»انزعوا الاغلال عن المساجين السياسيين«. هذه التعليمات سوف يكررها رامون فاسكيز في بداية ونهاية فيلم لويس بونويل: »الحمى ترتفع في إل باو« (La Fiڈvre monte ˆ El Pao) الذي يصوّر كيف تقود السلطة الى الفساد مهما كانت نوايا صاحبها حسنة، فهو حين يدخل عالم السياسة والمناصب يضطر الى اجادة قوانين اللعبة، وإلا كان هو الضحية. رامون الذي يتمتع بأخلاق ومثالية عاليين يبدأ بالعمل كمساعد لحاكم المدينة وينتهي هو نفسه في هذا المنصب، إنما بعد تورطه في سلسلة مكائد سياسية نتيجة حبه لامرأة وايضا لثقته بأنه اذا استلم منصبا نافذاً يستطيع تطبيق قناعاته واحلال شيء من العدالة، ومنها ان يمنح المحكومين بالاشغال الشاقة فترات استراحة عدة يوميا، وان يعفي المساجين السياسيين من العمل ومن الاغلال. هذا الفيلم هو من بين اعمال لويس بونويل التي لا تحمل اي اثر للسوريالية التي صبغت غالبية افلامه بدرجات متفاوتة. فالمخرج الاسباني المولود في بداية القرن العشرين، والذي عاش بداية شبابه في فرنسا قد تأثر اولا بالسورياليين والدادائيين، فكان فيلمه الاوّل »كلب اندلسي« (1929) Un Chien Andalou الذي انجزه مع سالفادور دالي بمثابة صدمة للجمهور. هذا الفيلم القصير والصامت يشكل للبعض مصدر انزعاج نفسي وكأنه جلسة تعذيب سيكولوجي، خصوصاً المشهد الشهير للشفرة التي تقطع عينا. استمر بونويل بإثارة الفضائح في باريس حيث منع عرض فيلمه »العصر الذهبي« (1930) (LصArge dصOr) بسبب اباحيته وتطرفه في انتقاد الاكليروس واخلاق البورجوازيين، وهو لم يتوقف قط عن انتقادهم بأسلوبه الساخر، وايضا في رد فعله الواضح على تربيته الجيزويتية. وخلال اكثر من نصف قرن من السينما واربعة وثلاثين فيلما، تنوعت المواضيع التي طرحها بونويل، ولكن كان يجمعها دوما نوع من الحتمية، فشخصياته محكومة إما بسبب ظروفها الاجتماعية او نتيجة هوس مرضي بالجنس الآخر غالبا المرأة ومحاولة تملكها. ولعل في هذه النزعة شيئا من شخصية بونويل نفسه، فحسب ما ترويه زوجته في كتاب مذكراتها »امرأة من دون بيانو« فإنه كان يغار عليها الى حد التطرف ويمنعها من الخروج وممارسة اي عمل او هواية. وهو كان انانياً يمنعها من استقبال اصدقائها وعندما يستقبل هو اصدقاءه يختلي معهم من دونها هي. الزوج في فيلم »هو« (1952) (EL) يحمل الكثير من الشبه لشخصية بونويل، لكنه يذهب الى حد العنف في علاقته الزوجية، ثم الجنون. وحتى في اكثر المواقف جدية ودرامية يستطيع بونويل ان يمرر نقده المبطن. ففي نهاية فيلم »هو« مثلا، بعدها يجن الزوج ويدخل المصح حيث يفترض انه شفي، يدخل الدير لكي يعيش حياة الرهبان، حيث يواصل هؤلاء اقناعه بأنه قد شفي وبضرورة الصلاة من اجل الخلاص. لكن مشيته المتعرجة في المشهد الاخير تترك باب الشك مفتوحا وتحمل دلالة حول نوايا المخرج من خلال ابقاء الرجل المريض نفسيا في الدير وليس في المصح او اي مكان آخر. الهوس موجود ايضا في »فيريديانا« (1961) و»تريستانا« (1969) وكذلك في (Cet Obscur Objet du Desir). أما المحطة الاهم في سينما لويس بونويل فهي فيلم »المنسيون« (1950) (Los Olvidados) الذي يصوّر حياة الاولاد المتشردين الذين ينحرفون نحو السرقة والقتل واستغلال القوي للضعيف. هذا الموضوع الذي بات اليوم طرحه مسألة اعتيادية ويومية لم يكن كذلك في الخمسينات، وقد اثار الفيلم نقمة لدى السلطات المكسيكية اذ اعتبر اهانة للمجتمع المكسيكي وقيمه، خصوصا انه يتضمن مشهدا حيث ام ترفض اطعام ولدها عقابا له على مصاحبته للاشرار. وتنبع اهمية هذا الفيلم ايضا من كونه يجمع بين الواقعية والسوريالية في تصوير موضوع لا يحتمل السوريالية. هنا يدخل بونويل الصور اللامعقولة عبر حلم الولد »بيدرو« عندما يدخل خلسة لينام في سريره بعدما كانت والدته قد طردته. هذا التداخل او المزج لم يضعف بتاتا قوة الصور الواقعية وقسوتها. وحسب رؤية بونويل فإن مصير هؤلاء الاولاد محتم بالموت، وهو يقولها بلسان المتسول الاعمى في الختام: »يجب ان يقتلوهم قبل ان يولدوا«، وكأنه يقول ايضا انه ليس من مكان لهؤلاء في المجتمع حتى بين من هم مثلهم. ولتأكيد رؤية بونويل التشاؤمية، تم في العام 1996 في المركز السينمائي في مكسيكو اكتشاف لقطات فيها نهاية مختلفة لفيلم »المنسيون« حيث لا يموت بيدرو ويعود الى المدرسة الاصلاحية حيث استاذه كان يراهن على عودته. ويعتقد ان المنتج كان قد طلب من بونويل تصوير نهاية اكثر تفاؤلا، إلا ان هذا الاخير قرر الابقاء على النهاية كما يراها هو. بين بلد الأم اسبانيا وانطلاقته في باريس ثم هجرته الى مكسيكو، هناك مرحلة في حياة بونويل أقام فيها في الولايات المتحدة بين العامين 1938 و1943 حيث عمل في القسم الوثائقي في متحف الفن المعاصر، بالتعاون مع مؤسسة مهمتها توعية دول اميركا اللاتينية حول خطر النازية، وكان عمل بونويل يقتضي اعادة توليف افلام البروباغاندا النازية بشكل يظهر تطرفها وخطرها. فكان أول فيلم عمل عليه بونويل هو »انتصار الارادة«، اخراج ليني ريفنستال. طوال القرن الماضي اعتبر بونويل ظاهرة فريدة في غرابته و»جنونه« الذي وضعه في افلامه، ولعل قمة هذا الجنون قوله في مذكراته انه مستعد لان يحرق كل افلامه. لكنه توفي في 29/7/1983، من دون ان يتمكن، لحسن الحظ، من تحقيق ذلك.