيوف محسودون». في الفقرة الثانية من مقالته اعتذار متكرر بشأن استناده مع أدونيس إلى كتاب سوزان برنار عن قصيدة النثر من حوالي خمسين عاما في مقدمة «لن». ويقول إن ذلك كان لنا «إغراق» في جملة أخطاء، ثم في المقطع الثالث من مقالته يعيد النظر بما يسميه ركاما في الشعر كان يخلبه في زمن من الأزمنة حيث يشمل ضجره من رامبو وبودلير مرورا بالعشق الجنسي اللزج لأبي نواس والمتنبي الذي لا يشبع من لحس دمه ويضيف «نحن معشر ديوك الحداثة أجهز أولادنا على الباقي بعدما فتحنا صندوق بندورا واندلعت منه أفاعي الكاوتشوك وعقارب القش. أعرنا أنفسنا لنكون جنود الهدم وبيادق القدر». ليست هذه كتابة بل عمل انقلابي على ما أراه شبيها بأي ثورة وصاحبها الشجاع أو فتاها الشجاع المبدع القادر على أن يكون ثائرا على نفسه وعلى الآخرين بعد أكثر من نصف قرن تجاه قناعات ومعارك وكتابات شاهدة على ما نقول. إن هذه الآراء التي قدم لها الشاعر أنسي الحاج باختيارات من قصائد ديوان «النازلون على الريح» كفيلة بأن تلقي في المجتمع الراكد الشعري العربي خضة قوية وتفتح باباً ما زال مغلقا للسجال حول صيرورة القصيدة العربية ومعناها وصلتها بلغتها وصلتها بالحداثة ومعنى الحداثة ذاتها وصلة كل ذلك بالعربية كلغة وكحضارة وهل الشعراء هم قادة الأمم؟ أعتقد أن الشعر العربي هو الذي كوّن الأمة العربية على امتداد التاريخ، بمعنى أن الشعر الجاهلي هو أصل القومية العربية في الجاهلية وقد تبنى القرآن لغة هذا الشعر وانطلقت الأمة العربية محمولة على جناح لغة القرآن التي هي لغة الشعر الجاهلي في إحدى لهجاته، لهجة قريش، والشعراء على امتداد الأزمنة هم الذين حافظوا على الهوية العربية ورمموا تصدعاتها وصدعوها حين كانت فاسدة الخ. الآن أنسي الحاج يرغب في أن يعيد لهذا الشعر هذه القوة الإحيائية أو على الأقل يطرح السؤال. الحلاج دائما ما يخطر في بالي هذا السؤال ولم أطرحه عليك يوما: ما علاقتك بالحلاج، الحاضر أبدا ودوما في كتاباتك؟ باختصار في نفسي حلاج ما، أي كائن عجيب للعشق والعشق الإلهي والتمرد وكائن مهيّئ لصليب ما وكما حصل للحسين بن منصور الحلاج، لم يكن منعزلا عن مآسي الناس والفقراء في بغداد العصر العباسي الأخير وكان يلتم حوله الناس وينخرط في آلامهم ولكنه كان صاحب رؤية وشطح وكان عارفا ومقاتلا شرسا، والشعر الذي كتبه هو أضعف ما فيه لأن الحال التي كانت فيه هي الأساس. أنا أرى الحال الحلاجية متمددة في التاريخ من الذين صلبوا حتى اليوم وأجده موجودا في الجنوب اللبناني يقاتل ويُقتل ويُصلب وينبعث من صليبه أجمل مما كان. أنا لم أستعر لغة الحلاج بل أعدت كتابة حاله في شعره. لا أعرف لماذا شعرت، وهذا رأي شخصي بالطبع، في إحالاتك على شعراء وأحداث في بعض قصائد المجموعة الجديدة، وكأنك تميل إلى القول إن كل شيء يذهب أدراج الريح. هل من هنا جاء العنوان؟ صحيح، «النازلون على الريح» هو الهباء، الهباء والهباء.. بهذا المعنى لا بدّ أن نطرح السؤال عينه على الكتابة برمتها؟ تماما، هي كتابة الهلاك لكن لا بدّ منها. الحياة برمّتها هي الهلاك أيضا؟ تماما. يقول رومانس: «التاريخ ذلك الفراغ الممتلئ»، أنا صاحب حسّ تاريخي في الشعر حيث تتشكل الممالك والأشياء لكي تتهدم والمسافة بين التشكل والانهدام هي الحياة. هذه المسافة هي مسرح الشعر. لكن مسرح الشعر هو القرية أيضا، كالحياة، مثلما تقول في قصيدة «مجـــاز». هـــل الشـــاعر هو «الغريب»؟ لا يمكن للشعر إلا أن يكون غريبا. لأن الغربة هنا هي الوحشة والبحث عن ضوء أو عن جسد أو عن سر وفي اللحظة نفسها هي عدم التآلف مع المجتمع. الشعر من المجتمع وضده فهو بالضرورة مريب. ولكن في الارتياب نفسه تكمن مصالحتنا مع الكتابة ومع كل ما يحيط بنا؟ تكمن عدم المصالحة وليس المصالحة. الشعراء في التاريخ وحتى هذه اللحظة مستنفرون دائما، شكاكون، لعلهم بشكل أو بآخر توما الشكاك الذي يريد أن يضع إصبعه في الجرح تماما ليعرف الألم. لكن المسألة تكمن ليس في التجربة المباشرة بمعناها الحسي بل بالمعنى الوجداني للكلمة. كان حافظ الشيرازي يقول مثلا: «أستطيع أن أرى قلبك الذي ينبض في داخلك مثل لؤلؤة في الماء» فالتواصل بهذه الصورة. اليوم وبعد هذه الرحلة الطويلة في الشعر، هل وجدت تعريفا ما إذا جاز القول لهذا الكائن الصعب التحديد؟ هل كان يشكل بالنسبة إليك حياة بديلة؟ قرأت للأصمعي تعريفا للشعر يقول: «الشعر نكد ينمو على الشرّ، فإذا ناله الخير ضعف» وهو تعريف ساخر. يقول صديق إنه يكتب القصيدة اللاشعرية وربما يُعرف الشعر بضده وضده أصعب منه.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة