أعلن الرئيس السوري الجديد بشار الأسد، في خطاب القسم في دمشق أمس ان السلام مع اسرائيل ما زال خيارا استراتيجيا لسوريا الا ان دمشق لن تتخلى عن شبر من أرضها المحتلة، وتعهد بإجراء تغييرات اقتصادية من خلال تحديث القوانين وإزالة العقبات امام تدفق الاستثمارات الداخلية والخارجية، وتنشيط القطاع الخاص وتعزيز الصادرات السورية للأسواق العالمية، مشيرا في الوقت نفسه الى انه لا يملك عصا سحرية لتحقيق الإصلاح. وجدد الأسد في كلمة ألقاها، مباشرة بعد اداء القسم الرئاسي في مجلس الشعب لبدء ولايته الدستورية ومدتها سبع سنوات، تمسكه بسياسات والده الراحل حافظ الأسد ازاء عملية السلام، وطالب الولايات المتحدة بالضغط على اسرائيل لتنفيذ القرارات الدولية الخاصة بحقوق السوريين واللبنانيين والفلسطينيين. وأكد الرئيس الجديد استمرار العلاقة الخاصة مع لبنان واستمرار الدعم السوري لبيروت، وقال ان هذه العلاقة اثمرت الكثير من الإنجازات لصالح الشعبين بما في ذلك انهاء الحرب الاهلية وانسحاب اسرائيل من جنوب لبنان. ولكن الرئيس الأسد اشار الى ان جهودا اخرى يجب ان تبذل لكي تصبح هذه العلاقة السورية اللبنانية »مثالية ونموذجية«. وحول مفاوضات السلام السورية الاسرائيلية المتوقفة منذ كانون الثاني الماضي قال الرئيس السوري »نؤكد هنا اننا مستعجلون لتحقيق السلام ولكننا غير مستعدين للتفريط بالأرض ولا نقبل لسيادتنا ان تمس، بمعنى اننا نستعجل السلام لأنه خيارنا والشعب السوري شعب محب للسلام عبر التاريخ، ولاننا مشتاقون لكي يعود الجولان كاملا وأهله الى الوطن، وغير مستعدين للتفريط بالأرض لأننا لا نقبل بها منقوصة او على حساب السيادة الوطنية«. وقال الرئيس الأسد »اسرائيل لا تزال تحتل أرضنا في الجولان وهو موضوع يشكل همنا الاول وشغلنا الشاغل، وأهميته بالنسبة لنا توازي اهمية السلام العادل والشامل الذي اعتمدناه خيارا استراتيجيا، لكن ليس على حساب ارضنا ولا على حساب سيادتنا، فالأرض والسيادة هما كرامة وطنية ولا يمكن وغير مسموح لأحد ان يفرط بها او يمسها«. وأخذ الجانب الاقتصادي حيزا مهما من خطاب الرئيس السوري الجديد، الذي اكد استمرار الحكومة بمكافحة الفساد والهدر وإعادة تأهيل القطاع الصناعي العام والخاص لمواجهة الاخطار المتزايدة والناتجة عن تحديات العولمة. وركز الرئيس السادس عشر للجمهورية العربية السورية منذ استقلالها في خطابه الاول على اهمية الإصلاح الاقتصادي من خلال رسم سياسة اقتصادية تردم الفجوات »بين الأجور والأسعار«، وتعزيز قدرة القطاع الصناعي. ودعا أيضا الى ضرورة تفعيل دور المؤسسات باعتبارها فكرا وممارسة. وعلى الصعيد الديموقراطي ركز الأسد على ضرورة سماع الرأي الآخر باعتبار الديموقراطية واجبا قبل أن تكون حقا، لكن على أن تكون نابعة من خصوصية المجتمع السوري وليست دخيلة عليه. ودعا الى مكافحة التسيب والهدر وممارسة الردع على الخطأ، ودعا المجلس التشريعي الى القيام بدوره الرقابي والتركيز على دور المؤسسة القضائية في »إحقاق العدالة وصيانة حرية المواطن«، فيما رأى في التخطيط الوسيلة لبناء سوريا عصرية متقدمة«. وقال الأسد في نهاية خطابه ان المنصب لن يغير فيه شيئا وأن »الناس ستراه في مواقع عملها كما في الشارع، ومواقع نزهتها« وان الانسان الذي اصبح رئيسا سيبقى هو نفسه الطبيب والضابط وقبل كل شيء المواطن«. وكان الرئيس الجديد قد وصل الى مبنى مجلس الشعب في الساعة الحادية عشرة صباحا، حيث كان في استقباله رئيس المجلس عبد القادر قدورة، وصافح لدى دخوله الأمين العام المساعد للحزب عبد الله الأحمر ونائبي الرئيس عبد الحليم خدام ومحمد زهير مشارقة، والأمين القطري المساعد سليمان قداح ورئيس الوزراء محمد مصطفى ميرو ووزير الدفاع العماد أول مصطفى طلاس، وأعضاء مكتب المجلس وأمين المجلس. واستقبل الرئيس الأسد بعاصفة من التصفيق من أعضاء مجلس الشعب، ثم دعاه رئيس المجلس الى أداء القسم الدستوري، فتقدم من المنصة الرئيسية وأداه على الشكل الآتي: »أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصا على النظام الجمهوري الديموقراطي الشعبي، وأن أحترم الدستور والقوانين، وأن أرعى مصالح الشعب وسلامة الوطن، وأن أعمل وأناضل لتحقيق أهداف الأمة العربية في الوحدة والحرية والاشتراكية«. وما ان انتهى من أداء القسم حتى دوت قاعة المجلس بعاصفة من التصفيق ووقف الجميع تحية له. بعد ذلك ألقى بشار الأسد خطابه الأول كرئيس للجمهورية السورية، تقبل في ختامه التهاني من أعضاء مجلس الشعب، وخرج بعدها من الباب الرئيسي للمجلس حيث حيا الجموع المتجمهرة أمامه والتي كانت تهتف باسمه. ويتوقع المراقبون ان تكون الأيام القادمة حافلة بالتغييرات، حيث يتوقع ان تقدم الحكومة الحالية استقالتها وأن تطال هذه الحكومة تبديلات مهمة، وإن قليلة العدد في الحقائب تماشيا مع الرغبة في الانطلاق الأسرع في عملية الاصلاح، وان يتم بعدها إجراء سلسلة من التغييرات في الجهاز الحزبي وفي مجالس المدن، حيث يتوقع ان تسمح المرحلة المقبلة بالجمع بين المنصب الحزبي والمنصب الاداري على مستوى مجالس المدن، إضافة الى انطلاقة جديدة للدبلوماسية السورية بتشكيل قريب للسفراء. وفي ما يأتي نص خطاب القسم: السيد رئيس مجلس الشعب السيدات والسادة أعضاء المجلس لا يسعني وأنا أقف اليوم في رحاب هذا المجلس الكريم إلا أن أستهل كلمتي بالتوجه بالحمد والشكر لله العلي القدير ان شد أزرنا في هذا البلد الصامد وهيأ لنا ما ساعدنا على تحمل مصابنا الأليم، كما أتوجه بالشكر لكم على ثقتكم الغالية التي منحتموني إياها والتي عبرتم عنها بإقراركم ما جاء في كتاب القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي المتضمنة ترشيحي لمنصب رئيس الجمهورية، وأثمّن الجهود التي بذلتموها في مناقشاتكم المتعلقة بمضمون هذه الرسالة والتي أظهرت تحليكم الرفيع بالشعور بالمسؤولية وإحساسكم الدافق بالروح الوطنية. ومن على هذا المنبر أتوجه بالشكر الخاص لأبناء شعبنا بكل فئاته، رجالا ونساء، كبارا وصغارا، داخل سوريا وخارجها، الذين منحوني ثقتهم من خلال الإدلاء بأصواتهم في الاستفتاء ومشاركتهم في هذا الواجب الوطني والذين أحاطوني بالحب والوفاء مما كان له أعمق الأثر في نفسي وأمدني بالقوة ومنحني التفاؤل بالمستقبل. إن النتيجة التي أسفر عنها الاستفتاء هي تعبير عن إرادة الشعب ولا أملك إلا أن أستجيب لها وأقبلها راضيا وأن أحمل الأمانة التي تفرضها وأن أنهض بالأعباء وأضطلع بالمهام المتعلقة بأداء ذلك الواجب في هذه الظروف البالغة الدقة والحساسية التي يمر فيها وطننا وأمتنا والعالم بصورة عامة، ساعيا لقيادة الوطن نحو مستقبل ننشد جميعا ان يكون محققا لآمال الشعب وتطلعاته وطموحاته المشروعة. وهذه المهام صعبة بمقدار ما هي سهلة... وسهولتها تأتي من كون القائد الخالد قد هيأ لنا أرضية صلبة وأساسا متينا وتراثا عظيما من القيم والمبادئ والتي دافع عنها وبقي متمسكا بها حتى انتقل إلى جوار ربه إضافة الى البنية التحتية والانجازات الكبيرة في المجالات كافة وعلى امتداد ساحة الوطن التي تمكننا من الانطلاق بقوة وثقة نحو المستقبل المنشود. أما صعوبتها فتأتي من حقيقة ان نهج القائد الأسد كان نهجا متميزا وبالتالي فإن الحفاظ على هذا النهج ليس بالأمر السهل وخاصة اننا لسنا مطالَبين فقط بالحفاظ عليه وإنما بتطويره أيضا، وهذا يحتاج الى الكثير من العمل والجهد على المستويات كافة بهدف البناء على ما تحقق في عهده الزاهر لنعلي البنيان ونضاعف الانجازات مصممين على تذليل الصعوبات ومواكبة العصر دونما التخلي عن ثوابتنا الوطنية والقومية التي رسخها في قلوبنا وعقولنا متمثلين في الوقت ذاته حكمته في تحويل الحزن إلى طاقة خلاقة والمصيبة إلى عمل وإنجاز. لقد قلتها بالأمس وأقولها اليوم بأنني لا أسعى إلى منصب ولا أهرب من مسؤولية، فالمنصب ليس هدفا بل هو وسيلة لتحقيق الهدف. والآن وبعد أن شرفني الشعب باختياره لي رئيسا للجمهورية وبعد أن أديت القسم الدستوري وتسلمت مهامي أقول إنني تبوأت هذا المنصب ولكنني لم أتبوأ الموقع، أي أن المنصب تبدل لكن الموقع بقي ذاته ولم يتغير منذ خلقت وذلك حيث أرادني الله سبحانه وتعالى أن أكون وحيثما رغب الشعب أن أقف منذ أن عرف أن هنالك شخصا أحب الشعب بصدق وأحبه الناس بإخلاص وكانوا أوفياء له، وفي المكان الذي أرادني والدي وأسرتي أن أكون به وفي الموضع الذي صممت على التمسك به وصونه لأكون قويا فيه وبه ومن خلاله؛ هذا الموقع الذي لا يتبدل يوما من الأيام هو خدمة الشعب والوطن. فإذا بعد هذا الموقع الذي وُضعت فيه فماذا يضيف عليه المنصب. كنت دائما أقول لمن ألتقيهم ان المنصب مسؤولية لكن الموقع فرض هذه المسؤولية من قبل. وقد يقول قائل بأن المنصب يعطي الشرعية لكن الشرعية هي قبل كل شيء إرادة الشعب ورغباته، وأهمية تصويتكم على قرار الترشيح تأتي من كونه يمثل استجابة لرغبات الشعب الذي تمثلونه بشرائحه المختلفة. من هنا نستطيع أن نقول إن المسؤولية هي مصلحة الشعب والشرعية هي رغبته وإرادته والمنصب هو الإطار الذي يجمعهما وينظم علاقتهما معا. وبالتالي فإن ما أضافه هذا المنصب الى موقعي هو حمل كبير فيه محبتكم وثقتكم وطموحاتكم وآمالكم سأكون قادرا على حمله بإذن الله بدعمكم ومساندتكم. وعلى كل مواطن شريف أن يضع نفسه في موضع مماثل لما أشرت إليه وأن يحمّل نفسه المسؤولية وأن يؤمن بالشرعية حتى لو لم يكن في وضع يسمح له بتطبيق أفكاره. فالمنصب لا يعطي المسؤولية بل العكس هو الصحيح، هو يأخذها من الإنسان الذي يمتلكها ويسمح له فقط بأن يمارسها من خلال الصلاحيات التي يمنحها له. وعندما يصل إلى المنصب شخص لا يحمل شعورا بالمسؤولية فإنه لا يستطيع أن يأخذ منه سوى السلطة. والسلطة من دون مسؤولية هي الأساس في انتشار التسيّب والفوضى وتدمير المؤسسات. والحالة المثلى تفترض أن يكون الكل مسؤولا ولا يعني هذا أن الكل صاحب منصب، فالمناصب هي مفاصل أساسية يتم فيها تنقية وتفعيل وغربلة أداء المجتمع بشكل مستمر وباتجاهين من قاعدة الهرم الى قمته، وبالعكس. وبالتالي إذا اختلت وظيفة القاعدة انعكس ذلك على أداء القمة، وإذا شذ مَن في القمة أساء إلى القاعدة، وبالتالي لا ينبني المجتمع ولا يتطور ولا يزدهر بالاعتماد على شريحة أو جهة أو مجموعة بل يعتمد على تكامل عمل الكل في المجتمع الواحد. ولذلك أجد من الضروري جدا أن أدعو كل مواطن لكي يشارك في مسيرة التطوير والتحديث إذا كنا فعلا صادقين وجادين في الوصول الى النتائج المرجوة في أقرب زمن ممكن. في أي اتجاه نسير؟ وبما أننا نتحدث عن التطوير والذي هو باعتقادي الهاجس الأساسي لكل مواطن في هذه البلاد وفي مختلف المجالات، فلا بد من أن نعرف بأي اتجاه نسير وأي الطرق أفضل وما هي النتائج المطلوبة وغيرها من الأسئلة التي تشكل أجوبتها البوصلة التي تحدد موقعنا الحالي والمستقبلي، وعلينا من أجل الوصول الى ما نبتغيه ان نتحرك بالتوازي بنفس الوقت على ثلاثة محاور أساسية: المحور الأول: ويتضمن طرح أفكار جديدة في المجالات كافة سواء بهدف حل مشكلاتنا ومصاعبنا الراهنة أو بهدف تطوير الواقع الحالي. المحور الثاني: يتضمن تجديد أفكار قديمة لا تناسب واقعنا مع إمكانية الاستغناء عن أفكار قديمة لا يمكن أن نجددها ولم يعد ممكنا الاستفادة منها بل أصبحت معيقة لأدائنا. المحور الثالث: ويتضمن تطوير أفكار قديمة تم تجديدها لكي تتناسب مع الأهداف الحاضرة والمستقبلية، وكل عمل بحاجة إلى قياسات لتحديد نسبة الإنجاز والتقدم فيه. ومن المفيد في هذا المجال ان نستند إلى مجموعة من المعايير. المعيار الأول: هو عامل الزمن الذي يفترض بنا أن نعمل على استغلاله بحده الأقصى بهدف تحقيق الانجازات التي نتطلع إليها بأقصر مدة ممكنة. المعيار الثاني: وهو طبيعة الواقع الذي نعيش فيه والظروف المختلفة التي تحيط بنا الداخلية منها والخارجية. المعيار الثالث: وهو الامكانيات المتوفرة بين أيدينا للانطلاق والوصول الى الهدف المحدد آخذين بعين الاعتبار ان الامكانيات ليست معطيات ثابتة، بل هي قابلة للتعديل باستمرار من خلال جهودنا وفعاليتنا. المعيار الرابع: وهو المصلحة العامة وفيها تلتقي كل المعايير السابقة ومن خلالها تتحدد. وهي معيار وهدف في وقت واحد. إذ ما قيمة أي عمل نقوم به لا يكون رائده المصلحة العامة. ولكن للقيام بالتحرك المطلوب ونحن واثقون من بلوغ النجاح، لا بد من أن تتوافر لدينا مجموعة من الأدوات أهمها: الفكر المتجدد وأعني به الفكر المبدع الذي لا يتوقف عند حد معين ولا يحصر نفسه في قالب واحد جامد. وكم نحن بحاجة إليه اليوم وغدا لدفع عملية التطوير قدما الى الأمام. والبعض يعتقد ان هذا الفكر المتجدد مرتبط بالسن، أي يغلب وجوده عند الشباب وهذا غير دقيق تماما. فبعض الأشخاص يدخلون سن الشباب وقد تحجرت عقولهم باكرا.. والبعض الآخر من كبار السن يفارق الحياة وعقله ما يزال يضج بالحيوية والتجدد والإبداع. المحاسبة والمساءلة أيضا نحن بحاجة ماسة إلى النقد البناء وهو تماما بعكس النقد الهدام.. والذي نراه يغلب في أحيان كثيرة على طروحاتنا لأسباب مختلفة منها ما هو شخصي ومنها ما هو غير ذلك. ولكي نكون بنائين في نقدنا لا بد لنا من ان نكون موضوعيين في تفكيرنا. والموضوعية تتطلب منا أن ننظر الى أي موضوع من أكثر من زاوية وضمن أكثر من ظرف، وبالتالي نحلله بأكثر من طريقة، ونصل.. من ثم.. الى أكثر من احتمال أو على الأقل للاحتمال الأقرب الى الصحة أو الاحتمال الأفضل. وعلينا الابتعاد عن النقد بهدف استعطاف البعض أو استثارة التصفيق من البعض الآخر.. أو بهدف الاستفزاز أو الإساءة الى الآخرين. ففي ذلك هدر للجهود ومضيعة للوقت نحن بغنى عنها. وعندما نقول.. (نقداً بناء ورأيا موضوعيا) فهذا يعني بالضرورة النظر بصورة متكاملة للقضايا موضوع النقد بحيث نرى الايجابيات كما نرى السلبيات، وبذلك نتمكن من زيادة الايجابيات على حساب السلبيات، وهذا هو جوهر أي تطوير. ونحن نتكلم عن الأدوات، فإننا لا يمكن أن نتجاوز المساءلة. فهي عملية متكاملة لا يمكن تجزئتها وتبدأ من القاعدة والأساس، ومن الوحدة الصغرى في المجتمع وهي المواطن، وتنتهي بالمؤسسات. فإذا لم يقم كل مواطن بمساءلة نفسه ومراقبة ذاته ومراجعتها بشكل يومي أو شبه يومي فستبقى هذه العملية قاصرة عن تحقيق مهامها.. وهنا يأتي دور الضمير وأهمية الوجدان وضرورة تنقيتهما من الشوائب التي تعلق بهما وتعكر صفاءهما بفعل الظروف والعوامل المختلفة التي تحيط بكل فرد. أما المستويات الأخرى في المساءلة والمحاسبة والتي تقوم بها المؤسسات المختصة فتكون للحالات التي يكون فيها شذوذ عن القوانين والأنظمة.. والتي من المفترض ان تكون محدودة في حال وجود الرقابة الذاتية، وبالتالي يكون أداء المؤسسات أفضل وأسلم. وهذه العملية عملية مستمرة تتوازى مع العمل أو تكون جزءا منه، لأن الخطأ بأشكاله المختلفة سيبقى ملازما للحياة، وإذا لم يعالَج فإنه يتفاقم. والعلاج لا يهدف الى الانتقام والتشفي وإنما للردع، ولا يُقصد به صاحب الخطأ فقط بل كل من يخطر في باله أن يقع فيه. بهذا الشكل نستطيع أن نضع استراتيجية عامة للتطوير تكون إطارا محدِّدا للخطوات والإجراءات الواجب اتخاذها في سبيل تحقيق أهداف هذه الاستراتيجية، خاصة ان بلدنا قد مر بظروف تاريخية وسياسية واقتصادية واجتماعية مختلفة خلال القرن العشرين.. وكانت هذه الظروف تتغير بشكل متسارع وما زالت.. وقد غلب على هذه التغيرات الطابع السياسي. واستطاع القائد الأسد خلال العقود الثلاثة الأخيرة وضع استراتيجية عامة تلبي الحاجات المختلفة للتطوير المنشود شملت مختلف القطاعات. وقد برهنت الاستراتيجية السياسية التي وضعها وأشرف على تنفيذها ومتابعتها وتطويرها عن نجاحها الكبير حتى يومنا هذا. أما في المجالات الأخرى وكما نعرف جميعا فلم يتماش الأداء فيها مع الأداء في المجال السياسي لأسباب عديدة.. لذلك كانت هناك فجوة كبيرة بينها. ولو كان الأداء أفضل فإن موقفنا السياسي سيكون أقوى من دون شك، وهو القوي أساسا، لكن طموحنا يبقى للأحسن. الأداء الاقتصادي وكان الأداء في المجال الاقتصادي على وجه الخصوص يتموج ويتبدل بحدة نتيجة لتبدل الظروف التي كانت هي الأخرى شديدة التغير وخاصة عندما انتقل اقتصادنا من اقتصاد له أسواقه المفتوحة أمامه الى اقتصاد مطلوب منه المنافسة. وكانت المعالجة تتم من خلال إصدار قوانين ومراسيم وقرارات تتسم أحيانا بالتجريبية وأحيانا أخرى بالارتجال، وفي البعض منها كانت تأتي كرد فعل على حالة معينة. ولكن قليلا ما كانت تأتي هذه المعالجة فاعلة لا منفعلة أي أن تأخذ هي زمام المبادرة مستبقة الأحداث. والسبب في ذلك انه لم تكن هناك استراتيجيات واضحة تخرج التشريعات من ضمنها، بل تكوّنت الاستراتيجية الاقتصادية كمحصلة لمجمل هذه التشريعات الصادرة.. وبالتالي أتت ضعيفة وفيها الكثير من الثغرات وكانت مسؤولة الى حد ما وليس بشكل كامل، عن الصعوبات التي نعاني منها اليوم. فإذاً، نحن بحاجة الآن الى استراتيجيات اقتصادية، اجتماعية، علمية، وغير ذلك، تخدم التنمية والصمود في آن واحد، وهي ليست موجودة كوصفات جاهزة بل انها بحاجة الى دراسات معمقة نستخلص منها النتائج التي على أساسها نحدد الى أين يجب أن نتجه، وهذا بحاجة الى وقت وجهد وتعاون وحوارات مستمرة وموسعة. والسؤال الذي يمكن لنا طرحه: هل ننتظر الانتهاء من وضع الاستراتيجيات المطلوبة كي نبدأ التطوير أو كي نتابع ما بدأناه من تطوير في السابق. يبدو لنا انه من المفضل أن يبدأ العمل بالتوازي من خلال متابعة اتخاذ الإجراءات المطلوبة إضافة الى إعداد التصورات لتحديد خططنا المستقبلية، مع علمنا بأن التطوير المجتزأ لا يحقق الغايات المرجوة بل هو بحاجة للتناسق والتكامل بين الإجراءات والخطوات المتخذة في جميع المجالات. إن كل ما سبق يحتاج الى تحليل.. والتحليل يحتاج الى دراسات ونتائج هي بدورها تحتاج الى واقع تستند إليه. وعندما نقول (واقعا) نعني أرقاما دقيقة، والرقم لا يمكن أن يكذب، وبالتالي فهو صادق وشفاف، والتعامل معه بحاجة الى صدق وشفافية. وهذا المصطلح أي (الشفافية) طُرح بشكل كثير التواتر مؤخرا في حوارات ومقالات وفي أماكن متعددة أخرى.. فكان البعض يطالب باقتصاد شفاف.. والبعض الآخر بإعلام شفاف.. وغيرهم بذهنية شفافة في المجالات الأخرى. ولا شك في أهمية ذلك. وأنا مع هذا الطرح.. لكن من خلال فهم واضح لمضمون المصطلح وللأرضية التي يمكن أن يُبنى عليها، فالشفافية قبل أن تكون حالة اقتصادية أو سياسية أو إدارية وما الى ذلك.. فهي حالة ثقافة وقيم وتقاليد اجتماعية، وهذا يفرض سؤالا ومطلبا في الوقت نفسه يجب أن نطرحه على أنفسنا قبل طرحه على الآخرين... هل أتعامل بشفافية مع نفسي أولا، ومع أسرتي ثانيا، ومع محيطي القريب والبعيد والدولة والوطن ثالثا. فمن يستطع أن يعطي جوابا بالايجاب يعرف معنى الشفافية، وهو من يستطيع أن يقدر أبعادها ويمارسها في أي موقع كان. فكيف نطلب من إنسان مثلا لا يصدق في حياته الشخصية ومع أقرب الناس إليه أن يكون مسؤولا صادقا تجاه مسؤوليته وتجاه الشعب. وإذا كان غير واضح في طروحاته، فكيف نطلب منه ان يكون شفافا عندما يتولى منصبا ما. فإذا أردنا أن نعالج مشكلة ما فيجب أن نتناولها من بدايتها وليس من نهايتها، وأن نعالج السبب قبل النتائج، وهذا يحتاج الى مواجهة جريئة مع أنفسنا ومع مجتمعنا وهي مواجهة حوارية نتحدث فيها بصراحة عن نقاط ضعفنا وعن بعض العادات والتقاليد والمفاهيم التي أضحت عائقا حقيقيا في طريق أي تقدم. فالمجتمع هو الطريق التي يسير عليها التطوير في حقوله العديدة. فإذا كانت هذه الطريق غير صالحة تعثر التطوير وتأخر أو توقف. وهذا بالمفهوم النسبي يعني التراجع إلى الوراء. وهذه إحدى الصعوبات الموجودة في واقعنا. ودراسة هذا الواقع تحتاج الى التركيز على المعوقات التي تبقيه على حاله دونما تغيير الى الأفضل. وهذا بحاجة الى مشاركة فعالة من كل الجهات خارج إطار الدولة وداخله كي تساهم كل الفئات والشرائح في إيجاد الحلول. وهنا أؤكد على ان من يطرح المشكلة يجب أن يطرح معها الحل ويجب أن نبتعد قدر الإمكان عن الاتكالية. فالموظف يتكل على زميله، والمسؤول الأدنى على رئيسه، والمواطن يتكل على الدولة لايجاد الحلول.. وأعود لأؤكد ان الحل هو مسؤولية الجميع كي يصبح مكتملا وناجعا. فالإنسان يسير على قدمين والبعض يعتقد أن الخطوة اليمني تكتمل بالقدم اليمنى وأن الخطوة اليسرى تتم بالقدم اليسرى، الواقع ان الخطوة اليمنى تبدأ بالقدم اليمنى وتتم أو تكتمل بالقدم اليسرى، والخطوة اليسرى تبدأ بالقدم اليسرى وتكتمل بالقدم اليمنى. فلا تتكلوا على الدولة، ولا تدعوا الدولة تتكل عليكم، بل دعونا نعمل سوية كفريق عمل واحد. وأورد هنا مثالا من واقع حياتنا الاقتصادية.. وهو التصدير الذي يعتبر أحد أهم محاور دعم الاقتصاد الوطني. وهو سيكون موضع اهتمام خاص في المرحلة القادمة فمن واجب الدولة أن تسن التشريعات والقوانين وان تتخذ القرارات وتعقد الاتفاقيات مع دول وجهات أخرى بهدف تشجيعه والمساعدة على إيجاد الأسواق إضافة الى تحقيق القدرة التنافسية. لكن هذا لا يمكن ان يتم ويكتمل إلا إذا كانت البضائع والسلع السورية ذات سمعة جيدة ومواصفات عالية. إضافة الى التزام المنتجين والمصدرين بمواعيد التسليم مع قيامهم بعمليات التسويق اللازمة لبضائعهم والمشاركة في المعارض الداخلية والخارجية بهدف توسيع أسواقهم مما يحقق لهم وللاقتصاد الوطني الازدهار. وفي هذا المجال فقد بات من الضروري السير بخطى ثابتة وان كانت متدرجة نحو إجراء تغييرات اقتصادية من خلال تحديث القوانين وإزالة العقبات البيروقراطية أمام تدفق الاستثمارات الداخلية والخارجية وتعبئة رأس المال العام والخاص معا وتنشيط القطاع الخاص، ومنحه فرصا أفضل للعمل كما أنه لا بد من تحقيق القدرة التنافسية للقطاع العام في الأسواق الخارجية مما يؤدي الى تنمية متوازنة وشاملة في محافظات القطر كافة وفي الريف والمدينة كما يؤدي الى توزيع الدخل القومي بصورة متوازنة وزيادة فرص العمل وتحسين الوضع المعيش للمواطنين في ضوء زيادة احتياجاتهم الحيوية.. والتصاعد المطرد في تكاليف المعيشة. ولا بد من تطوير القطاع الزراعي من خلال تحديث وسائل إنتاجه والبحث عن أسواق لتصريف منتجاته.. إضافة الى تسريع عمليات استصلاح الأراضي.. وتلافي التقصير والإهمال الذي حدث في الماضي.. والإسراع في إنجاز السدود التي تخدم خططنا التنموية. كما يتوجب علينا رسم سياسة اقتصادية رشيدة تردم الفجوات بين الموارد والنفقات وبين الاستيراد والتصدير وبين الانتاج والتصريف وبين الأجور والأسعار إضافة الى تصحيح ميزان المدفوعات مع التأكيد على أهمية إعادة تأهيل القطاع الصناعي العام والخاص لمواجهة الأخطار المتزايدة والناتجة عن تحديات العولمة وبذلك نضمن أن يتبوأ اقتصادنا موقعا مناسبا في التكتلات الاقتصادية الاقليمية والدولية. دور المؤسسات.. والديموقراطية إن تطلعاتنا لا يمكن أن تتحقق بالشكل المطلوب إلا إذا تم التأكيد على دور المؤسسات في حياتنا. والمؤسسات ليست البناء ولا النظام الذي يحكمها فقط أو الأشخاص الذين يعملون فيها.. بل هي وقبل كل شيء.. الفكر المؤسساتي الذي يؤمن ان كل مؤسسة تمثل كل الوطن مهما كان حجمها واختصاصها وتمثل سمعته ووجهه الحضاري.. والذي يؤمن أيضا ان العمل المؤسساتي عمل جماعي لا فردي.. عمل مبني على الصدق والإخلاص في التعامل وعلى استغلال الوقت بحده الأقصى وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الشخصية وعقلية الدولة على عقلية الزعامة.. وهو منطق التعاون والانفتاح على الآخرين وهو لا ينفصل عن الفكر الديموقراطي بل يتقاطع معه في مواقع عديدة. وهذا يعني ان امتلاك الفكر الديموقراطي يعزز الفكر والعمل المؤسساتي.. فإلى أي مدى نحن ديموقراطيون وما هي الدلائل على وجود الديموقراطية أو عدمها هل هي في الانتخاب أم في حرية النشر أم في حرية الكلام أم في غيرها من الحريات والحقوق أقول ولا واحدة من كل ذلك.. فهذه الحقوق وغيرها ليست الديموقراطية بل هي ممارسات ديموقراطية ونتائج لها وهي تنبني جميعها على فكر ديموقراطي وهذا الفكر يستند الى أساس قبول الرأي الآخر وهو طريق ذو اتجاهين حتما وبشكل أكيد أي ما يحق لي يحق للآخرين وعندما يتحول الطريق باتجاه واحد يتحول الى أنانية وفردية. أي لا نقول يحق لنا كذا أو كذا بل يجب أن نقول يحق للآخرين حقوق معينة فإذا كان هذا الحق يجوز للآخرين من وجهة نظرنا أصبح لنا الحق نفسه. فإذا الديموقراطية واجب علينا تجاه الآخرين قبل ان تكون حقا لنا والفكر الديموقراطي هو الأساس والممارسات الديموقراطية هي البناء وبكل تأكيد جميعنا يعلم ان الأساس عندما يكون ضعيفا فإن البناء يكون مهددا بالتداعي والسقوط عند أول هزة أو من دون أي سبب ظاهر، وبمعنى آخر ان كل أساس صمم لبناء معين ليناسب ما سيحمله أي هذا الأساس لهذا البناء وذاك الأساس لذاك البناء أي تبديل بين الأساسين يعني إنذارا بالخطر. وبالتالي لا يجوز أن نطبق ديموقراطية الآخرين على أنفسنا، الديموقراطيات الغربية على سبيل المثال هي محطة تاريخ طويل.. نتج عنه عادات وتقاليد وصلت معها مجتمعاتهم الى ثقافتها الراهنة. ولكي نطبق ما لديهم.. علينا أن نعيش تاريخهم وإسقاطاته الاجتماعية وعندها يكون هذا الاحتمال ممكنا وبما أن هذا مستحيل.. فعلينا ان تكون لنا تجربتنا الديموقراطية الخاصة بنا المنبثقة عن تاريخنا وثقافتنا وشخصيتنا الحضارية.. والنابعة من حاجات مجتمعنا ومقتضيات واقعنا وعندها ستكون النتيجة بناء متينا قادرا على الصمود في وجه الهزات مهما كانت شدتها والتجارب الهدامة ماثلة أمام أعيننا في دول مختلفة قريبة وبعيدة عنا. وجبهتنا الوطنية التقدمية نموذج ديموقراطي تم تطويره من خلال تجربتنا الخاصة بنا وقد أدت دورا أساسيا في حياتنا السياسية ووحدتنا الوطنية.. والآن أصبح من الضروري أن نطور صيغة عمل الجبهة بما يستجيب لحاجات التطوير الذي يتطلبه واقعنا المتطور والمتنامي على كل المستويات. وبما أن الفكر الديموقراطي والفكر المؤسساتي مترابطان.. ولا أقول متطابقين فإن الادارة تتأثر بهما وبالتالي فالإصلاح الإداري الذي علينا القيام به في القطاعين العام والخاص يرتبط بهما بعلاقة طردية أي يتطور بتطورهما أو يتراجع بتراجعهما وهو اليوم حاجة ملحة لنا جميعا، فقصور الادارة لدينا هو من أهم العوائق التي تعترض مسيرة التنمية والبناء والتي تؤثر بشكل سلبي في كل القطاعات دون استثناء وعلينا أن نبدأ بالسرعة القصوى بإجراء الدراسات الكفيلة بتغيير هذا الواقع للأفضل من خلال تطوير الأنظمة الادارية وهيكلياتها ورفع كفاءة الكوادر الادارية والمهنية وإنهاء حالة التسيب واللامبالاة والتهرب من أداء الواجب ولا بد من محاربة المقصرين والمسيئين والمهملين والمفسدين. وهذا يتطلب القيام.. وبالتوازي، بتفعيل وتطوير أجهزة الرقابة في الدولة ودعمها بالامكانات التي تؤمن حسن أدائها وهنا تأتي أهمية التأكيد على حيوية دور مجلسكم في تصويب عمل مؤسسات الدولة المختلفة من خلال الاشارة الى مواقع الخلل والقصور ومتابعة معالجتها بصورة إيجابية.. كما نؤكد هنا على أهمية المؤسسة القضائية وضرورة رفدها بالكوادر الكفوءة والنظيفة وأن تأخذ دورها الكامل بهدف إحقاق العدالة وصيانة حرية المواطن والسهر على تطبيق القوانين. مما سبق نرى ترابط عمل المؤسسات الوثيق مع بعضها بعضا وهذا يستوجب أن يكون هناك ترابط بين الفكر الذي يحكم وينظم عمل كل منها.. كالفكر المؤسساتي والديموقراطي والشفافية وغيرها والتي تنشأ في المنزل والأسرة وتتنامى أو تتراجع من خلال ظروف الحياة اليومية، فالمجتمع هو التربة الخصبة التي نزرع فيها بذورنا أما الثمرة فنجنيها في المؤسسات وبالتالي بمقدار ما نسعى لزراعة بذور صالحة نجني ثمارا ناضجة ومفيدة، ومهمة الدولة أن تهيئ البنية الصالحة والمناسبة للبذرة كي تنبت.. وعليها أيضا أن تؤمن مقومات النمو وأن تضمن بقاء الثمار ناضجة لكي يتمكن مجتمعنا من الاستفادة منها وإلا تعفنت وأصبحت مصدرا للداء والعلل. مكافحة الفساد علينا احترام القانون ففيه حفاظ على كرامة المواطن من قبل الدولة وعلى كرامة الدولة من قبل المواطن وفيه ضمان لحريتنا وحرية الآخرين. علينا أن نكافح الهدر والفساد مع الأخذ بعين الاعتبار ان كل عمل فيه نسبة من الخطأ غير المقصود التي يجب ألا تقلقنا إنما المطلوب منع تكرارها. علينا الابتعاد عن الاتكالية والفوضى وهدر الوقت والالتزام بالصدق والإخلاص والتفاني بالعمل ومضاعفة الجهد لتلافي التقصير الذي حدث. علينا الابتعاد عن فكرة نسف الواقع برمته بدلا من العمل على تطويره وتحسينه منطلقين من أن الحياة الإنسانية لا مطلق فيها، فمهما كان الواقع سيئا لا بد وأن يكون فيه العديد من الفوائد، ومهما كان جيدا أو ممتازا فلن يخلو من المساوئ. فمسيرة الشعوب هي عبارة عن إنجازات متلاحقة.. كل مجموعة منها تبنى على ما سبقها.. ويكون التطوير من خلال بناء أمور إيجابية على إيجابيات سبقتها. أما التأخر والتخلف فيكونان بالعكس. وبالتالي يمكن الانطلاق من خلال إيجابيات واقع سيئ الى واقع جيد ومن واقع جيد الى واقع أفضل. أما عندما يتم نسف الواقع كاملا فهذا يعني إلغاءه بإيجابياته وسلبياته.. وعندما يراد الانطلاق فعلى ماذا يتم الاستناد.. هل على الفراغ أم نقطة الصفر.. كما يجب الابتعاد عن تكرار المفاهيم والمصطلحات دون تحليل لمضمونها، فكثير من الأفكار قد تكون مناسبة لحاجاتنا ولكن عدم استيعابها بشكل صحيح يحولها إلى مفاهيم قد تكون ضارة.. .. علينا أن نولي التأهيل والتدريب اهتماما خاصا في كل المجالات وعلى كل المستويات.. وذلك بالاعتماد على الكوادر الوطنية في سوريا وخارجها.. إضافة الى الاحتكاك بالكوادر العربية والأجنبية والافادة من خبرات الدول التي لها تجارب ناجحة في مجالات محددة.. .. يجب التأكيد على التخطيط وعلى نوعية هذا التخطيط بهدف الوصول الى مجتمع ودولة نوعيين وبالتالي متابعة بناء (سوريا) عصرية متقدمة.. .. كما يجب التأكيد على نشر الثقافة والمعرفة والتقنية المعلوماتية ويجب إيلاء الاهتمام الكبير لتجارة العقل وتصدير الأفكار وتطوير البحث العلمي وذلك من خلال توفير بنيته التحتية التي تبدأ بالعقل المنظم مرورا بالمؤسسات البحثية انتهاء بالتقنيات الضرورية. وحسب الامكانيات.. وضرورة ربطه بحاجات المجتمع التنموية.. لا بد من الإصلاح والتطوير في مؤسساتنا التربوية والتعليمية والثقافية والاعلامية بما يخدم قضايانا الوطنية والقومية ويعزز تراثنا الأصيل ويؤدي الى نبذ ذهنية الانغلاق والسلبية ومعالجة الظواهر الاجتماعية التي تؤثر سلبا على وحدة المجتمع وسلامته.. كل ذلك بهدف تهيئة قوى اجتماعية ماهرة ومؤهلة وقادرة على التعامل والتفاعل مع تطورات العالم المختلفة.. خاصة ان واقعنا الحالي يشكل أرضية ليست ملائمة تماما لدخول القرن الجديد الذي هو قرن المؤسسات والتقنيات. كل ما سبق يصعب تحقيقه إذا لم تكن المرأة مشاركة فيه من موقعها كنصف لمجتمع حقيقي لا وهمي.. فهي التي تنشئ وتربي الرجال والنساء.. وتهيئهم لمشاركة في بناء وطنهم وهي التي تسهم في مختلف مواقع العمل في التنمية والتقدم. وهذا يتطلب ان نهيئ لها البيئة الملائمة لكي تكون أكثر فاعلية في المجتمع وبالتالي أكثر قدرة على أداء دورها في تنميته.. لا نملك عصاً »سحرية« إذا كنا قادرين على الالتزام بما تقدم ذكره نستطيع الاطمئنان الى ان (سوريا) ستبقى سيدة نفسها.. حرة في قرارها، آخذين بعين الاعتبار انه لا توجد لدى أي منا عصا سحرية لحل كل المشكلات دفعة واحدة.. بل لا بد من وضع ألويات وأفضليات واضعين نصب أعيننا ان عملية التغيير ليست هدفا بحد ذاتها.. بل وسيلة الى تحقيق احتياجاتنا الحياتية.. وان الوعود يجب ألا تطلق إلا عندما يمتلك الإنسان كل العناصر التي تؤدي الى تحقيق العمل المطلوب. وهذا ممكن على مستوى برنامج شخصي أو نطاق أو اختصاص معين.. أما على مستوى الوطن.. وخاصة عندما تكون الآمال عريضة والصعوبات كبيرة فالعناصر المطلوبة لا يمتلكها شخص ولا يؤمنها منصب بل تتوزع لدى الجميع مسؤولين ومؤسسات ومواطنين. والوعد الذي أقطعه الآن هو العمل المتواصل.. أما الانجازات فيجب أن نعد بعضنا بعضا بأن يقدم كل واحد منا ما لديه من عناصر وإمكانات للوصول الى أهدافنا المشتركة.. إن جهودنا الحثيثة لتدعيم أوضاعنا الداخلية تعززها علاقاتنا مع الدول الأخرى.. خاصة منها الشقيقات العربية وعلى كل المستويات.. وذلك من خلال تفعيل الاتفاقيات الاقتصادية العربية القائمة والسعي الدائم لإقامة نواة عمل حقيقية للسوق العربية المشتركة وهو الحد الأدنى.. لكنه الممكن حاليا.. للحفاظ على ما تبقى من آمال في إقامة علاقات عربية سليمة.. فلم يعد خافيا على أحد ما آلت إليه حال أمتنا العربية من ضعف الروابط بين دولها خلال العقود القليلة الماضية.. وعلى وجه الخصوص في عقد التسعينيات. فبرز الاهتمام بالمصالح المحلية القطرية طاغيا على الاهتمام بالمصالح القومية فأصاب الوهن الجسد العربي وضعفت الأمة وتشتتت وتفرقت دولها ومن ثم تعودت وتأقلمت مع حالتها الجديدة وأصبح ما هو طارئ طبيعيا.. وبات الحديث عن القومية العربية أو التضامن العربي رومانسيا أو مضيعة للوقت. وحتى المصالح المشتركة أخذ البعض يشكك بأهميتها. وعلى الرغم من هذا الواقع المتردي للعلاقات بين الدول العربية والذي يدفع البعض للتشاؤم والبعض الآخر للإحباط. فيجب ألا ينتابنا اليأس من إمكانية تحقيق خرق في هذا الاتجاه وأن لا نسلم بالواقع الحالي أو نستكين له.. بل لا بد من مبادرات وقائية أو علاجية لا تستند إلى حسابات الربح والخسارة على المستوى القطري بل على المستوى القومي.. أي على أساس لنربح معا بشكل جماعي فهذا سيزيد من إمكانيات الربح الأحادي إضافة الى الاستناد في هذه المبادرات الى منطق الكرامة القومية والأخلاق والقيم العربية. العلاقة مع لبنان وفي هذا الاطار فإننا نتطلع الى دور أكثر فاعلية تقوم جامعة الدول العربية من خلاله بتحقيق هذا الهدف. ونحن في (سوريا) سنبقى كما كنا داعين وداعمين لأية خطوة تضامنية تصب في المصلحة العليا للأمة العربية. ولا سيما تلك التي تؤدي الى تعزيز نقاط الالتقاء والاتفاق بين الأقطار العربية. مما يساهم في إضعاف نقاط الاختلاف والتفرقة ويمهد الطريق أمام حد معقول من العلاقات المثمرة بين هذه الدول في مرحلة أولى.. ويهيئ لمستقبل أفضل لها في مراحل لاحقة. وعلينا ألا نتأخر في البدء بذلك لأن الوضع العالمي الجديد يعطي الموقع للأقوى وهذا ما دفع العديد من الدول إلى إقامة تكتلات مختلفة الأشكال تعطيها المزيد من القوة لمواجهة التحديات العالمية وتزيد من هامش الحركة لديها. فالأحرى بنا.. نحن الذين نمتلك الكثير من المقومات لقيام قوة متماسكة أن نسعى لهذا الهدف المشروع. ونحن نعتبر ان العلاقة مع (لبنان) الشقيق هي نموذج للعلاقة بين بلدين عربيين.. لكن هذا النموذج لم يكتمل بعد وبحاجة للكثير من الجهد لكي يصبح مثاليا بحيث يحقق المصالح المشتركة بالشكل الذي نطمح إليه في كلا البلدين، ومع ذلك فإن التضامن السوري اللبناني عبر السنوات الماضية قد حقق الكثير مما لم يكن من الممكن تحقيقه لو أن كل بلد عمل بمفرده وبمعزل عن الآخر.. وإيقاف الحرب الأهلية.. وبناء الوفاق الوطني إضافة الى التراجع الإسرائيلي في الثمانينيات والتسعينيات وصولا الى الاندحار الأخير للإسرائيليين في شهر أيار الماضي.. لدليل واضح على أهمية هذا التضامن. وطبعا هذه الانجازات استندت بشكل أساسي على تكاتف ووحدة الدولة والشعب اللبنانيين مع المقاومة الوطنية الباسلة. وسنبقى في (سوريا) نقف مع (لبنان) وندعمه في قضاياه الوطنية كافة وخاصة فيما يتعلق باستعادة كامل ترابه الوطني وعودة أسراه المعتقلين في السجون الإسرائيلية والوقوف في وجه التهديد الإسرائيلي المتكرر بالاعتداء عليه. وهذه التهديدات وأمور سلبية أخرى لا تخدم السلام في المنطقة بل تبقي على بؤر التوتر قائمة.. وهذا من شأنه أن يبقي التهديد بدورات عنف جديدة محتملا الى حد كبير.. كما يؤدي إلى زيادة العراقيل والعقبات التي تقف في طريق إحلال السلام العادل والشامل. لماذا لا يعطوننا ال5$؟ في هذا الاطار فإن (اسرائيل) ما زالت تحتل أرضنا في (الجولان) وهو موضوع يشكل همنا الاول وشغلنا الشاغل. وتحرير أراضينا المحتلة هو هدف أساسي وموقعه في المقدمة من سلم الأولويات الوطنية... وأهميته بالنسبة لنا توازي أهمية السلام العادل والشامل الذي اعتمدناه خيارا استراتيجيا... لكن ليس على حساب أرضنا ولا على حساب سيادتنا. فالأرض والسيادة هما قضية كرامة وطنية وقومية ولا يمكن... وغير مسموح لأحد... ان يفرط بها او يمسها ولقد كنا واضحين في تعاملنا... ثابتين في مواقفنا منذ بدء العملية السلمية في مدريد عام (1991) وذلك بعكس السياسة الاسرائيلية التي اتسمت بالتذبذب حينا وبوضع العراقيل احيانا اخرى. وحتى هذه اللحظة لم يقدموا أي دليل يجعلنا نثق ان لديهم الرغبة الصادقة في إنجاز السلام... بل انهم يطرحون طروحات مختلفة للتغطية على ما يضمرونه... فيطلبون منا ان نكون مرنين... ويقصدون بذلك ان تكون الأرض مرنة... وبالتالي يضغطون على حدودها ويقلصونها بالشكل الذي يناسبهم ويناسب مصالحهم او يرسلون من يطلب منا ان نوافق على خط معدل عن خط الرابع من حزيران ونطلق على هذا الخط الجديد المعدل اسم خط الرابع من حزيران وكأن الاختلاف هو على التسمية... ثم يقولون لنا خذوا (95) بالمئة من الأرض وعندما نسأل عن ال(5) بالمئة الباقية يقولون هي ليست مشكلة... بضعة أمتار يجب الا تكون عائقا في وجه السلام... فإذا كانت هذه البضعة أمتار ليست مشكلة ولا يجب ان تكون عائقا في وجه السلام لماذا لا يعيدون خط الرابع من حزيران ويعطوننا خمسة بالمئة من الجانب الغربي من البحيرة. لقد راهنوا على أشياء كثيرة... راهنوا على صحة القائد (الأسد)... ونسوا ان القادة الوطنيين الذين يدخلون التاريخ من بوابة الوطن... يدخلون الى عالم الخلود من البوابة ذاتها ولا يدخلونها من بوابة التفريط والتنازلات، راهنوا على القوة العسكرية ودُحروا في (لبنان). راهنوا على وحدتنا الوطنية وأفشل شعبنا هذا الرهان. والآن على ماذا يراهنون، ان الرهان الوحيد الذي يمكن ان يكتب له النجاح هو الرهان على إرادة الشعوب في استعادة حقوقها وذلك من خلال استعادة الأرض كاملة حتى خط الرابع من حزيران (1967)، وعندها فقط يمكن الانطلاق باتجاه السلام العادل والشامل. إننا ندعو الولايات المتحدة الاميركية لأن تقوم بدورها بشكل كامل كراع لعملية السلام بشكل حيادي ونزيه اذ لا بد من ممارسة التأثير المطلوب لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية بما نصت عليه من حقوق للشعب اللبناني والسوري والفلسطيني. ونؤكد هنا على اننا مستعجلون لتحقيق السلام ولكننا غير مستعدين للتفريط بالأرض ولا نقبل لسيادتنا ان تمس... بمعنى اننا نستعجل السلام لأنه خيارنا والشعب العربي السوري شعب محب للسلام عبر التاريخ... ولأننا مشتاقون لكي يعود الجولان كاملا ويعود أهله الى الوطن وغير مستعدين للتفريط بالأرض لأننا لا نقبل بها منقوصة او على حساب السيادة الوطنية. وأهلنا الصامدون فيها لن يكونوا لا اليوم ولا في المستقبل القريب او البعيد... الا عربا سوريين... ولان الزمان مهما طال... فإن هذه الأرض ستبقى لنا وستعود كاملة عاجلا ام آجلا... ولن نكون مستعدين لدفع ضريبة عجز الحكومات الاسرائيلية وعدم قدرتها على اتخاذ القرارات التي تدفع عملية السلام للأمام من حساب سيادتنا وكرامتنا. فكرة السلام التي يلقونها في الملاعب المختلفة حسب مزاجهم هي كرة ثقيلة... وحملها يحتاج الى رجال دولة قادرين على اتخاذ قرارات صعبة وليس لمجرد مسؤولين في أي موقع كانوا فيه كلما حملوا معهم هذه الكرة مالوا ومالت معهم المناصب. ان سيادة الالتزام بمبادئ الشرعية الدولية تتطلب من منظمة الامم المتحدة ان تقوم بمهامها التي نص عليها ميثاقها بصورة موضوعية وبعيدا عن التأثيرات المختلفة التي يمكن ان تحد من تطبيق هذه المبادئ بشكلها الامثل... بحيث نصل الى عالم خال من الصراعات وبؤر التوتر... يسوده السلام والعدل والديموقراطية في العلاقات بين الدول ويتعمق فيه الحوار بين الحضارات المختلفة في عالم اليوم. إضافة الى ان ذلك يتطلب ان تأخذ دول الشمال الغنية مسؤولياتها الانسانية تجاه دول الجنوب. بهدف الوصول الى عالم أكثر أمنا واطمئنانا... وبالتالي أكثر استقراراً. إننا نتطلع الى بناء أوثق الصلات مع الدول والشعوب والمنظمات الدولية... على قاعدة الاحترام المتبادل والتعاون البناء وصيانة الأمن والسلام الدوليين وانطلاقا من احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها بالشكل الذي يضمن تحقيق مصالحها الحيوية. ونحن نتحدث عن كل ما يخص وطننا وشعبنا داخليا وخارجيا، علينا الا ننسى ان هنالك جنوداً مجهولين لا يقدمون جهودهم فقط... بل أرواحهم وبلا ثمن. انهم أبناء قواتنا المسلحة حماة ديارنا ومصدر فخارنا وعرين الشجاعة والبطولة. والذين كانوا وسيبقون مستعدين للدفاع عن الوطن ونصرة أشقائنا... وستبقى قواتنا المسلحة رمزاً للشرف والانضباط والسلوكية الوطنية والقومية وستكون دائماً موضع عنايتنا واهتمامنا لتبقى قادرة على القيام بمهامها عندما يدعوها الواجب. فكل المحبة والتقدير الى جيشنا الباسل والتحية والإجلال الى شهدائنا الأبرار الذين سقطوا في معارك الشرف والفداء. ولا يفوتنا ان نذكر أهلنا الصامدين في الجولان المتمسكين بوطنهم وعروبتهم الرافضين للوجود الصهيوني بكل أشكاله. ونقول لهم نحن معكم وصمودنا معا هو ضمانة التحرير. أما في (لبنان الشقيق) فإن المقاومة الوطنية الباسلة قد سطرت أروع ملاحم البطولة والاستشهاد وستبقى بنهجها وإنجازاتها نموذجا سيعيش مع الأجيال طويلا. ايها الشعب الغالي... ثقتي بكم لا حدود لها ومحبتي كذلك. وأرجو ان تسمحوا لي ان أؤكد لكم حقيقة أشعرها... وهي ان الرجل الذي عرفتموه وأحببتم بعضا من صفاته... وبادلتموه الثقة والمحبة... لن يغير فيه المنصب شيئا. وهو الذي انطلق من بين الناس وعاش معهم سيبقى بينهم وواحداً منهم. وتوقعوا ان تروه في كل مكان معكم... سواء في موقع العمل او في الشارع او في أماكن نزهتكم يتعلم منكم ويشد عزيمته بتواصله معكم ويعمل من أجلكم كما كان عهده دائماً... فالانسان الذي أصبح رئيساً سيبقى هو نفسه الطبيب والضابط وقبل كل شيء المواطن. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.