As Safir Logo
المصدر:

مصر ومأزق الشرعية ومنطق السيادة

المؤلف: اللحام وسام التاريخ: 2013-10-11 رقم العدد:12602

في خضم الثورات التي تعصف بالعديد من البلاد العربية برزت مجموعة من المعضلات القانونية التي تتطلب استخدام فلسفة الحقوق بغية تحليلها وإعادة تأسيسها على قاعدة فكرية جديدة. فالتحولات السياسية الكبيرة تستتبع حكماً تبدلات جذرية في المشهد القانوني وصياغة تعليلات مختلفة من أجل المواءمة بين الواقع المستجد والبناء الحقوقي القائم. ولا شك أن تحديد هوية السلطة السيدة هو من أبرز هذه التساؤلات التي تطرح نفسها بقوة كبيرة في عالمنا العربي. فالثورة عمل غير قانوني يؤدي إلى نزع شرعية السلطات القائمة ما يتطلب تدخل سلطة ما تعمل على إعادة التوازن للبناء الحقوقي المتصدع وتعيد إليه فعاليته واتساقه الداخلي. هذه السلطة تتمتع بصلاحيات مطلقة كونها لا تخضع لدستور يحد من حريتها بل هي التي تسن الدستور الذي تستمد منه سائر مؤسسات الدولة شرعيتها: إنها السلطة التأسيسية صاحبة السيادة (souveraineté). لكن الأحداث الأخيرة التي جرت في مصر تدفع بنا مجدداً إلى طرح إشكالية تحديد هوية السلطة السيدة على بساط البحث. فالمقاربة التقليدية، التي تسهب كتب القانون الدستوري بشرحها، تقول لنا بأن مصدر السيادة هو إما الشعب أو الأمة. فالمادة السادسة من الدستور المصري لسنة 2012 تنص صراحة على أن «السيادة للشعب يمارسها ويحميها، ويصون وحدته الوطنية، وهو مصدر السلطات...». وقد وافق الشعب المصري عبر استفتاء على هذا الدستور الجديد التي جاءت المادة 226 منه لتعلن التالي: «تنتهي مدة رئيس الجمهورية الحالي بانقضاء أربع سنوات من تاريخ تسلمه مهام منصبه، ولا يجوز إعادة انتخابه إلا لمرة أخرى». وهكذا كان من المفترض، احتراماً لسلطة الشعب العليا، ان تنتهي ولاية الرئيس المصري محمد مرسي بعد اربع سنوات من وصوله إلى الحكم، أي في عام 2016. لكن كما بات الجميع يعلم تم خلع الرئيس مرسي في 3 تموز 2013 من قبل الجيش المصري ممثلا بالفريق أول عبد الفتاح السيسي، ما يشكل مخالفة صريحة لمنطوق المادة 226. ولم يقتصر الأمر على هذا الإجراء بل تم اعلان تعليق العمل بالدستور، هذا مع العلم أن تعديل الدستور أو تعليقه هو صلاحية تدخل في صميم اختصاص السلطة التأسيسية. وبالتالي يكون الجيش المصري، بغض النظر عن تصريحاته التي تؤكد على احترام سيادة الشعب، قد منح نفسه سلطاناً بشكل غير قانوني ونصّب نفسه قيماً ليس فقط على المؤسسات الدستورية بل أيضا على الشعب نفسه. جراء ما تقدم تبرز الحاجة إلى إطار نظري جديد يسمح لنا بتحديد من هو صاحب السيادة في مصر، كون النظريات القديمة غير كافية لحل معضلة ما جرى منذ تظاهرات 30 حزيران، ناهيك عن التوصيف المتأرجح بين الانقلاب والثورة. من هو السيد؟ سؤال بسيط جداً لكنه في الحقيقة يخفي أبعاداً فلسفية خطيرة وبالغة الأهمية. وللإجابة على هذا التساؤل كان من المفيد الرجوع إلى المفكر الألماني الكبير كارل شميت ونظريته حول السيادة التي يعرض لها في كتابه الكلاسيكي «اللاهوت السياسي». وكعادته يختصر شميت نظريته بشكل مكثف في الجملة التالية التي يفتتح بها كتابه: Est souverain celui qui décide de la situation exceptionnelle(1). ما يمكن ترجمته بالنص التالي: «السيد هو الذي يقرر الظرف الاستثنائي». جملة بالغة الدقة لكنها حاسمة وجذرية بكل المعايير. فصاحب السيادة هو تلك الجهة التي تقرر أن الحياة السياسية في بلد ما بلغت درجة من الخطورة يمكن وصفها بأنها حالة الظرف الاستثنائي. والمهم هنا ليست حقيقة الظروف الاستثنائية، أي مدى تحققها الفعلي وانطباقها على الواقع، بل القرار الذي يلاحظها ويقر بوجودها. الظرف الاستثنائي لا يمكن إذا حصره بمواد قانونية أو معالجته حسب نظرية الضرورة أو الطوارئ التي يقر بها القانون الاداري. فتلك المقاربات تؤدي فقط إلى توسيع مفهوم القانونية في حالة الضرورة وهي تنطلق من مسلمة أساسية مفادها أن التدابير التنظيمية التي تتخذها الادارة، حتى لو خالفت القوانين، تهدف في نهاية المطاف إلى إعادة الوضع إلى طبيعته والرجوع إلى مبدأ مشروعية الأعمال (أي احترام هرمية النصوص). وما يؤكد هذا الأمر هو خضوع قرارات الإدارة حتى في الظرف الاستثنائي إلى رقابة القضاء الاداري الذي يحق له التأكد ما إذا كان الظرف الاستثنائي متحققاً فعلاً ومستوفياً جميع شروطه. لكن التعريف الذي يأتي به «شميت» لا علاقة له من قريب أو بعيد بالقانون الاداري، كون صاحب السيادة لا يقوم بتوسيع مبدأ القانونية بل هو يعلقه بالكامل وقراراته لا تخضع لأي رقابة قضائية أو مؤسساتية. لكن وجه الاختلاف لا يكمن هنا فقط، بل هو أكبر من ذلك، كون إعلان حالة الطوارئ مثلا في البلاد تستمد شرعيتها من نص قانوني يحدد شروط إعلان كهذا ويخضعه لضمانات، لعل أهمها ضرورة عرض التدابير التي تتخذها السلطة في مهلة معينة على مجلس النواب (ثمانية أيام في لبنان مثلا حسب المادة الثانية من المرسوم الاشتراعي رقم 52 تاريخ 5/8/1967). لكن القرار الذي يتخذه السيد بوجود ظرف استثنائي لا يحتاج إلى نص قانوني كي يرتكز عليه، بل هو الذي يصبح المصدر لكل شرعية والمرجع الذي تستمد منه السلطات الجديدة صلاحياتها. ومن البديهي عدم وجود ضمانات لأن السلطة السيدة هي بماهيتها مطلقة لا حدود لسلطانها الذي تمارسه كيفما تشاء: Il ne peut exister de méthode réglementée à laquelle l’exercice du pouvoir constituant serait tenu(2). لا يمكن أن توجد طريقة محددة يتوجب على السلطة السيدة أن تتقيد بها. وهكذا يكون الجيش المصري، حسب نظرية كارل شميت، هو صاحب السيادة الفعلي. فالأوضاع الاستثنائية مهما بلغت حدتها على الأرض لا يمكن لها وحدها أن تنتج مفاعيل قانونية، بل يتوجب على صاحب السيادة (أي الجيش في هذه الحالة) أن يقرر التدخل بغية حسم الصراع السياسي بوسائل هي، بلا أدنى شك، مخالفة للدستور المعمول به. فالمسألة أكبر من مجرد توصيف هل ما قام به الجيش هو انقلاب أو مجرد الاستجابة لمطالب ثورة شعبية. إنها في الحقيقة صراع حول تحديد هوية السلطة السيدة في مصر. فإذا كان فشل «الإخوان المسلمين» الذريع في الحكم يبرر الإطاحة بحكمهم لكن تدخل الجيش بهذه الطريقة، برغم احترامه لإرادة غالبية الشعب المصري من حيث المضمون، لكنه انتهكها من حيث الشكل، مكرساً بذلك الانتقال من «سيادة الشعب (روسو) أو سيادة الأمة (سياس) إلى «سيادة القرار» (شميت) الذي يفرض نفسه بقوته الذاتية. لقد تمكن الشعب المصري عبر نضاله المتواصل من إعادة تأكيد نفسه كمصدر الشرعية للمؤسسات السياسية، لكنه لم يتمكن بعد من حسم موضوع السيادة التي، وإن كانت نظرياً تعود له، فهي في الواقع لا تزال موضوع صراع وتجاذب خفي بينه وبين الجيش. فكل ثورة لا يمكن لها أن تحقق أهدافها قبل أن تجمع بين الشرعية من جهة والسيادة من جهة أخرى: حلٌ كهذا كفيل بوضع حد للأزمة السياسية في مصر. (1) Carl Schmitt, Théologie politique, nrf Gallimard, Paris, 1988, p. 15. (2) Carl Schmitt, Théorie de la constitution, PUF, Paris, 2008, p. 218.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة