As Safir Logo
المصدر:

«حياة آديل».. الاختلاف العادي

لقطة من فيلم «حياة آديل»
المؤلف: يونس ايمان حميدان التاريخ: 2013-10-11 رقم العدد:12602

الفيلم للمخرج الفرنسي من أصل تونسي عبداللطيف كشيش، الذي حاز على السعفة الذهبية في «مهرجان كان» لهذا العام، كان باستضافة معهد العالم العربي في عرض اول قبل ان تبدأ عروضه هذا الاسبوع في الصالات الباريسية. استضافة الافلام الجديدة بعرض اول مشروع بدأ به معهد العالم العربي منذ تسلم الوزير الفرنسي السابق جاك لانغ ادارة المعهد. عرض فيلم «حياة آديل الفصل 1 و 2» بحضور بعض الممثلين الرئيسيين والثانويين. بطولة ليا سيدو وآديل ايكزاكوبولوس اللتين لعبتا دوري امرأتين مثليتين ينشأ بينهما شغف متبادل وعلاقة جنسية عاصفة طغت مشاهدها الساخنة جدا على اجواء الفيلم الذي تجاوزت مدته الثلاث ساعات. الفيلم يحكي قصة امرأتين، آديل مراهقة في الخامسةعشرة وايما تجاوزت العشرين، تلتقيان صدفة وتغرمان بشكل عاصف. آديل وحيدة لأبوين متحدرين من طبقة بسيطة. تجتمع العائلة كل مساء امام التلفزيون للعشاء. تأكل السباغيتي، ذلك الطبق الذي تكرر ظهروه حوالي ثلاث مرات في الفيلم. تحلم وتأكل بشراهة، كما تقبل على القراءة بشراهة مماثلة. تتعرف الى ايما التي اعلنت مثليتها من دون مشكلة امام والديها اللذين ينتميان الى طبقة برجوازية تعيش في قلب العالم الثقافي والفني. تمتلئ جدران منزلهما بلوحات فنية شهيرة، ويهويان جمع اللوحات واقتنائها. يتقبلان ميول ايما الجنسية، التي هي ايضا تدرس الرسم وتعرض عملها الاول الذي هو عبارة عن مجموعة لوحات تعكس جسد آديل المتكئ على مسند الكنبة الطويلة. ولا مشكلة لديهما. إلا أن والدي آديل من نوع آخر. لم تخبرهما ابنتهما بميولها وقدمت اليهما ايما على انها صديقة تساعدها في دروس الفلسفة! قد تكون المرة الاولى التي نشاهد فيها مشاهد جنسية مباشرة وطويلة بين امرأتين في فيلم بعيد جداً عن افلام البورنوغرافيا، بحيث يبدو للمشاهد انها مشاهد حقيقية بين امرأتين سحاقيتين. الا ان اللافت للنظر ان كلا من البطلتين تمثل دورا بعيدا عن هويتها الجنسية اذ تتقاسم كل من الممثلتين حياتها مع رجل وليس مع امرأة. كثير من اللغط دار حول الفيلم وحول سلوك المخرج اثناء تصويره علاقته مع الممثلين والطلب منهم العمل لساعات طوال وبعنف كلامي. تعليقات سلبية صدرت من فريق العمل ومنهم من ترك العمل قبل إنهاء التصوير بسبب سلوك المخرج. وخلال تقديم الفيلم في كان جاءت تعليقات سلبية من بطلة الفيلم الاساسية ليا سيدو، ورد فيها انها لن تعمل بعد الآن مع مخرج الفيلم لسوء تعامله مع الممثلين وفريق العمل. الا ان نجاح الفيلم يغفر للمخرج كل سيئات سلوكه المهني مع فريق عمله ومع الممثلتين الرئيسيتين. سلوك تحدث عنه فريق العمل ووصفوه بالقساوة الى حد الجهنمي. يبقى انه خلال ساعات العرض المتواصل لم يخرج أي مشاهد من الصالة بل بقي الجميع مشدودين الى الشاشة من دون الشعور، بعد انتهاء الفيلم، بمرور 3 ساعات على الأقل! «حياة آديل» ليس العمل المتميز الاول لكشيش، بل حازت افلامه السابقة على جوائز عدة، وإن كانت المرة الاولى التي يحوز على جائزة بحجم السعفة الذهبية. يصور الفيلم حياة الشباب الذين لم ينتهوا من دراستهم الثانوية بعد في الصف والملعب وفي العلاقات بينهم الجنسية والعاطفية. يصور ايضا بيوتهم من الداخل بواقعية مفرطة في منطقة فرنسية قد تكون في شمال فرنسا حيث صورت معظم مشاهد الفيلم. الا ان المكان لا يطغى على الفيلم ولا يبدو لنا انه محور اساسي في تشكيل حيوات ابطال الفيلم ولا مصائرهم. قد يحدث كل هذا في أي مكان، في مدينة كبيرة او في بلدة صغيرة. الشغف تخفي آديل هويتها الجنسية عن الجميع، كذلك حقيقة مشاركتها حبيبتها السكن في شقة واحدة. وليس من الغريب في وضع كهذا ان تتعرض آديل لمعاملة سيئة وسلبية من صديقاتها اللواتي اتهمنها بإخفاء ميولها الجنسية عنهن. هو الخوف من الميول الجنسية المختلفة الذي يخرج عدوانية الآخرين الى السطح، بحيث يغدو الإخفاء هو ايضا تهمة، كذلك الامر التنزه بين هويتين وذلك حين التجأت آديل لزميل معها في المدرسة كأنها بذلك تحاول مرة جديدة العودة الى «الحياة الطبيعية» كما يراها أهلها. ثم بعد وقت وبعد ان تنتهي من دراستها الثانوية لتعمل مدرّسة اطفال، تلجأ مرة أخرى الى زميل يدرّس معها، وتقيم معه علاقة قصيرة سرعان ما تنتهي بالفشل. الا ان هذه العلاقة القصيرة كانت كافية لتدمير علاقة آديل بحبيبتها وطردها من فردوس ايما. مشهد الشجار الحاد بين ايما بعد اكتشافها «خيانة» آديل لها وطردها العنيف من حياتها يشبه أي شجار بين رجل وامرأة. العلاقات هي نفسها، الغيرة، والتملك، وعلاقات السلطة حيث هناك محبوب اكثر من الآخر، قائد أكثر من الآخر، مرجعية أكثر من الآخر. بمعنى آخر ان كشيش قدم لنا نمط علاقة بين امرأة وامرأة لا تختلف على الاطلاق عن علاقة تقليدية بين رجل وامرأة: ايما الفنانة الموجودة في المساحة العامة وآديل معلمة الحضانة التي تهتم بالبيت وتطبخ وتلعب دور مدبرة المنزل، وكذلك تكون موديلا لإيما الرسامة. هنا يسعنا القول ان الفيلم وإن حكى عن علاقة امرأتين الا انه فيلم يتجاوز موضوع المثلية ولا نستطيع حصره بها. هو فيلم عن الشغف، الشغف في كل شيء بما فيه الطعام والادب والقراءة، هو فيلم عن الحب والخوف والتخلي عن الذات من اجل الآخر. هو ايضا عن انتهاء الحب وعن الشعور بالخسارة المطلقة. تقديم الفيلم لموضوعات عدة كالشغف والحب والشباب والفن والأدب والمرأة ككائن حر وفرد، ساهم الى حد بعيد في وضع موضوع العلاقات المثلية في اطار طبيعي وعادي بعيد عن غوغائية اليمين المتطرف في السياسة وفي المجتمع. والفيلم أتى في وقت حاسم ومناسب للفرنسيين حيث كانت التظاهرات ما زالت في الشوارع الباريسية دعماً او رفضاً لمشروع قانون الزواج المثلي الذي أقر صيف 2013 ، ومما لا شك فيه ان قرار لجنة الحكم تقديم جائزة السعفة الذهبية الى فيلم عبد اللطيف كشيش له علاقة مباشرة بموقف تبنته الاوساط الفنية والادبية، داعمة بذلك سياسة السلطة الرسمية في فرنسا ازاء إقرار قانون الزواج المثلي. والفيلم المأخوذ من قصة للكاتبة النسوية والمثلية جولي مارو نشرتها عام 2010 ضمن كتاب مصور (Bande dessinée) بعنوان «الازرق لون ساخن» حاول تسليط الضوء على علاقات بقيت للأمس القريب بعيدة عن النقاش الحر والمفتوح في السينما عبر تقديمها كعلاقة تشبه كل علاقات الغرام، حيث الشغف والغيرة والتسلط والتراجع عن الحب تتشابه في كل علاقة، بغض النظر عن جنس العاشقين. يبقى ان الفيلم اتى مختلفاً عن قصة جولي مارو وان كان قد انطلق منها ومن لون شعر البطلة الازرق الذي اخذت منه الكاتبة عنوان كتابها المصور الذي هو سيرة شبه ذاتية. كتبت جولي مارو في مدونتها، وذلك بعد حصول الفيلم على جائزة «مهرجان كان»، إن ما كان ينقص الفيلم هو ممثلات سحاقيات يقمن بالدور لأن المخرج حسب رأيها قدم نموذجاً للعلاقات الجنسية المثلية بين النساء لا تشبه الواقع، او على الاقل لا تشبه واقع بطلتي قصتها هي. لكن الكاتبة انهت تعليقها بالقول «رغم كل ذلك لا ارى الفيلم خيانة لكتابي»! يوميات مراهقة «حياة آديل» فيلم يصور بواقعية يوميات مراهقة: المدرسة، السهر، البحث عن الهوية الجنسية، العلاقات، البيت، الصمت في البيت، تناول الطعام، خصوصاً السباغيتي مع الصلصة الحمراء..... ومشاهدة التلفزيون خلال العشاء الصامت الذي لا يتخلله سوى صوت مضغ الطعام او طلب احدهم من الآخر ان يسكب له مزيدا من السباغيتي... هناك اكتشاف اللذة الحقيقية بالنسبة لآديل. لم تكتشفها في علاقتها مع شاب في الصف الثانوي الاخير بل اكتشفتها مع ايما. هناك قوة الحب الاول وسحره. هناك اكتشاف الجسد ومفاتيحه مع آخر شبيه لآديل... كما لو انها تدخل عالم كاماسوترا المثلية السحاقية. ولكن اللعب الجنسي المتقن الذي قامت به آديل منذ اللحظات الأولى لوجودها في الفراش مع ايما يجعل المشاهد يشك أنها مرتها الاولى. كأنها عاشت حياة طويلة من العلاقات المثلية ثم التقت بإيما. حالة مناقضة لما اراد الفيلم ان يقوله عن عذرية آديل المعرفية في الجنس المثلي. هناك رهاب المثلية ايضاً في الشارع والمدرسة والبيت وبين الاصحاب. هم يخافون الاختلاف وتنطلق عدوانية مختبئة لحظة اكتشافهم او شكهم في ان صديقتهم: آديل قد تكون مختلفة عنهم. هناك الجرأة والدموع ...جرأة الاكتشاف ودموع الخوف من الاختلاف ومن خسارة الحب وخسارة اول حبيبة اكتشفت معها ميولها الجنسية. هناك الخيانة وردات الفعل وهناك الفرق الهائل بين العائلتين الذي انعكس ايضاً على فرق هائل بين العاشقتين، بحيث بقيت كل واحدة ضمن جوها المختلف تماما عن الأخرى وهذا أثر ايضا على علاقتهما، فبعد سهرة عيد ميلاد ايما التي حضّرت فيها آديل اطعمة عدة، أيقنت إيما ان آديل خارج الجو الثقافي والفني الذي تسبح هي فيه بكل راحة... في الفراش شعرت آديل لأول مرة بابتعاد إيما عنها. إيما هي المساحة العامة... هي العلاقات والجو الفني والثقافي في المدينة، أما آديل فهي الخاص والعادي والبيت بمفهومه المغلق عن العالم الخارجي. العلاقة هي نفسها اذن، يتكون وجهها من خلال طبيعة الشخصية لكل فرد فيها، كذلك السلطة بينهما ان هي بين امرأتين او رجل وامرأة او رجل ورجل. لا فرق! كأن الدور الذي لعبته آديل في العلاقة هو دور انثى مع رجل. دور تقليدي. اكتشفت هويتها الجنسية وتوقفت هنا: لم تعطها تلك العلاقة الكثير، اصبحت معلمة حضانة وصفوف ابتدائية وتوقفت هناك، بينما تحولت ايما الى فنانة معترف بها وذلك حين عرضت لوحاتها التي نرى فيها آديل عارية بعد ان جلست أمامها لساعات طوال كموديل لها. وقعان مختلفان لا يملكان شروط الاستمرار في علاقة عاطفية. كأن الارتباط بالجو الثقافي والفني المغاير هو جواز مرور او شرط لبقاء الحب المثلي. يقول الفيلم كلمته في النهاية، وهي ان الانتماء الجنسي ليس بالمهم بل أي علاقة نبني مع الآخر سواء كان رجلا ام امرأة. (باريس)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة