As Safir Logo
المصدر:

موسيقى الصحراء: أصول عربية أمازيغية وامتداد أفريقي

فرقة نسائية للطرب الأندلسي
المؤلف: بوزيدي محمد التاريخ: 2013-08-30 رقم العدد:12566

في المغرب، وعبر قرون مضت، شكلت موسيقى الصحراء رافدا مهما من روافد الموسيقى المغربية و جزءً من موزاييك وفسيفساء الثقافة بالمغرب المتعدد. وتتميز هذه الموسيقى بأصالتها وتنوع المصادر التي تنهل منها، والتي تزاوج بين الشق العربي والإفريقي.كما أنها تجد امتدادا جغرافيا عميقا لها في موريتانيا . ناهيك عن كونها تعتمد المزاوجة بين الغناء والشعر والرقص مما يضفي عليها قيمة فنية جميلة. موسيقى شعبية وموسيقى محترفة وعموما يمكن تقسيم موسيقى الصحراء إلى نوعين: الأول: موسيقى شعبية تنتشر بصحراء الجنوب الشرقي حيث تتنوع الفنون الغنائية التي تتعاطاها الساكنة على اختلاف ثقافتها وطبقاتها الاجتماعية، كما أن المبدع لها هو المتلقي في نفس الوقت،والمتلقي لهذا الإبداع (الذي أصبح صاحبه مجهولا) هو الجماعة التي يعيش ضمنها هذا المبدع .كما تتنوع بحسب اللغة التي تؤدى بها حيث توظف اللغة العربية للغناء في فنون الرسمة والركبة وأقلال والسقل والحضرة واسليسلة و الوسطي والهرمة، واللغة الأمازيغية لأداء أحواش وأحيدوس بينما تؤدي قبائل اعريب باللهجة الحسانية فني الشمرة والكدرة، وغالبا مايؤدي الرجال مختلف الفنون، بينما تقتصر وظيفة المرأة على الرقص أوالتشجيع باستثناء الفنون الأمازيغية التي تلعب فيها دورا كبيرا في الانشاد والرقص معا. الثاني: موسيقى محترفة توظف آلات موسيقية حديثة وتنتشر في الجنوب الغربي (العيون، الداخلة، السمارة، بوجدور، طنطان..) ولا يتعاطاها إلا فئة «ايكاون» وهو لقب يطلق على المغنين الذين ينتظمون في مجموعات غنائية خاصة تكون رهن إشارة الساكنة للعزف في مختلف المناسبات الاجتماعية، وتشتهر هذه الموسيقى بـ«الهول» وهي كما يعرفها الباحث يوسف نجاح مظلة تجمع بين العزف وموسيقاه والشعر وطريقة إلقائه، وهو ينقسم إلى «أزوان» (موسيقى مجتمع البيضان أي المجتمع الناطق بالحسانية) فهو إبداع ينجز باليد على مستوى الأنامل أو الكف أو هما معا على واحدة أو أكثر من الآلات المعروفة في المجتمع (تيدينيت، كيتار، طبل وما إلى ذلك)، و«لغْنَ» وهو الكلام الشعبي المنظوم بالحسانية في أحد الأوزان الشعرية المعروفة والمضبوطة سلفا. آلات أصيلة لإيقاع شجي ومن أجل أن يكون العزف والرقص في مستوى عال من الأداء، فقد استعمل فنانو الصحراء (ايكاون) مختلف الآلات الموسيقية التي تعطي إيقاعا متميزا، بعضها أصيل ومتأصل، والبعض الآخر دخيل على موسيقى الصحراء في إطار التلاقح الثقافي مع باقي الأصناف الموسيقية. ويختص في صنع هذه الآلات فئة الصناع التي تأتي في أسفل الطبقات الاجتماعية المحلية. وهذه الآلات منها رئيسية وهي: الطبل والتدنيت والآردين، وأخرى تكون مكملة للعزف فقط وقد يتم الاستغناء عنها. 1 ـ الطبل: -أو التازُوَّة - من أهم وأقدم الآلات الإيقاعية التي يستعملها مجتمع الصحراء ويفضله الصحراويون كثيرا عن باقي الآلات الموسيقية الأخرى، عرف في المغرب منذ عهد الموحدين (القرن الخامس الهجري) ويصنع من خشب شجرة الطلح المنتشرة كثيرا بالصحراء ويغلف بالجلد على مساحة دائرية قد يصل قطرها إلى 40 سم، كما يتم إحداث ثقوب على أطرافه لفرز مختلف الأصناف الصوتية في العزف بعد أن يضرب باليدين العاريتين أو بواسطة عودين صغيرين. 2 ـ التدنيت: وهي آلة موسيقية رئيسية يعزف عليها الرجل، عبارة عن طبل مصنوع من الخشب وعليه طبقة من جلد الغنم وعود من الخشب مصنوع من شجرة محلية تدعى (التيدوم)، ولها أربعة أو خمسة أوتار ناعمة وحساسة عند اللمس تدعى الأعصاب كانت تصنع قديما من ذيول الخيل، أما الآن فتصنع من نفس مكونات الأوتار العصرية. وتتوزع هذه الأوتار إلى إثنين طويلين مشدودين يُنقران عند العزف يسميان بـ(المهرين)، وإثنين قصيرين ينقران باستمرار على فراغ ويسميان بـ(تيشبطن). كما تحتوي التدنيت على حربة وهي قصبة من نحاس فيها حديدة تجعل في رأس الحوض فيها دائرة من حلق صغيرة، ومن (تامنانت) وهي عود يمد على وسط «الجنبة»، ومن الدبوس وهي عود آخر تناط بأحد أطرافه رؤوس الزغب وطرفه الآخر متصل بالعود الأعلى الذي في رأسه الحربة. 3 ـ الآردين آلة موسيقية تقليدية تعزف عليها المرأة وتشبه التدنيت، لكن تختلف عنها قليلا ، يحيث يوجد عمود مثبّت بحاشية الطبل في وضعية مائلة لشد الأوتار التي يختلف عددها من ثمانية إلى ثلاثة عشر وترا والمصنوعة من (لَعْصَبْ)، وهي من أمعاء الغنم، أو زغب أذناب الخيل، تشد الأوتار إلى (لْحَرْبَ) المحاطة بالحلقات، أي حول الذراع المستعرض فوق (تامونانَتْ)، وهو ظهر الطبل. وتكون مشدودة بمسامير حيث تستطيع العازفة تحريكها وقتما تشاء بشكل لولبي وفق ما يتطلَّبه التحوُّل (التَّبْرَامْ) من مقام موسيقي إلى آخر. وعلى سطح قاعدة الآردين تثبت قطع معدنية محاطة بحلقات نحاسية دائرية صغيرة «لخراسْ» حيث تصدر أصواتا عند ضرب العازفة تساهم في النقر وتنويع الصوت. 4 ـ آلة الرباب وهي نفس آلة الربابة المعروفة عند العرب. 5 ـ النَّيْفَارَة، أو لَكْصَيْبَة، هي الناي في قاموس الموسيقى الحسَّانية، وتصنع من القصب المجوّف في حدود المتر تقريباً ، مفتوحة من الرأسين وذات صوت شجي. كما تحتوي على ستة ثقوب متقايسة في الوجهة الأساسية ومقسمة إلى مجموعتين متساويتين في الأبعاد، ولها ثقب واحد في وسط الوجهة الخلفية. فتصدر أصواتا يتحكم فيها العازف بوضع أصابعه على الثقوب. 6 الكَيتار: الذي يصدر الصوت الجهير بمجرد ضرب أوتاره. رقص جميل وزي أجمل ويعد الرقص الذي يؤديه الرجال أو النساء أوهما معا محورا رئيسيا في موسيقى الصحراء، لكنه رقص بطعم خاص، إذ تنعدم فيه مختلف مظاهر العنف أو الخلاعة أو القفز المعروف في الموسيقى العصرية، بل هو رقص هادئ وشجي يعتمد على الضرب بالأيدي والأرجل وحركات مضبوطة للأصابع واليدين والذراعين كما قد يوظف شعر الرأس في حركات شبه دائرية. هذا ويحرص المغنون على التزين وارتداء الزي التقليدي الذي يضفي بهاء خاصا على المغني حيث تعتبر الجلباب والبلغة والخنجر المحلي (الكمية) زيا رسميا في الجنوب الشرقي أما في الجنوب الغربي فنجد الدراعة بالنسبة للرجال وهو ثوب أبيض أو أزرق، فضفاض، وله فتحتان واسعتان على الجانبين، مخيط من أسفل طرفيه وله جيب على الصدر، إضافة إلى لثام أسود يوضع حول العنق طوله متران وعرضه نصف متر. أما النساء فيرتدين الملحفة، وهي ثوب يتراوح طوله ما بين أربعة وخمسة أمتار وعرضه متر واحد. كما يتم استعمال البخور المحلي لإعطاء نفس متميز للجلسة الغنائية، ناهيك عن جلسات الشاي المرافقة والمسامرات الشعرية الغنية بالإبداع اللحظي ،كل ذلك تحتضنه خيمة الصحراء الفضاء المميز لهذه الموسيقى. التوثيق سبيل لحماية الموسيقى من الضياع ومن أجل حفظ هذا التراث اللامادي وتوثيق هذه الموسيقى الصحراوية تنبغي الاشارة إلى مشروعين متميزين وهما: الأول: وهو مشروع توثيق التراث الشفهي بواحات وادي درعة والذي أشرفت عليه رابطة أدباء الجنوب، وضم أكثر من 500 قصيدة متوزعة على مختلف فنون صحراء الجنوب الشرقي وسيصدر قريبا في مؤلف ضخم. والثاني: وهو انطولوجيا الموسيقى الحسانية الذي قام به في ابريل الماضي مركز الدراسات الصحراوية بجامعة محمد الخامس بالرباط بشراكة مع المجلس الوطني لحقوق الانسان ووكالة الإنعاش والتنمية الاقتصادية والاجتماعية للأقاليم الجنوبية للمملكة ومجموعة المكتب الشريف للفوسفاط. وهي عبارة عن خمسة أقراص تضمنت مختارات من الأغاني القديمة والحديثة لخمسة فرق موسيقية حسانية مشهورة في الصحراء وهي: فرقة خوسيفا وفرقة بعيا بمدينة العيون، وفرقة زغيلينا وفرقة سويلم بمدينة الداخلة وفرقة امنات عيشاتة بمدينة كلميم. والجدير بالذكر أن هذه الموسيقى سبق أن اثارت إعجاب الكثير من الكتاب الأجانب الذين كتبوا حولها كالباحثين الفرنسيين بول مارتي وجابريل فرال هذا الأخير الذي ألف كتابا حولها تحت عنوان: دف الرمال tambour de sable. (كاتب من الصحراء المغربية)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة