الفنان عبد الله السيد: درس الفلسفة واختص بعلم الجمال التجريبي (جامعة السوربون الأولى في باريس). درس النحت على يد الفنان النحات المصري أحمد أمين عاصم. واختص بالنحت النصبي على يد النحات الفرنسي ايتان مارتان في مدرسة الفنون العليا في باريس. وهو أستاذ الدراسات العليا في النحت وعلم الجمال التجريبي في كلية الفنون الجميلة بدمشق. له العديد من الدراسات والأبحاث منها مثلا (الأعراق الجمالية في التصوير السوري الحديث وحلم الدماشقة، النحت الآرامي في مدينة جوزان الآرامية) عضو اللجنة الأولمبية السورية لتوثيق وحفظ وترميم آثار الفن السوري، يعمل حاليا على استكمال النحت الآرامي وتوثيق البيت الدمشقي. { نحن العرب بكل تطورنا نعيش عداءً داخلياً (موروثاً) مع الأصنام. أنت تصر على الإبداع بالحجر لماذا؟ (يمج سيجارته ويبتسم بهدوء: سؤال جميل يا أحمد).. الرابطة بين الحجر والصنم وقتية..، فقد استخدم الحجر أيضا لغير ما يسمى بالصنم. الصنم شكل أو منحوتة كانت معبودة، وما ينتجه الفنان المعاصر يخالف هذه العلاقة فالحجر أداة أو عنصر مادي يستقرئه الفنان ليجعل منه وسيلة تعبيرية أو عملا تعبيريا. الصنمية غير مرتبطة فقط بالحجر انها ترتبط بالعقلية. هناك صنميون كثر في كل مجالات الحياة العربية حاليا. من المفارقة ان الحجر الذي استخدم سابقا في مثل هذا المجال قد تجاوزه الفنان المعاصر فجعل منه لغة بصرية حركية تتجاوز إطاره الوقتي الذي أشرنا إليه، بالطبع فإن إصراري على استخدام الحجر مرحلة من مراحل اكتشافي لمواد التعبير المتعددة كالخشب والمعدن والبولسترين رغم هذا فإن شخصية الحجر تبدو في بعض الأحيان أكثر جاذبية لأنها تتجلى بشخصية وخصائص تدفعني لاستغلالها في إنجاز ما أريد قوله بلغة نحتية أي بصرية فراغية. { المنحوتة لديك مزدحمة بأبعاد (ميثولوجية) عبر عوالم بحد ذاتها مزدحمة..، ماذا تريد أن تقول؟ الفن والميثولوجيا والحلم وقائع تخضع لمنطق واحد في التركيب البنيوي. ربما كل عمل فني حلم أو أسطورة وربما كل أسطورة عمل فني. في هذا المجال يثبت الإنسان حريته في التشكيل والإبداع وفي هذا المجال يحلم الفنان بما يريد ان يكون، في بعض الأحيان يتداخل الواقع مع هذا الحلم فيصبح تركيبا يعيشه الفنان وبالتالي يحقق فيه إنسانيته..، ربما كانت الإشكالية الأساسية اننا نحس بمثل هذا الحلم عبر الرؤى المطلمسة، وبالتالي فإننا نشير أو نومئ إيماء ونوحي إيحاء للمتلقي بما يريد الفنان ان يقول ولربما هو اشتهاء القول.. وفي خاصية الإيماء والإيحاء فإن الفنان يشارك أو يشرك المتلقي في إبداعه.. فيجعل منه فنانا بالمشاركة، وبالتالي فالعمل الفني أيا كان نحتا.. شعرا... الخ، يتناسل ويتطور بين الناس. النحات يبدع فضاء حرا للراغبين في المشاركة بهذه الحرية. نحت الطفولة { لماذا كل هذا الشغف بالأعمال النحتية الكبيرة. في زمن لا يتسع لذاته؟ كانت حياتي الطفولية في بيئة طبيعية جبلية حيث كل كتلة في منطقتنا نسميها (الشير) وهي كتل صخرية عملت فيها عوامل الطبيعة ما عملت..، ربما هي وراء شغفي بالأعمال الكبيرة. كنت أرى في كتلة الصخر عالما إنسانيا جيولوجيا ذا معنى، كذلك الغيوم المتراكمة في سماء منطقتنا كانت مليئة بتشكيلات إنسانية وحيوانية وقد حاولت أن أنقل هذه العوالم وأن أمتح منها حتى الآن. في آخر أعمالي النحتية (سفينة نوح الدمشقية) الذي لم أنفذ منه إلا فصلا واحدا وسوف تليه فصول أخرى في هذا العمل عدت لأعمل وفق أسلوب يتقاطع مع عمل قوانين الطبيعة من حيث التكسير والتشذيب وعضوية الأشكال ذلك ان قوانين النحت الطبيعي تبدو لي كأنها استعادة لذكريات الطفولة.. كأنها الحنين للبراءة الأولى. هنا أود أن أقول: ان عمل الفنان على مدى حياته هو عمل غير مكتمل وهو عمل واحد.. في كل مرة يتناول جزءا ولن يختتم أو يكتمل هذا العمل إلا بوفاته المهنية. { في (سفينة نوح الدمشقي) آخر أعمالك النحتية (2000) تجسيد لعذابات أمة.. تبحث عن صليب الخلاص. العمل الفني هل هو صليب الخلاص برأيك؟ سفينة نوح صرختي في بداية الألف الثالث... انها سفينة المعذبين والصامتين والصارخين والغاضبين والمحزونين. هذه النماذج التي نراها في صراعات الأمم والشعوب وصراعات الطوائف والمذاهب لن ينقذها إلا تحكيم العقل.. لهذا كان سقراط جالسا في هذه السفينة وهو يشرب كأس موته الأخير. أيضا في (سفينة نوح الدمشقي) دعوة الى الإيمان بالآخر وتفهم هذا الآخر والحوار معه على كل المستويات وهذا ما يتطلب مناخا مهما من الحرية وديموقراطية الرأي. وبالتالي صدق الإنسانية سيغرق العالم ونحن نعيش هذا الآن في طوفان الصراعات والخلاص هو بالمنهج الذي نهجه سقراط حيث نكتشف أنفسنا والآخرين عبر الحوار وعندما يكون العمل الفني خلاصا لمبدعه فإنه يشير وبشكل ما الى خلاص جماعي فعلى كل انسان ان يكون فنانا ليبدع حياته وحلمه وخلاصه. ان منحوتتي (سفينة نوح الدمشقي) هي صرخة ونذير لكل الناس وقد وجدت بعض الصدى لدى الذين شاهدوها والذين وقفوا يتفكرون. نحت العشق { لفتني مشهد لعشاق كثر راحوا يلتقطون لذكرياتهم الصور امام منحوتتك الموسومة بعنوان (شرخ المحبة) (وهي في المدينة الرياضية باللاذقية) الى ماذا تعزو ذلك؟ منحوتة (شرخ المحبة) هي تمجيد للعشق والعشاق.. وهي بالدرجة الاولى تعبير عن ذلك النضال الانساني للتواصل مع الآخرين فهي تقتنص تلك الحالة النموذجية بين الذكر والانثى ومحاولة الاندماج والتوحد. العاشقون يبنون جملة من العلاقات وهذا ما نسميه العشق. ولبناء هذه العلاقات فان الانسان ذكرا ام انثى يجاهد للوصول الى نوع من الانسجام والتداخل مع الآخر مع ذلك فإن هذه النواة تبدو عميقة وذات قشرة صلبة تتعلق بحالته الوجودية والمصيرية ما من امرئ يستطيع ان يجزم انه وصل الى اعماق الآخر. جمال العشق في الجهاد بالوصول الى آخر يستطيع ان يضع رأسه على كتفه وهذا ما يذكرني بأسطورة يونانية كيف تم خلق الانسان وتوحده بعد ان كان كائنا واحدا..، يا أحمد لو تعمقت في تأمل (شرخ المحبة) لوجدت ان عين العاشق تصغر وتكبر مع حركة الشمس أنا اكتشفت ذلك بعد ان انتهيت من المنحوتة.. لربما حاول العشاق الذين سألتني عنهم ان يقتنصوا فرح او حزن عشاق: (شرخ المحبة). { ثمة شاعرية تندغم في بعض اعمالك. هل هذا يعني انك ميال للشعر مثالا؟ »صليت ركعتي عشق على جبل قاسيون طارت حمامتان واحدة فتحت باب المشرق واحدة فتحت باب المغرب .... استلقيت في سفينة الشمس بينهما«. هذه الكلمات نقشتها على (سفينة نوح الدمشقي) كانت محاولة مني للاقتراب من عوالم الشعر وربما هي محاولة لقول ما لا يقال بالنحت وانا انزع للتعبير عن نفس يوفق الاحوال ووفق ما تيسير لي من مواد تعبيرية، انني ابتدع نفسي واشارك هذه النفس ابتداعها مرآة تعكس مرآة.. هو نوع من الاستيطان للتجول في مناخات قد لا تكون متباعدة ولكنها متنوعة. يمكن للمرء من خلال الفن، النحت او الشعر او العشق ان يكون فنانا. وبالمناسبة فانني احلم واطمح حين تتوفر لي الشروط لابتداع العمل الذي يتوجه للانسان بكليته أي الى حواسه والى جسده الى فكره وعقله ووجدانه، متى انجز هذا لست ادري. { صلاح الدين الأيوبي، ابو تمام الشاعر، العاشق المرتبطة عينه بالشم، سقراط في كأسه الاخير، ترى من منهم عبدالله السيد؟ هذه الشخصيات.. شخصيات منحوتاتي.. تلك الوجوه ما هي إلا اوجه عبدالله السيد. ربما كان من الخطأ ان ننظر الى الانسان بشكل أحادي. الوجه..، الاعمال التي اشرت اليها هي حالات.. مقامات في تجربتي الوجودية مع العالم، وكثيرا ما اشار الآخرون الى انني حتى بملامح وجهي اتواجد في هذه الاعمال.. أنا اتلبسها وهي تتلبسني واعيش معها حوارات لا تنقطع.. وفي اعماقي ادرك حنيني الدائم لها.. المليء بالاحتمالات المفتوحة على المستقبل ولولا هذا الحبل السري غير المقطوع الذي يشدني اليها لتوقفت عن العمل، انني اتنفس شعر ابي تمام وحماسة صلاح الدين وظمأ العاشقين ونبوءة المرسلين واماني المعذبين، فالانسان مصلوب في فضاء العالم، مصلوب في علاقته مع الآخرين، والآخرين ما هم إلا اوجه للانسان في كل مكان. (دمشق)