As Safir Logo
المصدر:

وصايا السينما

المؤلف: ابراهيم بشار التاريخ: 2013-11-08 رقم العدد:12623

ليس من المبالغة في شيء، القول إن فيلم «أحلام المدينة» أحدث انقلاباً في سياق السينما السورية، وانتقل بها من حيّزها السوري المحلي، الذي دارت في فلكه على مدى عقد ونصف، منذ أواخر الستينيات ومطالع السبعينيات من القرن العشرين، ووضعها على خارطة الاهتمام العربي، جديرةً بالاحتفاء والتقدير. بل إن الفيلم صنع عتبة فنية عالية، بات من العسير تجاوزها. لا يُفلت ملص واقعية الحكاية، المُستلهمة من ذاكرته الطفلية، التي شهدت خمسينيات القرن العشرين بعيني الطفل الذي كانه، في الوقت ذاته الذي ينحو به نحو صياغات سينمائية جمالية حافلة بالشعر والدلالات والتعبيرات، التي تمنح الفيلم حياة وحيوية، تأخذ بوجدان المشاهد إلى مناطق يتعلّق بها، حتى لو لم يعايشها بنفسه، ويتلظّى بأوارها، في مزج مُحكم ما بين التوق العظيم إلى الأحلام الكبرى، وقسوة الخيبات المؤسفة في الواقع السياسي والاجتماعي والنفسي، تلك التي تنكشف عن القمع والقهر وقلّة الحيلة، في مشاهد رائعة باتت أيقونات سينمائية، سنجد ملص نفسه يلجأ إلى محاكاتها، في أحدث أفلامه «سلّم إلى دمشق» 2013. المنام وفي منتصف المسافة ما بين فيلمه الروائي الطويل الأول «أحلام المدينة»، وفيلمه الروائي الطويل الثاني «الليل»، اشتغل ملص على فيلم وثائقي متوسط الطول (45 دقيقة)، جاء بعنوان «المنام»، عام 1988، بإنتاج مشترك بين «دائرة الثقافة والإعلام» في منظمة التحرير الفلسطينية، وشركته الإنتاجية «مرام للسينما والتلفزيون». فيلم «المنام» وثائقي، هام بفكرته وتنفيذه، على المستويين المضموني والفني، إذ يبحث المخرج محمد ملص بفنية صافية عن تلك الأحلام التي تغزو الفلسطينيين في نومهم؛ فمن خلال أحلام الليل عندهم، نكتشف أو نستقرئ أحلام النهار، في فيلم متماسك مؤثّر، يُحسن توظيف الكلمة، والصورة، والموسيقى، والأغنية، والقصيدة، والنصوص القرآنية. من خارج النسقية الروائية المكتوبة، أو المحكية الشفوية الفلسطينية، الطافحة بتحليلات أو يقينات أو تأكيدات، يجيء فيلم «المنام» لا ليضيف شيئاً إلى السردية الفلسطينية، المُتبناة، ولا ليحاكمها، أو يمتحن علاقتها بالتاريخ الذي يصنعه الكثيرون، سواء من الفلسطينيين بدمهم، أم غيرهم برصاصهم أو بأموالهم، بل إنه ينتهج روايته في سياق مفارق ومواز؛ حُلُميّ، وربما مُستجدى برغبات ومطامح وتوق، يتكوّن في عقلية حاضرة، ولا يتجاوز الراهن، بل يتأمّل فيه، ليقفز إلى المأمول، وليداخل في تلك الرواية الُممكن الواقعي الحياتي، بالمرصود المأمول المُشتهى. ثمة ما يشي بتجاوز تفاصيل الواقع الثقيل، إن لم يكن بتغييره، فبحلم تغييره، على الأقل. الليل بمرور عشر سنوات على «أحلام المدينة»، بدا واضحاً أن ملص يزمع إنجاز ملحمته السينمائية التالية. فيلم «الليل»، عام 1993، وبتعاون فني لملص مع المخرجين أسامة محمد وعمر أميرالاي وقيس الزبيدي، حمل طموحاً سينمائياً كبيراً، إلى درجة أرهقت الفيلم نفسه. استلهام من مرجعية سينمائية عالمية، وغوص في ثنائية الواقعي والحُلُمي، الحاضر والمُشتهى، الحكائي والرؤيوي، وكسر نادر للسياقات السردية المُعتادة، مع حشد بصري باذخ، أفضى إلى فيلم خاص، يحتاج مشاهداً من طراز أكثر خصوصية. يقدم فيلم «الليل» مدينة القنيطرة بحبّ كبير، وذاكرة فياضة. القنيطرة في ثلاثينيات القرن العشرين، الملأى بالناس الطيبين، كما بالملوثين بالطمع والجشع، بالأمكنة الودودة. القنيطرة التي باتت محطّ قوافل المتطوعين الذاهبين إلى فلسطين، ستكون الإطار الذهبي لذاكرة الإنسان، وذاكرة المكان، وذاكرة الحدث. هذا الذي يأتي استمراراً لنظرة ملص في فيلم «أحلام المدينة»، عندما توغّل في أحياء دمشق القديمة وحاراتها الشعبية، وليشهد على براعة العين السينمائية، التي تأخذ تشكيلاتها طعماً حلواً حيناً، مرّ المذاق حيناً آخر، اتكاء على فرحنا وحزننا، انتصارنا أو هزيمتنا. يظهر الطفل، مرة أخرى، في «الليل»، إنه المحتقن بالذاكرة الطازجة، كما بالذاكرة المُشتهاة. هذا الحضور الرؤيوي الذي يمثله الطفل، ويعيد من خلاله سرد حكاية الأب والأم والأسرة، المكان، الوطن، الأحداث، والتفاصيل الصغيرة والكبيرة، ذاك ما بات أسلوباً لدى ملص. الطفل هنا شاهد على هذه الوقائع ومفرداتها، وحامل لها إلى أفق آخر، وزمن آخر هو زمن هذا الطفل، عندما يأتي في فيلم لم يحققه ملص بعد. ومع اختلاف تواريخ السرد، التي بدت مُمهِّدة لما ورد في «أحلام المدينة»، في ثنائية سردية تتكامل في ما بينها، ومع اختلاف البيئة والرؤى البصرية والجمالية، لا يغيّب ملص صورة القهر، منتقلاً ما بين الأم والأب، الذي مضى مقهوراً مهزوماً. يذهب «على الله» (فارس الحلو)، في إطار أفواج المتطوعين لمقاتلة الصهاينة الطامعين بفلسطين، ويتوارى طيّ أحداث لن نرى منها إلا عودته خائباً مهزوماً، وستمتدّ هزيمته بدءاً من سقوط فلسطين، إلى سقوط القنيطرة ذاتها، وموته الملتبس. لا شك في أن فيلم «الليل»، فيلم كبير، وإن لم يتحقّق له النجاح الذي أصابه «أحلام المدينة»، للعديد من الاعتبارات الفيلمية، وغير الفيلمية، بل يمكننا القول إن في «الليل» دروساً سينمائية تستحقّ التوقّف عندها، وتملّيها. الاقتراب من المحظور ومع «فوق الرمل تحت الشمس»، عام 1998، يعود محمد ملص مرة ثالثة إلى صناعة الفيلم الوثائقي. فيلم بقي محدود المشاهدة، خاصة في سوريا، يتمّ تداوله على هيئة منشور سرّي، وهو يتناول واقع معتقلي الرأي السوريين، ومعاناتهم وأهليهم بسبب التغييب القسري، خلف قضبان الاعتقال السياسي. حكايات مريرة يتناوب بعض من خاضوا هذه التجربة على قولها، في صياغات سينمائية تنفر من الواقعية، وتقترب من الشاعرية، على رغم المأساة الطافحة التي ينثرها الفيلم في وجوه مشاهديه. «فوق الرمل تحت الشمس»، محاولة سينمائية نادرة للاقتراب من المحظور والمسكوت عنه في سوريا الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين. فيلم كان يمكن له أن يضع المخرج محمد ملص على قائمة «الملعونين» رسمياً، لولا أن الفيلم قُوبل بالتجاهل والنكران، وكأنه لم يكن، إلى درجة أن خلت فيلموغرافيا المخرج منه، في كثير من المصادر، الرسمية السورية، وغير الرسمية، في غير موقع، تماماً في الوقت الذي يمكن اعتباره وثيقة سينمائية على قدر كبير من الأهمية، والحضور، إلى درجة أنه سيكون أحد مفاتيح فيلم ملص الأحدث «سلّم إلى دمشق». ومع «باب المقام»، 2005، و«المهد» 2006، يمكن القول إن محمد ملص ذاق طعماً لا يروق له، ولا راق لنا. تجربتان جاءتا ملفّعتين بالمشاكل التي أمكن لها إلقاء ظلالها على وهج حضور المخرج وتميزه وتألقه. سلم إلى دمشق في «سلّم إلى دمشق»، عام 2013، التجربة السينمائية الأحدث للمخرج محمد ملص، التي تعاون فيها مع السيناريست سامر محمد إسماعيل، تتكثّف الخلاصة السينمائية التي أرادها ملص. عودة إلى تناول الراهن، منظوراً إليه من خلال رؤية ملص للأحداث، وموقفه منها، وعبوراً لأفلامه جميعها، في استعانات مشهدية وبصرية واضحة، تعيدنا إلى غير فيلم حققه محمد ملص، من قبل. على إيقاع ما يدور في سوريا الآن، يلتقط ملص شخصياته الواقعية، من شباب وصبايا، ويضعهم في بيت واحد، واضح الدلالة، عليه أن يقبلهم ويضمّهم جميعاً، على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم وأهوائهم وهواياتهم، كما على اختلاف مرجعياتهم ومصائرهم وأقدارهم. تدور الحرب على حافة البيت، الذي نعيش جلّ الفيلم فيه، متنقلين ما بين غرفه، والمقيمين فيه. تتصادى الحرب في الأسماع، دون أن نراها. حرب نعيشها، وتتهدد مصائرنا جميعاً، والكارثة بالانتظار. ومن خلال عاشق لها، يحوّل ملص السينما مسباراً كاشفاً لما كان، وما سيكون. مزج بصري بين الواقعي والسينمائي، ولجوء إلى ألعاب بصرية، ستبدو نافرة عن مدرسة ملص السينمائية، ولا مبرر لها سوى التحايل على ضيق المكان، وضيق الروح، يعزّز ذلك الاستنتاج أيضاً استعانته بلقطات وثائقية، من واقع الحرب السورية، تروم تصعيد الحالة السينمائية الهادئة، المعروفة عادة عن ملص، إلى مستوى الصراخ البصري، الذي تتلوه صرخة صوتية عالية، أقرب إلى الزفرة الأخيرة. وصية سينمائية؟.. ربما نعم. وصية سياسية؟.. ربما نعم. وفي الحالات جميعها، بدا واضحاً أن المخرج محمد ملص يعود مع «سلّم إلى دمشق»، إلى نفسه، وذاته، وإلى ظاهرته السينمائية. يعود إلى دمشق، ويعود إلى الدراما الاجتماعية، للناس العاديين، ويعود إلى السياسة، ويعود إلى الحرب، ومع هذا كله يعود إلى منابعه السينمائية، التي نهل منها، واتكأ عليها، وبنى بها سيرة سينمائية متميزة، لمخرج سوري وعربي كبير. (ناقد سينمائي فلسطيني)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة