As Safir Logo
المصدر:

فاصلة

نساء الكرنتينا

المؤلف: بيضون عباس التاريخ: 2013-09-07 رقم العدد:12573

أول ما قرأت نساء الكرنتينا جفلت، فما أمامي لم يكن رواية كما أعرف الرواية، ولا أسلوبها كان أسلوب رواية. كان الطوخي يضرب بالأدب عرض الحائط. لم يكن يجد سبباً لإشارات سيكولوجية أو فكرية أو اجتماعية. ثمة أسلوب ذو مستوى واحد لا يرتفع ولا ينزل. انه أسلوب الحكاية، أسلوب محسناته أخرى. انها أحياناً التهويل وأحياناً التفخيم وأحياناً المأثور الدارج وأحياناً الصورة المتواترة. قلت في نفسي كيف يمكن إنشاء نص من 400 صفحة أو ما يقارب ذلك من أسلوب مسطح كهذا الأسلوب، أسلوب لا ينفذ إلى منظور مختلف ولا يصدر عن منظور مختلف. مع ذلك قرأت وإذا بالأسلوب يتسع وتتوالى حلقاته ودوائره. إذا به ينشئ هياكل وصوراً ولوحات ويطوي هياكل وصوراً ولوحات ويدور من مستوى إلى مستوى ومن دائرة إلى دائرة ومن فصل إلى فصل، لم تبدأ رواية الطوخي كما تبدأ روايات خيري شلبي التي تنم منذ اللحظة الأولى عن جو شعبي فرواية الطوخي حكاية كما هي حكايات عنتر والزير وأبي زيد الهلالي. انها حكاية أو هي في النهاية ملحمة شعبية، ملحمة تدور في البدء كأنما تدور بين القبائل فالحروب فيها والقتلى يسقطون وكل جريمة لا تستدعي سؤالاً ولا عقاباً كأنما نحن في وسط قبلي وأمام حروب قبلية. لا دولة هنا سوى مظاهر الدولة التي ليس لها سوى المظاهر. وإذا حدثت الجرائم نحت القطارات فإننا نحن مع ذلك فيما يشبه المناوشات القبلية. الملحمة الشعبية التي ينشئها نائل الطوخي تصر دائماً على انها قصة مركبة وأن هذه العشائر المتناحرة في اجتماعها وافتراقها، ان عتاة اللصوص والداعرين والمهربين والقتلة هؤلاء، إنما يبنون ويرفعون هياكل الإسكندرية، يبنونها أو يعيدون بناءها لا فرق ـ هذا الجانب هو سر الرواية وهو مقصودها. المدن تبنى من اللصوص والداعرين والقتلة، المدن تبنى من هذا الشر وعلى هذا الشر. ليست نظرة سوداء للمدن والإسكندرية، فليس نائل الطوخي أول من أقام المدينة على هذا الأساس المظلم. لا بد أن روايات المدن تحفل بهذه الجوانب. لا بد أن هذه هي أسطورة المدينة، تبنى الإسكندرية على هذا كله لكن نائل الطوخي يلمح دائماً إلى ثورة، وإلى رأسمالية ناهضة وإلى بناء هكذا تزدوج عنده الجريمة بالثورة والبناء. هكذا تمر ملحمة الطوخي الشعبية بأدوار تاريخية متعاقبة، تطرح أيضاً مسائل مزدوجة فنحن نرى أبطاله يبحثون عن أصولهم وأجسادهم شأن أصوليي اليوم. هكذا تضطرب اللوحة التاريخية ونجد أنفسنا أمام تركيب من تواريخ متضاربة. هكذا تكتمل ملحمة الطوخي الشعبية وتنتهي تغريبته وحكايته الموصولة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة