يمسك ابو فادي بمقلاة البيض الفخارية، تلمع تلك العينان الممعنتان في العمر، والخبرة، يضحك من قلبه وهو سعيد بإنجازه فقد انهى للتو قطعته الفخارية الرابعة لهذا اليوم، وعلى الرغم من ذلك يقول انه ليس متعبا وان هذه الحرفة تمنحه الصحة مع ان مردودها المادي جد ضئيل في ظل المنافسة الكبيرة. تعتبر صناعة الفخار احدى الحرف البيئية التراثية التي تميزت بها مناطق مختلفة من لبنان وبالاخص منطقة راشيا الفخار التي استمدت اسمها منها في قضاء حاصبيا، ثم قرية عيتا الفخار في قضاء راشيا، وخف الاقفال على هذه الحرفة في هذه المناطق نتيجة الاحتلال الاسرائيلي. اما في منطقتي الشحار والمناطق في قضاءي عاليه والشوف وخاصة في قرى البنية جسر القاضي ودير كوشة بشتفين قلم تزل صامدة. وهناك تقع اقدم فاخورة في المنطقة والتي تم تأسيسها منذ اكثر من مئة وخمسين عاما. وتعتبر حرفة صناعة الفخار بيتية حيث ينتج الانسان عبرها انواعا واشكالا مختلفة من الفخاريات التي كانت تلبي حاجات المواطنين، وتتوزع هذه المنتجات على أباريق الفخار المخصصة للشرب والتي تحفظ الماء باردا حتى في عز الصيف بعيدا عن الثلاجة، وقدور صنع اللبن (ترويب اللبن) التي تحميه من امكانية التفاعل مع المعادن المستعملة في الاواني البديلة. وهناك »دغارة« وهي الأواني المخصصة لتخزين زيت الزيتون وتسبيح الزيتون ومقالي البيض بالاضافة الى الاواني المزخرفة والمزهريات وغيرها.. يقول الحرفي الشيخ سامي الدبيسي ان المواد الاولية المستعملة في صناعة الفخاريات متوافرة بكثرة في منطقة الشحار، حيث تنتشر مادة الدلفان او الصلصال (وهي مادة طينية من التربة غنية ببعض المعادن الطبيعية)، ويؤكد الدبيسي ان للصلصال فوائد بيئية وطبية جمة. * كيف تحولت الصناعة للإضرار بالبيئة؟ يقول الدبيسي ان الحرفيين كانوا يجمعون الخطب، الناتج عن تقليم اشجار الفلاحين وغابات الصنوبر المحيطة، اما اليوم وبعد منع قطع الحطب وليس تنظيم هذا القطاع عبر السماح »بالتشحيل«، بدأ الحرفيون باستعمال المازوت كوقود على الرغم من كلفته المالية. ويؤدي هذا الامر الى الاضرار بالبيئة »والى الحد من قدرة الحرفيين على المنافسة وحتى على الاستمرار خاصة بعد السماح باستيراد هذه السلع من دون قيود«. ويعمد بعض الحرفيين الى استعمال الزيوت المستعملة كوقود للتوفير مما يتسبب بانبعاثات خطيرة وحتوي على مواد سامة ومسببة للسرطان. يذكر ان هذه الامور يمنعها المرسوم الجمهوري رقم 8735 الذي ينص على المحافظة على النظافة العامة، كما ينص على ذلك قانون حماية البيئة رقم 64 بتاريخ 12/8/88 بالاضافة الى اتفاقية بازل (وقع لبنان عليها) والتي تعتبر الزيوت المستعملة نفايات سامة وخطيرة وتحظر استعمالها كوقود او رميها في الطبيعة. ويوجد في دير كوشة فاخورة كبيرة للشيخ كميل ضو تحتوي على فرنين قديمين وآخر جديد لم يستكمل بعد، ولكن صاحبها بحجة القدرة على الاستمرار والمنافسة يستعمل الزيوت المستعملة والاطارات المستعملة والحطب كوقود في الفرن بدلا من المازوت مما ينعكس سلبا على سلامة البيئة في المنطقة، خاصة ان الانبعاثات في الهواء الناتجة عن حرق الزيوت والاطارات المستعملة تحتوي على مواد سامة ومسرطنة. وفي بشتفين يوجد ثلاث فواخير عاملة وواحدة اقفلت لقربها من المنازل بعد اعتراض السكان عليها نتيجة حرق الزيوت المستعملة الملوثة للهواء، احد الفواخير العاملة والبعيدة نسبيا عن تجمع سكني من خمس منازل تخص السيد توفيق جعفر الذي يحرق الزيوت المستعملة والحطب، اما السيد حمودي عادل ضو فيحضر العجينة في منزله ويحرقها في فرن صغير يملكه في وسط القرية. والفاخورة الثالثة يملكها خالد ضو الذي ورثها عن والده المشهور في القرية ومحيطها، لانه كان يتقن حرفته بالاضافة الى كونه شاعرا معروفا وهو يستعمل الحطب والمازوت. يوجد انواع متعددة من الصلصال وتتميز بألوان ومواصفات مختلفة ولها استعمالات متنوعة، منها ما يستعمل في صناعة الآجر والقيشاني والسيراميك والخزف، ومواد تبييض في صناعة الزيوت المعنية. وقد اثبتت التجارب مع مر الزمن اهمية الصلصال وفوائده في حقل الطب، حيث يستعمل لاغراض علاجية ان داخليا او خارجيا، فشرب ماء الصلصال يساعد في شفاء القرحة وفي اعادة بناء الخلايا والانسجة الصحيحة وهو مفيد لوقف التسمم الذي يسببه الفطر السام والاحمضة الكيميائية وبوجوده تختفي الفلورا الميكروبية، كما يستحيل على الفطريات ان تعيش في محيط صلصالي.. كما يشير الدكتوران ريمون ديكستري وميشال ابهسيرا في كتابهما »ارضنا دواؤنا«. كما ان الجيش الفرنسي استعمل حديثا الصلصال لاغراض بيطرية، حيث تعالج بالوحل الصلصالي الخيول المصابة »بالغرغرينا« بسبب جروح في »حدواتها«. ويستعمل الصلصال في الزراعة حيث يضاف الى التربة عند زيادة نسبة الحموضة فيها، كما يضاف مسحوق الصلصال الى التربة الرملية ويمزج بروث الحيوانات حيث يساعد على تثبيت الكربون في التربة. والصلصال يستعمل لتشقق الاشجار حيث يجب ان تكون اللزقة سميكة ودائمة. تبقى الارض مصدر الغذاء وينبوع عناصر المحافظة على الصحة واستعادتها، فهل نتوحد في المحافظة عليها عبر مكافحة التلوث من مختلف مصادره والحفاظ على بيئة سليمة معافاة.