As Safir Logo
المصدر:

كلام في السياسة .. يقترب من الأدب ويتجنب أمور الدين

سلمان رشدي الشيطان لديه مصالح
ميتران تدخل كمثقف
المؤلف: هيكل محمد حسنين التاريخ: 2000-07-03 رقم العدد:8641

هذا حديث تَصَوَّرتُ أن مدخله لا بد أن يتضمن نوعاً من التمهيد له... وفي هذا التمهيد فإني أقصد إلى إبداء بعض الملاحظات آملاً أن تظل في فكر قارئه وهو ينتقل من التمهيد إلى الموضوع . والملاحظات التي أقصدها يمكن عرضها كما يلي: 1 أن موضوع هذا الحديث غريب عن مجال ما أكتب فيه عادة، ولذلك اقتضى التنويه مبكراً وربما الاعتذار سلفاً. 2 أن هذا الحديث (وهو عن قصة) ليس كلاماً في الأدب، فتلك ليست صناعتي، وهكذا فإن الاقتراب من قضية العَمَل الأدبي في سياقه مسألة هامشية. 3 ثم إن هذا الحديث ليس تَعَرُّضاً لشأنٍ ديني، فشؤون الدين لها الفقهاء والأئمة من أهل الاختصاص، وأما غيرهم فإن ورود إشارات إلى شؤون الدين في ما يقولون أو يكتبون مجرد ذكر أو استدلال. 4 وكذلك فإن هذا الحديث »كلام في السياسة« رغم اقترابه من الأدب بالمصادفة، ورغم تجنبه الخوض في أمور الدين بالعمد. 5 وأخيراً فإن هذا الحديث يجيء رَدّا علي أسئلة تَفَضَّل كثيرون بتوجيهها إليَّ (وبينهم صديق عزيز وشاعر كبير جاء سؤاله منشوراً) واحتراما للجميع أجيب أو أحاول الإجابة ولدواعٍ واعتبارات كثيرة فإن إجابتي لا تقصد إلى القصة مباشرة وإنما تذهب إليها عن طريق دائري، مُتَحَسِّباً لاحتمال أن يكون الطريق المباشر داخِلاً وسط عشوائيات من الأفضل تَجَنُّبها وكذلك فإن الطريق الدائري، ولو أنه أطوَل، فهو بالقطع أوسَع ولهذا السَبَب أسْرَع. هذا هو التمهيد، ومنه إلى الموضوع وحديثه... وهو بادئ من سنة 1988 وواصل إلى هذه السنة 2000. 1 على الطريق الدائري.. إلى هنا! في خريف سنة 1988 صادف أن كنت في لندن. وفي مطار »هيثرو« متوجهاً نحو بوابة الخروج إلي الطائرة المسافرة إلي القاهرة، مررت بإحدى مكتبات ذلك المطار المزدحم بالحركة، وتوقفت هناك كالعادة ألقي نظرة أخيرة على الكتب المستجدة، وأتأكد أنه لم يَصدُر في الساعات الأخيرة، ومنذ زرت آخر مكتبة، مطبوع جديد في موضوع يهمني. ولَفَتَ نظري وجود رَفٍّ بأكمله رُصَّت عليه نُسَخٌ من قصة جديدة للكاتب الهندي المسلم »سلمان رشدي« عنوانها »آيات شيطانية« ولم أكن قد سمعت بها من قبل. واشتريت نسخة وضعتها في حقيبة يدي. .... كان دافعي إلى شراء القصة بالدرجة الأولى معرفة سبقت بكاتبها »سلمان رشدي«، وقد التقيت به مرات في مكتب ناشري البريطاني في ذلك الوقت: »أندريه دويتش« وكنت معجباً بقوة أسلوبه وتميزه، وإن لاحظت تأثره بالكاتب الكولومبي الأشهر »غابرييل جارسيا ماركيز«، وكان أسلوب »سلمان رشدي« قد تجلى في أعمال قرأتها له سابقاً، وبالذات قصة »أبناء منتصف الليل«، ووقائعها تدور في أجواء المأساة الإنسانية التي جرت عندما تم تقسيم الهند الأصلية (إلى هند وباكستان سنة 1946)، ثم اقتضت أسباب الفصل بين الدولتين نقل ملايين البشر بالاقتلاع كي تتسق الخطوط السياسية مع مواقع التجمعات البشرية، وكانت تلك أكبر جراحة إنسانية عرفها التاريخ المعاصر حتي تلك اللحظة، فقد كان من السهل رسم الخطوط علي خريطة، لكن تطبيق الخريطة علي الحياة كان مأساة من الدم والدموع، ومن المرارة والحقد! وفي هذه الأجواء المضطربة رسم »سلمان رشدي« صوره وأبدع في نحت شخصيات قصته! هكذا اشتريت »آيات شيطانية« على قيمة وصِيت »أبناء منتصف الليل«. لكني، وأثناء تلك الرحلة من لندن إلى القاهرة، لم أتمكن من قراءتها، فقد شغلتني عنها قراءات سياسية وجدتها أَوْلى، وقَدَّرتُ أن أضُمَّ القصة إلى قراءات أدَبِيَّة أخرى موعدها إجازة الصيف على شاطئ البحر. وبعد شهور، سمعت عن مظاهرات غاضبة بَدَأَتْ في لندن ضد القصة، والقائمون على تنظيمها والمحتشدون من أجلها مسلمون من البنغال يعيشون في العاصمة البريطانية. والتظاهرات تقوم احتجاجا على مشاهد وعبارات وردت في ما كتبه »سلمان رشدي« في »آيات شيطانية لأن الغاضبين عليه وجدوا فيه إساءة إلى »سيدنا محمد«، وإلى »الوحي الرباني«، وإلي غير ذلك من مُقَدَّسات المُسلمين؟! وفي ذلك الوقت المبكر من عاصفة »آيات شيطانية« فلقد ظننت أن تظاهرات لندن تعبير أو تنفيس من نوع ما تشهده العاصمة البريطانية من تظاهرات احتجاجية كل يوم. ثم تنبهت إلى أن الأمر مختلفٌ حين قرأت أن الزعيم الأسطوري للثورة الإسلامية في إيران، وهو »آية الله روح الله الخميني«، أصدر فتوى يهدر فيها دم »سلمان رشدي« مُتَّهِماً إياه بالكفر والزندقة. وحاولت تحري الأمر من القاهرة، ثم استبان لي أن بعض الشباب المسلم من أصول هندية بعثوا إلى »آية الله« بسؤال يطلبون فيه رأيه في تصرف رَجُل من بينهم تجاوز كل حَدٍّ وكتب قصة تَرِدُ فيها مَشاهِد وحوارات أرفقوا نماذج منها مع طلبهم للفتوى في شأنها. ثم كان في ما عَرَفتُ أن »آية الله الخميني« نظر في ما تلقى، ولم يعره في البداية اهتماما يُذكر، وتقديره ربما أن الإهمال والنسيان بعد الإهمال كلاهما كفيل بعقاب هذا التجاوز الذي سُئِل عنه. ولكن استمرار التظاهرات ضد القصة واتساع نطاقها من »لندن« إلي »داكا« جعل قائد الثورة الإسلامية في إيران يُغَيِّر رأيه، وحسابه أنها فرصة لحَشد مشاعر العالم الإسلامي ضد »طاغوت الغرب واستكباره« وفي الأدب كما في السياسة. وهنا أصدَر »آية الله الخميني« »فتوى« ضد »آيات شيطانية« رأى فيها أن المؤلف يقع تحت طائلة باب خاص في مباحث الشريعة الإسلامية هو: »سَبّ النبي«، وهو باب له فقهه وله أحكام تترتب عليه تتوازي مع أحكام »الرِدَّة« عن الإسلام والكُفْر بتعاليمه بعد الإيمان... ................................... ................................... ولم يكن »آية الله الخميني« قد سمع عن »سلمان رشدي« أو قَرَأ اسمه، ولا عَرَفَ عن كتاباته أكثر مما وصله من نماذج مُستَخرَجة من »آيات شيطانية«. لكن »آية الله الخميني« بتجربته العتيقة والعميقة رأى الفرصة: السياسي فيه لمح الثغرة التي تفتحها الضجة القائمة حول القصة (وهي مناسبة لترسيخ مكانة الفقيه). والفقيه فيه أعدَّ الفتوى التي تتولى مطاردة الكاتب (وهي فُرصة لتحقيق أغراض السياسي). وهكذا قال »الخميني« كلمته، وكان قولها (في فبراير 1989) إعلاناً لحالة تعبئة إسلامية عامة تَحَوَّلت إلى عاصفة عاتية من الاحتجاج عابرة للقارات والمحيطات. ................................... ................................... أن تُقام متاريس وموانع تَصُدُّ بسرعة ريثما يَستَعِد الآخرون المعادون ل»الخميني« ولكل ما يمثله بعَمَلٍ مُضادٍ لفتواه. وبالفعل بدا أن هناك عاصفة مضادة تَستَعِد وتتأهَّب من وراء المتاريس لتهدر في اتجاه معارض ل»آية الله الخميني« وللفتوى الصادرة عنه . وهكذا تحولت »آيات شيطانية« بالعواصف والعواصف المضادة إلى دوامة وإلى إعصار زَحَفَت معه الظلمات لا يبددها إلا لمع بروق تسبق هدير الرعد، إشارة إلى تصادم شحنات كهربائية صاعقة تمد ألسنة النار أو تمد ألسنة الفِتنة! وكانت الفِتْنَة مواجهة مشبوبة باللهب بين طرفين: من ناحية: هناك »آية الله الخميني« ونظام الثورة الإيرانية الذي أنشأه، وجماهير في الشارع الإيراني اعتبرت فتوى الفقيه مرجعية لها مقامها، ثم تظاهرات إسلامية راحت تنتشر من لندن إلي مدن آسيا، ثم ترتد عائدة من الأجواء الآسيوية لتحرك كتلاً من البشر في بلدان أوروبية يعيش فيها مسلمون، ثم تكرُّ راجعة إلى بلدان مسلمة بينها معظم العواصم العربية، والكل مُسْتَفَز ومُستَنفر ضد إهانة لحقت ب»الإسلام« وب»نَبِيِّه«. وعلى الناحية الأخرى من خطوط المواجهة الفتنة كان هناك الإعلام الأوروبي (الصحافة والإذاعة والتلفزيون)، في بريطانيا ثم الولايات المتحدة، وبعدهما بقية الغرب. والنغمة السائدة في هذا الإعلام وقتها أنه »التعصب الإسلامي وضيق الأفق ثم إنها الثورة الإسلامية في إيران وزعيمها الذي تخلف من عصور سابقة ويريد أن يفرض تَزَمُّته علي عصور مُسْتَجَدَّة ثم هو العدوان علي كل الحقوق ابتداءً من الحق في الخيال الأدبي، إلى الحق في حرية النشر، إلى الحق في الحياة تضامناً مع سلمان رشدي«. وزادت المواقف حدة حين أعلنت جمعية أهلية في إيران أنها تعتبر نفسها مُكَلَّفة شرعاً بتنفيذ فتوى الإمام. واتخذ ذلك دليلاً على أنه »الإرهاب« بعينه يعيد عصر »محاكم التفتيش« تقتحم عقول الناس وتُلقي القبض على ضمائرهم! وراحت الحملة تتصاعد يوماً بعد يوم، وكان الديني فيها يتراجَع، والسياسي فيها يَتَقَدَّم، وبمقدار ما كان الدين ذريعة للسياسة في موقف »الخميني«، فإن الحرية كانت ذريعة للسياسة أيضاً في موقف الآخرين. ................................... ................................... ثم كان أن المبالغة في الحملة علي الفتوى، والتَزَيُّد فيها، أوجَدا التباسا عميقاً وعنيفاً اختلط فيه الدين مع السياسة، وتَصارعَت العقائد مع الأفكار، وتضاربت العصور مع بعضها، وكذلك القرون واستنفرت الكتب المقدسة تحارب الكتابات المارقة. وفي هذا المناخ الهائج المضطرب كان مطلوباً من الجميع أن يُحَدِّد كل منهم موقفه. كانت طهران من ناحية تطلب إلى كل »مُسلِم« أن يغضب لنبيِّ الإسلام ورسول الله. وكانت لندن وواشنطن وغيرهما من عواصم الغرب تطلب إلى كل »إنسان« أن ينتصر للحرية في كل تجلياتها السياسية والأدبية والفنية، وكان الجزء الأكبر من اهتمام الغرب بما يطلبه انتصارا للحرية موجهاً إلى العالم الإسلامي بضرورة أن يختار هذا العالم الطامح إلي الالتحاق بالعصور الحديثة موقفه هذه اللحظة، وبأعلي صوت : هل هو مع »الجَهْلِ والتَعَصُّب«، أو مع العِلمِ والحرية. وفي هذه الأجواء تلقيت تليفوناً من ناشري في لندن وقتها »أندريه دويتش«، ومؤسسته في تلك الأيام واحدة من أعرق دور النشر في بريطانيا. وكان »أندريه دويتش« الذي تَحَوَّل بالنسبة لي من ناشر إلى صديق رَجُلاً له شخصيته الفريدة وتجربته الإنسانية الغنية، وعلاقته الحميمة بالكُتُبِ وكُتَّابِها، وهو ما جعله شِبْه عُمدة وسط »بلومسبري« حَيّ النشر والمكتبات والمتاحف في قلب لندن. وفي ذلك الصباح قال لي »أندريه« على التليفون ما ملخصه »إن رئيس مجلس إدارة شركة »فايكنغ« (التابعة لمؤسسة »بنغوين«) والتي نشرت قصة »آيات شيطانية« اتصل به يطلب منه باعتباره ناشري إذْناً بوضع اسمي ضمن عددٍ من الكُتّاب على بيان يؤيدون فيه حق »سلمان رشدي« في التعبير عن نفسه، ثم يدينون في نفس الوقت تَعَصُّب إيران الجاهل بقِيَم الحرية وسُلطان الأدب والفكر. وأضاف »أندريه« قائلاً إنه استمهل رئيس مجلس إدارة »بنغوين« حتى يتصل بي في القاهرة، وبعدها يسمح له نيابة عني بوضع اسمي على البيان المقتَرَح والذي قال »أندريه« إن مكتبه سوف يبعث إليَّ على الفور بنسخة منه! وكان الدور عليَّ أن أطلب من »أندريه دويتش« أن يعطيني مُهلة لقراءة القصة قبل البَتِّ برأيي. وشعرت بدهشة في نبرته وهو يسألني »إذا كنت أحتاج إلى قراءة نص أدبي كي أؤيد حق كاتبه في التعبير عن نفسه؟«. وكان ردي أن الأمر لم يَعُد الآن مجرد نص أدبي، وإنما تَحَوَّل إلى قضية سياسية. وبما أن اسمي سوف يكون الاسم العربي المسلم تحت البيان المقترح (ضمن عشرة أسماء من جنسيات وديانات أخرى) فأبسط الضرورات أن أقرأ النص، و»أتَعَهَّد أن أتَفَرَّغ للمهمة هذا المساء وأرُد عليه برأيي غداً«. ................................... ................................... وهنا كان عليَّ أن أقرأ »آيات شيطانية« بسرعة حتى يكون رأيي في القصة على سَنَد! والحقيقة أنني عندما تناولت »آيات شيطانية« من حيث كانت فوق رَفٍّ في مكتبة، كنت على شبه اقتناع بأنني أقرأ القصة من باب »ولكن ليطمئن قلبي«، وكان أغلب ظني أنني في الغد سوف أتصل ب»أندريه دويتش« أخَوِّلُه الاتصال ب»رئيس مجلس إدارة بنغوين«، وب»سلمان رشدي« نفسه وإبلاغ الاثنين بأن »اسمي مع الآخرين في قائمة المؤيدين لحَقِّ الكاتب في نشر ما كَتَب«. ولعله كان في خلفية تفكيري ما سمعته من »سلمان رشدي« مباشرة حين التقينا في مكتب »أندريه دويتش« من أنه »دَرَسَ التاريخ الإسلامي« في جامعة »كامبردج«! وحين بدأت في قراءة القصة فقد تَعَرَّفتُ من الصفحات الأولى على المصدر الذي استمد منه »سلمان« إطار قصته، وهو بالفعل إطارٌ لا يستطيع أن يتمثله غير دارس للتاريخ الإسلامي عارف بدخائله وبينها رواية »الغرانيق« المشهورة التي دار حولها جَدَلٌ عنيفٌ حتي في أيام الرسول ذاته ومِن بعده. ورواية »الغرانيق« والجَدَل الذي دار حولها مسألة استوقفت الكثيرين من كُتّاب السيرة طوال أربعة عشر قرناً، وتصدى للبحث فيها مئات المؤرخين والدارسين ابتداءً من »ابن إسحاق« و»ابن سعد« إلي »أحمد أمين« و»محمد حسين هيكل« (باشا). وفي إعادة الرواية للتذكير بها فقد يكون الأليَق والأوجَب أن أعتمد في شأنها على ما وَرَدَ في كتاب »حياة محمد«، وهو مرجع موثوق لا يختلف أحد على قيمته الأدبية والتاريخية والدينية. وقد جاءت رواية »الغرانيق« في سياق هذا الكتاب ضمن الفصل السادس على النحو التالي: ................................... ................................... »حديث الغرانيق الذي أورده ابن سعد في طبقاته الكبرى، والطبري في تاريخ الرسل والملوك، كما أورده كثيرون من المُفَسِّرين المسلمين وكُتّاب السيرة، والذي أخذ به جماعة المستشرقين ووقفوا يؤيدونه طويلاً أن محمداً لما رأى تجنب قريش إياه وأذاهم أصحابه تمنَّى فقال: ليته لا ينزل عليَّ شيء ينفرهم مني، وقارب قومه ودَنا منهم ودَنَوا منه فجلس يوماً في نادٍ من تلك الأندية حول الكعبة فقرأ عليهم سورة النجم حتى بلغ قوله تعالى: »أفر أيتم اللاَّتَ وَالعُزَّى، ومَنَاةَ الثَّالثَة الأُخرى«. فقرأ بعد ذلك: »تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى«. ثم مضى وقرأ السورة كلها وسجد في آخرها. وهنالك سجد القوم جميعاً لم يتخلَّف منهم أحد. وأعلنت قريش رضاها عما تلا النبيّ، وقالوا: قد عرفنا أن اللّه يحيي ويميت ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده. أما إذ جعلت لها نصيباً فنحن معك. وبذلك زال وجه الخلاف بينه وبينهم. وفشا أمر ذلك في الناس حتى بلغ الحبشة، فقال المسلمون بها: عشائرنا أحبُّ إلينا، وخرجوا راجعين. فلما كانوا دون مكة بساعة من نهار لقوا ركباً من كنانة فسألوهم، فقالوا: ذكر آلهتكم بخير فتابعه الملأ، ثم ارتد عنها فعاد لشتم آلهتهم فعادوا له بالشرّ. وأتمر المسلمون ما يصنعون، فلم يُطيقوا عن لقاء أهلهم صبراً فدخلوا مكة. وإنما ارتد محمد عن ذكر آلهة قريش بالخير، في مختلف الروايات التي أثبتت هذا الخبر، لأنه كُبر عليه قول قريش: »أما إذ جعلت لآلهتنا نصيباً فنحن معك«. ولأنه جلس في بيته، حتى إذا أمسى أتاه جبريل فعرض النبيُّ عليه سورة النجم، فقال جبريل أو جئتك بهاتين الكلمتين؟! مشيراً إلى »تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لَتُرتَجى«. قال محمد: قلت على اللّه ما لم يقل! ثم أوحى اللّه إليه: »وإنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذي أَوْحَيْنَا إلَيكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وإذًا لاَتَّخَذُوك خَلِيلاً. وَلَوْلاَ أنْ ثَبَّتْنَاك لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً. إذًا لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصيراً«. وبذلك عاد يذكر آلهة قريش بالشر ويسبهم، وعادت قريش لمناوأته وإيذاء أصحابه. وهذا حديث الغرانيق، رواه غير واحد من كُتّاب السيرة، وأشار إليه غير واحد من المفسرين، ووقف عنده كثيرون من المستشرقين طويلاً. وهو حديث ظاهر التهافت ينقضه قليل من التمحيص. وهو بعدُ حديث ينقض ما لكل نبيّ من العصمة في تبليغ رسالات ربه. فمن عَجَبِ أن يأخذ به بعض كُتّاب السيرة وبعض المفسِّرين المسلمين: ولذلك لم يتردد ابن إسحاق حين سئل عنه في أن قال: إنه من وضع الزنادقة. ولكن بعض الذين أخذوا به حاولوا تسويغه فاستندوا إلى الآيات : »وإنْ كَادُوا لَيَفُتِنُونَكَ«، وإلى قوله تعالي : »وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إلاَّ إذَا تَمَنَّى ألْقَى الشَّيْطَانُ في أُمْنَيَّتِهِ فَيَنْسَخ اللّه مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللّه آيَاتِهِ وَاللّه عَلِيمٌ حَكِيمٌ. ليَجْعَل مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقَاسِية قُلُوبُهُمْ وإنَّ الظَّالمين لفي شقاقٍ بَعِيدٍ«. ويفسر بعضهم كلمة »تَمَنَّى« في الآية بمعني قرأ، ويفسرها آخرون بمعنى الأمنية المعروفة. ويذهب هؤلاء وأولئك، ويتابعهم المستشرقون، إلى أن النَبِيَّ بلغ منه أذى المشركين أصحابَه، إذ كانوا يقتلون بعضهم ويُلقون بعضاً في الصحراء يلفَحهم لظي الشمس المحرقة، وقد أوقروهم بالحجارة كما فعلوا ببلال، حتى اضطر إلى الإذن لهم بالهجرة إلى الحبشة. كما بلغ منه جفاء قومه إيَّاه وإعراضهم عنه. ولما كان حريصاً علي إسلامهم ونجاتهم من عبادة الأصنام، تقرَّب إليهم وتلا سورة النجم وأضاف إليها حكاية الغرانيق، فلما سجد سجدوا معه، وأظهروا له الميل لاتباعه ما دام قد جعل لآلهتهم نصيباً مع اللّه. ويضيف سير وليم موير إلى هذه الرواية، التي وردت في بعض كتب السيرة وكتب التفسير، حجة يراها قاطعة بصحة حديث الغرانيق. ذلك أن المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة لم يكن قد مضى على هجرتهم إليها غير ثلاثة أشهر، أجارهم النجاشي أثناءها، وأحسن جوارهم. فلو لم يكن قد ترامى إليهم خبر الصلح بين محمد وقريش لَما دفعهم دافع إلي العود حرصاً علي الاتصال بأهلهم وعشائرهم. وأنى يكون صلح بين محمد وقريش إذ لم يسع محمد إليه، وقد كان في مكة أقلَّ نفراً وأضعف قوة ، وقد كان أصحابه أعجز من أن يمنعوا أنفسهم من أذى قريش ومن تعذيبهم إياهم!«. انتهى الاستشهاد بكتاب »حياة محمد« للدكتور »محمد حسين هيكل« (باشا). وهكذا فقد روى الرواة، ونقل المؤرخون، وتجادل المفسرون، مُعتَبِرين جميعاً أن ما شهدوه بالبصيرة قبل البصر كان مشهداً جليلاً ونبيلاً تَجَلّى فيه المعلم الأعظم يُلقي إلى نَبِيَّه المصطفي دَرساً اقترن فيه الحُب بالحزم، وكانت لمحات المشهد آيات في النص القرآني واضحة العبارة ظاهرة المعنى: 1 أن سيدنا محمداً »تمنى على الله« أن يعطيه مَخرَجاً يكف أذى المُشرِكين عن المؤمنين. 2 أن سيدنا محمداً في »تمنيه« وسط ظرفٍ عصيبٍ أطبق على جماعته في ذلك الوقت هُيِّئ له »في ما يشبه الوَحي« أن الاعتراف بشفاعة آلهة قريش يمكن »أن يُخَفِّف من غلواء القَوْم وعنادهم«، وقد تمنى ذلك برأي نُقِلَ إليه عن زعماء قريش مُؤَدّاه : »أما إذا جعلت لآلهتنا نصيباً فنحن معك«، وهنا وَقَعَ الظرف الذي ظَهَرَ فيه النص الذي يقول »أفرأيتم اللاَّت والعُزَّى ومَنَاة الثَّالِثَة الأخرى« ، ثم كانت الإضافة المزعومة بتكملة للآية تقول : »تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى«. 3 أن الله عاتب وحاسب رسوله »فيما هُيِّئَ له«، فقد سأله جبريل عن حديث الغرانيق قائلاً له: »أوجئتك بهاتين الكلمتين؟« وفهم الرسول من جبريل فقال مُسْتَغفِراً: »قلت على الله ما لم يقل«. وبعدها أوحى الله إليه آية »وإن كَادُوا لَيَفْتِنُونَك عن الَّذي أوْحَيْنا إلَيْك لتَفتَريَ عَلَيْنا غيره...« إلى آخر الآية. هذا حديث تَصَوَّرتُ أن مدخله لا بد أن يتضمن نوعاً من التمهيد له... وفي هذا التمهيد فإني أقصد إلى إبداء بعض الملاحظات آملاً أن تظل في فكر قارئه وهو ينتقل من التمهيد إلى الموضوع . والملاحظات التي أقصدها يمكن عرضها كما يلي: 1 أن موضوع هذا الحديث غريب عن مجال ما أكتب فيه عادة، ولذلك اقتضى التنويه مبكراً وربما الاعتذار سلفاً. 2 أن هذا الحديث (وهو عن قصة) ليس كلاماً في الأدب، فتلك ليست صناعتي، وهكذا فإن الاقتراب من قضية العَمَل الأدبي في سياقه مسألة هامشية. 3 ثم إن هذا الحديث ليس تَعَرُّضاً لشأنٍ ديني، فشؤون الدين لها الفقهاء والأئمة من أهل الاختصاص، وأما غيرهم فإن ورود إشارات إلى شؤون الدين في ما يقولون أو يكتبون مجرد ذكر أو استدلال. 4 وكذلك فإن هذا الحديث »كلام في السياسة« رغم اقترابه من الأدب بالمصادفة، ورغم تجنبه الخوض في أمور الدين بالعمد. 5 وأخيراً فإن هذا الحديث يجيء رَدّا علي أسئلة تَفَضَّل كثيرون بتوجيهها إليَّ (وبينهم صديق عزيز وشاعر كبير جاء سؤاله منشوراً) واحتراما للجميع أجيب أو أحاول الإجابة ولدواعٍ واعتبارات كثيرة فإن إجابتي لا تقصد إلى القصة مباشرة وإنما تذهب إليها عن طريق دائري، مُتَحَسِّباً لاحتمال أن يكون الطريق المباشر داخِلاً وسط عشوائيات من الأفضل تَجَنُّبها وكذلك فإن الطريق الدائري، ولو أنه أطوَل، فهو بالقطع أوسَع ولهذا السَبَب أسْرَع. هذا هو التمهيد، ومنه إلى الموضوع وحديثه... وهو بادئ من سنة 1988 وواصل إلى هذه السنة 2000. 1 على الطريق الدائري.. إلى هنا! في خريف سنة 1988 صادف أن كنت في لندن. وفي مطار »هيثرو« متوجهاً نحو بوابة الخروج إلي الطائرة المسافرة إلي القاهرة، مررت بإحدى مكتبات ذلك المطار المزدحم بالحركة، وتوقفت هناك كالعادة ألقي نظرة أخيرة على الكتب المستجدة، وأتأكد أنه لم يَصدُر في الساعات الأخيرة، ومنذ زرت آخر مكتبة، مطبوع جديد في موضوع يهمني. ولَفَتَ نظري وجود رَفٍّ بأكمله رُصَّت عليه نُسَخٌ من قصة جديدة للكاتب الهندي المسلم »سلمان رشدي« عنوانها »آيات شيطانية« ولم أكن قد سمعت بها من قبل. واشتريت نسخة وضعتها في حقيبة يدي. .... كان دافعي إلى شراء القصة بالدرجة الأولى معرفة سبقت بكاتبها »سلمان رشدي«، وقد التقيت به مرات في مكتب ناشري البريطاني في ذلك الوقت: »أندريه دويتش« وكنت معجباً بقوة أسلوبه وتميزه، وإن لاحظت تأثره بالكاتب الكولومبي الأشهر »غابرييل جارسيا ماركيز«، وكان أسلوب »سلمان رشدي« قد تجلى في أعمال قرأتها له سابقاً، وبالذات قصة »أبناء منتصف الليل«، ووقائعها تدور في أجواء المأساة الإنسانية التي جرت عندما تم تقسيم الهند الأصلية (إلى هند وباكستان سنة 1946)، ثم اقتضت أسباب الفصل بين الدولتين نقل ملايين البشر بالاقتلاع كي تتسق الخطوط السياسية مع مواقع التجمعات البشرية، وكانت تلك أكبر جراحة إنسانية عرفها التاريخ المعاصر حتي تلك اللحظة، فقد كان من السهل رسم الخطوط علي خريطة، لكن تطبيق الخريطة علي الحياة كان مأساة من الدم والدموع، ومن المرارة والحقد! وفي هذه الأجواء المضطربة رسم »سلمان رشدي« صوره وأبدع في نحت شخصيات قصته! هكذا اشتريت »آيات شيطانية« على قيمة وصِيت »أبناء منتصف الليل«. لكني، وأثناء تلك الرحلة من لندن إلى القاهرة، لم أتمكن من قراءتها، فقد شغلتني عنها قراءات سياسية وجدتها أَوْلى، وقَدَّرتُ أن أضُمَّ القصة إلى قراءات أدَبِيَّة أخرى موعدها إجازة الصيف على شاطئ البحر. وبعد شهور، سمعت عن مظاهرات غاضبة بَدَأَتْ في لندن ضد القصة، والقائمون على تنظيمها والمحتشدون من أجلها مسلمون من البنغال يعيشون في العاصمة البريطانية. والتظاهرات تقوم احتجاجا على مشاهد وعبارات وردت في ما كتبه »سلمان رشدي« في »آيات شيطانية لأن الغاضبين عليه وجدوا فيه إساءة إلى »سيدنا محمد«، وإلى »الوحي الرباني«، وإلي غير ذلك من مُقَدَّسات المُسلمين؟! وفي ذلك الوقت المبكر من عاصفة »آيات شيطانية« فلقد ظننت أن تظاهرات لندن تعبير أو تنفيس من نوع ما تشهده العاصمة البريطانية من تظاهرات احتجاجية كل يوم. ثم تنبهت إلى أن الأمر مختلفٌ حين قرأت أن الزعيم الأسطوري للثورة الإسلامية في إيران، وهو »آية الله روح الله الخميني«، أصدر فتوى يهدر فيها دم »سلمان رشدي« مُتَّهِماً إياه بالكفر والزندقة. وحاولت تحري الأمر من القاهرة، ثم استبان لي أن بعض الشباب المسلم من أصول هندية بعثوا إلى »آية الله« بسؤال يطلبون فيه رأيه في تصرف رَجُل من بينهم تجاوز كل حَدٍّ وكتب قصة تَرِدُ فيها مَشاهِد وحوارات أرفقوا نماذج منها مع طلبهم للفتوى في شأنها. ثم كان في ما عَرَفتُ أن »آية الله الخميني« نظر في ما تلقى، ولم يعره في البداية اهتماما يُذكر، وتقديره ربما أن الإهمال والنسيان بعد الإهمال كلاهما كفيل بعقاب هذا التجاوز الذي سُئِل عنه. ولكن استمرار التظاهرات ضد القصة واتساع نطاقها من »لندن« إلي »داكا« جعل قائد الثورة الإسلامية في إيران يُغَيِّر رأيه، وحسابه أنها فرصة لحَشد مشاعر العالم الإسلامي ضد »طاغوت الغرب واستكباره« وفي الأدب كما في السياسة. وهنا أصدَر »آية الله الخميني« »فتوى« ضد »آيات شيطانية« رأى فيها أن المؤلف يقع تحت طائلة باب خاص في مباحث الشريعة الإسلامية هو: »سَبّ النبي«، وهو باب له فقهه وله أحكام تترتب عليه تتوازي مع أحكام »الرِدَّة« عن الإسلام والكُفْر بتعاليمه بعد الإيمان... ................................... ................................... ولم يكن »آية الله الخميني« قد سمع عن »سلمان رشدي« أو قَرَأ اسمه، ولا عَرَفَ عن كتاباته أكثر مما وصله من نماذج مُستَخرَجة من »آيات شيطانية«. لكن »آية الله الخميني« بتجربته العتيقة والعميقة رأى الفرصة: السياسي فيه لمح الثغرة التي تفتحها الضجة القائمة حول القصة (وهي مناسبة لترسيخ مكانة الفقيه). والفقيه فيه أعدَّ الفتوى التي تتولى مطاردة الكاتب (وهي فُرصة لتحقيق أغراض السياسي). وهكذا قال »الخميني« كلمته، وكان قولها (في فبراير 1989) إعلاناً لحالة تعبئة إسلامية عامة تَحَوَّلت إلى عاصفة عاتية من الاحتجاج عابرة للقارات والمحيطات. ................................... ................................... أن تُقام متاريس وموانع تَصُدُّ بسرعة ريثما يَستَعِد الآخرون المعادون ل»الخميني« ولكل ما يمثله بعَمَلٍ مُضادٍ لفتواه. وبالفعل بدا أن هناك عاصفة مضادة تَستَعِد وتتأهَّب من وراء المتاريس لتهدر في اتجاه معارض ل»آية الله الخميني« وللفتوى الصادرة عنه . وهكذا تحولت »آيات شيطانية« بالعواصف والعواصف المضادة إلى دوامة وإلى إعصار زَحَفَت معه الظلمات لا يبددها إلا لمع بروق تسبق هدير الرعد، إشارة إلى تصادم شحنات كهربائية صاعقة تمد ألسنة النار أو تمد ألسنة الفِتنة! وكانت الفِتْنَة مواجهة مشبوبة باللهب بين طرفين: من ناحية: هناك »آية الله الخميني« ونظام الثورة الإيرانية الذي أنشأه، وجماهير في الشارع الإيراني اعتبرت فتوى الفقيه مرجعية لها مقامها، ثم تظاهرات إسلامية راحت تنتشر من لندن إلي مدن آسيا، ثم ترتد عائدة من الأجواء الآسيوية لتحرك كتلاً من البشر في بلدان أوروبية يعيش فيها مسلمون، ثم تكرُّ راجعة إلى بلدان مسلمة بينها معظم العواصم العربية، والكل مُسْتَفَز ومُستَنفر ضد إهانة لحقت ب»الإسلام« وب»نَبِيِّه«. وعلى الناحية الأخرى من خطوط المواجهة الفتنة كان هناك الإعلام الأوروبي (الصحافة والإذاعة والتلفزيون)، في بريطانيا ثم الولايات المتحدة، وبعدهما بقية الغرب. والنغمة السائدة في هذا الإعلام وقتها أنه »التعصب الإسلامي وضيق الأفق ثم إنها الثورة الإسلامية في إيران وزعيمها الذي تخلف من عصور سابقة ويريد أن يفرض تَزَمُّته علي عصور مُسْتَجَدَّة ثم هو العدوان علي كل الحقوق ابتداءً من الحق في الخيال الأدبي، إلى الحق في حرية النشر، إلى الحق في الحياة تضامناً مع سلمان رشدي«. وزادت المواقف حدة حين أعلنت جمعية أهلية في إيران أنها تعتبر نفسها مُكَلَّفة شرعاً بتنفيذ فتوى الإمام. واتخذ ذلك دليلاً على أنه »الإرهاب« بعينه يعيد عصر »محاكم التفتيش« تقتحم عقول الناس وتُلقي القبض على ضمائرهم! وراحت الحملة تتصاعد يوماً بعد يوم، وكان الديني فيها يتراجَع، والسياسي فيها يَتَقَدَّم، وبمقدار ما كان الدين ذريعة للسياسة في موقف »الخميني«، فإن الحرية كانت ذريعة للسياسة أيضاً في موقف الآخرين. ................................... ................................... ثم كان أن المبالغة في الحملة علي الفتوى، والتَزَيُّد فيها، أوجَدا التباسا عميقاً وعنيفاً اختلط فيه الدين مع السياسة، وتَصارعَت العقائد مع الأفكار، وتضاربت العصور مع بعضها، وكذلك القرون واستنفرت الكتب المقدسة تحارب الكتابات المارقة. وفي هذا المناخ الهائج المضطرب كان مطلوباً من الجميع أن يُحَدِّد كل منهم موقفه. كانت طهران من ناحية تطلب إلى كل »مُسلِم« أن يغضب لنبيِّ الإسلام ورسول الله. وكانت لندن وواشنطن وغيرهما من عواصم الغرب تطلب إلى كل »إنسان« أن ينتصر للحرية في كل تجلياتها السياسية والأدبية والفنية، وكان الجزء الأكبر من اهتمام الغرب بما يطلبه انتصارا للحرية موجهاً إلى العالم الإسلامي بضرورة أن يختار هذا العالم الطامح إلي الالتحاق بالعصور الحديثة موقفه هذه اللحظة، وبأعلي صوت : هل هو مع »الجَهْلِ والتَعَصُّب«، أو مع العِلمِ والحرية. وفي هذه الأجواء تلقيت تليفوناً من ناشري في لندن وقتها »أندريه دويتش«، ومؤسسته في تلك الأيام واحدة من أعرق دور النشر في بريطانيا. وكان »أندريه دويتش« الذي تَحَوَّل بالنسبة لي من ناشر إلى صديق رَجُلاً له شخصيته الفريدة وتجربته الإنسانية الغنية، وعلاقته الحميمة بالكُتُبِ وكُتَّابِها، وهو ما جعله شِبْه عُمدة وسط »بلومسبري« حَيّ النشر والمكتبات والمتاحف في قلب لندن. وفي ذلك الصباح قال لي »أندريه« على التليفون ما ملخصه »إن رئيس مجلس إدارة شركة »فايكنغ« (التابعة لمؤسسة »بنغوين«) والتي نشرت قصة »آيات شيطانية« اتصل به يطلب منه باعتباره ناشري إذْناً بوضع اسمي ضمن عددٍ من الكُتّاب على بيان يؤيدون فيه حق »سلمان رشدي« في التعبير عن نفسه، ثم يدينون في نفس الوقت تَعَصُّب إيران الجاهل بقِيَم الحرية وسُلطان الأدب والفكر. وأضاف »أندريه« قائلاً إنه استمهل رئيس مجلس إدارة »بنغوين« حتى يتصل بي في القاهرة، وبعدها يسمح له نيابة عني بوضع اسمي على البيان المقتَرَح والذي قال »أندريه« إن مكتبه سوف يبعث إليَّ على الفور بنسخة منه! وكان الدور عليَّ أن أطلب من »أندريه دويتش« أن يعطيني مُهلة لقراءة القصة قبل البَتِّ برأيي. وشعرت بدهشة في نبرته وهو يسألني »إذا كنت أحتاج إلى قراءة نص أدبي كي أؤيد حق كاتبه في التعبير عن نفسه؟«. وكان ردي أن الأمر لم يَعُد الآن مجرد نص أدبي، وإنما تَحَوَّل إلى قضية سياسية. وبما أن اسمي سوف يكون الاسم العربي المسلم تحت البيان المقترح (ضمن عشرة أسماء من جنسيات وديانات أخرى) فأبسط الضرورات أن أقرأ النص، و»أتَعَهَّد أن أتَفَرَّغ للمهمة هذا المساء وأرُد عليه برأيي غداً«. ................................... ................................... وهنا كان عليَّ أن أقرأ »آيات شيطانية« بسرعة حتى يكون رأيي في القصة على سَنَد! والحقيقة أنني عندما تناولت »آيات شيطانية« من حيث كانت فوق رَفٍّ في مكتبة، كنت على شبه اقتناع بأنني أقرأ القصة من باب »ولكن ليطمئن قلبي«، وكان أغلب ظني أنني في الغد سوف أتصل ب»أندريه دويتش« أخَوِّلُه الاتصال ب»رئيس مجلس إدارة بنغوين«، وب»سلمان رشدي« نفسه وإبلاغ الاثنين بأن »اسمي مع الآخرين في قائمة المؤيدين لحَقِّ الكاتب في نشر ما كَتَب«. ولعله كان في خلفية تفكيري ما سمعته من »سلمان رشدي« مباشرة حين التقينا في مكتب »أندريه دويتش« من أنه »دَرَسَ التاريخ الإسلامي« في جامعة »كامبردج«! وحين بدأت في قراءة القصة فقد تَعَرَّفتُ من الصفحات الأولى على المصدر الذي استمد منه »سلمان« إطار قصته، وهو بالفعل إطارٌ لا يستطيع أن يتمثله غير دارس للتاريخ الإسلامي عارف بدخائله وبينها رواية »الغرانيق« المشهورة التي دار حولها جَدَلٌ عنيفٌ حتي في أيام الرسول ذاته ومِن بعده. ورواية »الغرانيق« والجَدَل الذي دار حولها مسألة استوقفت الكثيرين من كُتّاب السيرة طوال أربعة عشر قرناً، وتصدى للبحث فيها مئات المؤرخين والدارسين ابتداءً من »ابن إسحاق« و»ابن سعد« إلي »أحمد أمين« و»محمد حسين هيكل« (باشا). وفي إعادة الرواية للتذكير بها فقد يكون الأليَق والأوجَب أن أعتمد في شأنها على ما وَرَدَ في كتاب »حياة محمد«، وهو مرجع موثوق لا يختلف أحد على قيمته الأدبية والتاريخية والدينية. وقد جاءت رواية »الغرانيق« في سياق هذا الكتاب ضمن الفصل السادس على النحو التالي: ................................... ................................... »حديث الغرانيق الذي أورده ابن سعد في طبقاته الكبرى، والطبري في تاريخ الرسل والملوك، كما أورده كثيرون من المُفَسِّرين المسلمين وكُتّاب السيرة، والذي أخذ به جماعة المستشرقين ووقفوا يؤيدونه طويلاً أن محمداً لما رأى تجنب قريش إياه وأذاهم أصحابه تمنَّى فقال: ليته لا ينزل عليَّ شيء ينفرهم مني، وقارب قومه ودَنا منهم ودَنَوا منه فجلس يوماً في نادٍ من تلك الأندية حول الكعبة فقرأ عليهم سورة النجم حتى بلغ قوله تعالى: »أفر أيتم اللاَّتَ وَالعُزَّى، ومَنَاةَ الثَّالثَة الأُخرى«. فقرأ بعد ذلك: »تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى«. ثم مضى وقرأ السورة كلها وسجد في آخرها. وهنالك سجد القوم جميعاً لم يتخلَّف منهم أحد. وأعلنت قريش رضاها عما تلا النبيّ، وقالوا: قد عرفنا أن اللّه يحيي ويميت ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده. أما إذ جعلت لها نصيباً فنحن معك. وبذلك زال وجه الخلاف بينه وبينهم. وفشا أمر ذلك في الناس حتى بلغ الحبشة، فقال المسلمون بها: عشائرنا أحبُّ إلينا، وخرجوا راجعين. فلما كانوا دون مكة بساعة من نهار لقوا ركباً من كنانة فسألوهم، فقالوا: ذكر آلهتكم بخير فتابعه الملأ، ثم ارتد عنها فعاد لشتم آلهتهم فعادوا له بالشرّ. وأتمر المسلمون ما يصنعون، فلم يُطيقوا عن لقاء أهلهم صبراً فدخلوا مكة. وإنما ارتد محمد عن ذكر آلهة قريش بالخير، في مختلف الروايات التي أثبتت هذا الخبر، لأنه كُبر عليه قول قريش: »أما إذ جعلت لآلهتنا نصيباً فنحن معك«. ولأنه جلس في بيته، حتى إذا أمسى أتاه جبريل فعرض النبيُّ عليه سورة النجم، فقال جبريل أو جئتك بهاتين الكلمتين؟! مشيراً إلى »تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لَتُرتَجى«. قال محمد: قلت على اللّه ما لم يقل! ثم أوحى اللّه إليه: »وإنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذي أَوْحَيْنَا إلَيكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وإذًا لاَتَّخَذُوك خَلِيلاً. وَلَوْلاَ أنْ ثَبَّتْنَاك لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً. إذًا لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصيراً«. وبذلك عاد يذكر آلهة قريش بالشر ويسبهم، وعادت قريش لمناوأته وإيذاء أصحابه. وهذا حديث الغرانيق، رواه غير واحد من كُتّاب السيرة، وأشار إليه غير واحد من المفسرين، ووقف عنده كثيرون من المستشرقين طويلاً. وهو حديث ظاهر التهافت ينقضه قليل من التمحيص. وهو بعدُ حديث ينقض ما لكل نبيّ من العصمة في تبليغ رسالات ربه. فمن عَجَبِ أن يأخذ به بعض كُتّاب السيرة وبعض المفسِّرين المسلمين: ولذلك لم يتردد ابن إسحاق حين سئل عنه في أن قال: إنه من وضع الزنادقة. ولكن بعض الذين أخذوا به حاولوا تسويغه فاستندوا إلى الآيات : »وإنْ كَادُوا لَيَفُتِنُونَكَ«، وإلى قوله تعالي : »وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إلاَّ إذَا تَمَنَّى ألْقَى الشَّيْطَانُ في أُمْنَيَّتِهِ فَيَنْسَخ اللّه مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللّه آيَاتِهِ وَاللّه عَلِيمٌ حَكِيمٌ. ليَجْعَل مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقَاسِية قُلُوبُهُمْ وإنَّ الظَّالمين لفي شقاقٍ بَعِيدٍ«. ويفسر بعضهم كلمة »تَمَنَّى« في الآية بمعني قرأ، ويفسرها آخرون بمعنى الأمنية المعروفة. ويذهب هؤلاء وأولئك، ويتابعهم المستشرقون، إلى أن النَبِيَّ بلغ منه أذى المشركين أصحابَه، إذ كانوا يقتلون بعضهم ويُلقون بعضاً في الصحراء يلفَحهم لظي الشمس المحرقة، وقد أوقروهم بالحجارة كما فعلوا ببلال، حتى اضطر إلى الإذن لهم بالهجرة إلى الحبشة. كما بلغ منه جفاء قومه إيَّاه وإعراضهم عنه. ولما كان حريصاً علي إسلامهم ونجاتهم من عبادة الأصنام، تقرَّب إليهم وتلا سورة النجم وأضاف إليها حكاية الغرانيق، فلما سجد سجدوا معه، وأظهروا له الميل لاتباعه ما دام قد جعل لآلهتهم نصيباً مع اللّه. ويضيف سير وليم موير إلى هذه الرواية، التي وردت في بعض كتب السيرة وكتب التفسير، حجة يراها قاطعة بصحة حديث الغرانيق. ذلك أن المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة لم يكن قد مضى على هجرتهم إليها غير ثلاثة أشهر، أجارهم النجاشي أثناءها، وأحسن جوارهم. فلو لم يكن قد ترامى إليهم خبر الصلح بين محمد وقريش لَما دفعهم دافع إلي العود حرصاً علي الاتصال بأهلهم وعشائرهم. وأنى يكون صلح بين محمد وقريش إذ لم يسع محمد إليه، وقد كان في مكة أقلَّ نفراً وأضعف قوة ، وقد كان أصحابه أعجز من أن يمنعوا أنفسهم من أذى قريش ومن تعذيبهم إياهم!«. انتهى الاستشهاد بكتاب »حياة محمد« للدكتور »محمد حسين هيكل« (باشا). وهكذا فقد روى الرواة، ونقل المؤرخون، وتجادل المفسرون، مُعتَبِرين جميعاً أن ما شهدوه بالبصيرة قبل البصر كان مشهداً جليلاً ونبيلاً تَجَلّى فيه المعلم الأعظم يُلقي إلى نَبِيَّه المصطفي دَرساً اقترن فيه الحُب بالحزم، وكانت لمحات المشهد آيات في النص القرآني واضحة العبارة ظاهرة المعنى: 1 أن سيدنا محمداً »تمنى على الله« أن يعطيه مَخرَجاً يكف أذى المُشرِكين عن المؤمنين. 2 أن سيدنا محمداً في »تمنيه« وسط ظرفٍ عصيبٍ أطبق على جماعته في ذلك الوقت هُيِّئ له »في ما يشبه الوَحي« أن الاعتراف بشفاعة آلهة قريش يمكن »أن يُخَفِّف من غلواء القَوْم وعنادهم«، وقد تمنى ذلك برأي نُقِلَ إليه عن زعماء قريش مُؤَدّاه : »أما إذا جعلت لآلهتنا نصيباً فنحن معك«، وهنا وَقَعَ الظرف الذي ظَهَرَ فيه النص الذي يقول »أفرأيتم اللاَّت والعُزَّى ومَنَاة الثَّالِثَة الأخرى« ، ثم كانت الإضافة المزعومة بتكملة للآية تقول : »تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى«. 3 أن الله عاتب وحاسب رسوله »فيما هُيِّئَ له«، فقد سأله جبريل عن حديث الغرانيق قائلاً له: »أوجئتك بهاتين الكلمتين؟« وفهم الرسول من جبريل فقال مُسْتَغفِراً: »قلت على الله ما لم يقل«. وبعدها أوحى الله إليه آية »وإن كَادُوا لَيَفْتِنُونَك عن الَّذي أوْحَيْنا إلَيْك لتَفتَريَ عَلَيْنا غيره...« إلى آخر الآية. 4 وبعدها نَزَلَت الآية الواردة في سورة الحج أن »فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته...« إلى آخره. 5 والمعنى في ذلك أنه كانت هناك آيات حاوَلَ فيها الشيطان ما حاوَلَ، ثم اقتضت حِكمة الله »نسخ ما ألقى الشيطان، واتسعت رحمته فرَفَعَ عن رسوله مِحنة أن تفتنه قريش بحيث يفتري على الله بغير ما أوحى إليه لولا أن عَصَمَه الله بهُداه«. كان ذلك ملخص رواية »الغرانيق« التي طال فيها الجَدَل طول التاريخ الإسلامي والآن جاء »سلمان رشدي« ليستعملها إطاراً لقصة اختار لها عنوان »آيات شيطانية«. ................................... ................................... وكان تقديري بعد أن قرأت القصة أن »سلمان رشدي« التقى برواية »الغرانيق« أثناء دراسته للتاريخ الإسلامي، ثم إنه قرر تطويعها لخياله والتوسع فيها كما يشاء هواه! وهكذا شَطَحَ »سلمان رشدي« بعيداً مع تَصَوُّرات وصُوَر حَرَّرَت نفسها من كل محظور أو مقدس حتى وَصَل بالباطل إلى زوجات النبي في فصلٍ من القصة اختار له عنوان »عائشة«! وما أن طلع صباح اليوم التالي حتى بادرت إلى الاتصال ب»أندريه دويتش« في لندن أرجوه أن يبلغ رئيس مجلس إدارة »بنعوين« اعتذاري عن وضع اسمي على بيان يجري إعداده دفاعاً عن »سلمان رشدي«. وبدا »أندريه« مُنزَعِجاً لتَرَدُّد واحد من المؤلفين الذين تنشر لهم داره في الانتصار لحق مؤلِّف، وحاولت أن أشرح له، ولكن التفاصيل كانت للإنصاف عَصِيَّة عليه، وهكذا سألني إذا كان في استطاعته أن يطلب إلى رئيس مجلس إدارة »بنغوين« أو إلى »سلمان رشدي« أن يتصل أحدهما بي مباشرة. وفي نصف ساعة كان رئيس مجلس إدارة »بنغوين« على التليفون من لندن يسألني عن »السبب الذي يدعوني إلى الامتناع عن المشاركة في صَدِّ خطر مُطبِق على حرية الفكر والكتابة والنشر؟« ومرة ثانية حاولت أن أشرح التفاصيل، لكن مُحَدِّثي قاطعَني سائلاً: »هل رأيت الفيلم السينمائي »الغوايات الأخيرة للسيد المسيح«؟ إن مؤلِّف القصة (»نيكولاس كازانتزاكس«) ومُخرِج الفيلم الذي اعتمد عليها (»مارتن سيكورسيز«) كليهما صَوَّرا المسيح حِواراً وفيلماً وهو مُسَمَّر على الصليب مدة زادَت عن نصف ساعة (أي ثُلث الفيلم كله) وفي هذه المساحة من الفيلم فإن المسيح المصلوب خَطَرَت علي خياله أحلام إنسانية، شديدة الإنسانية... فيها أطياف جنس وكان قصد الاثنين: مُؤَلِّف القصة ومُخرِج الفيلم، تأكيد أن المسيح إنسان... وهذا ما حاوله سلمان مع محمد«. وبدا لي الآن مُحَقَّقاً أن »سلمان رشدي« تأثر بالفيلم، وكان ذلك خاطراً طاف بفكري أثناء قراءة »آيات شيطانية«، وخَطَرَ لي أن ما أقرأه نص أراد به صاحبه إسلامياً أن يجاري آخرين سبقوه مسيحياً خصوصاً أن الضجة حول فيلم »الغوايات الأخيرة للسيد المسيح« سنة 1985 كانت مدوية لدرجة كفلت له حجماً من النجاح يُحَرِّض على التقليد ويُغري! وتَمَسَّكتُ باعتذاري عن المشاركة في البيان المقترح، ولم يقتنع رئيس مجلس إدارة »بنجوين«، وانتهينا على أنه سوف يطلب إلى »سلمان رشدي« أن يتصل بنفسه يشرح وجهة نظره ونَتَّفِق على حل. وبالفعل اتصل »سلمان رشدي« يسأل: »هل »أنا« مع أو ضد حرية الخيال وحق الكاتب في الرحلة معه بغير إذنٍ من الشُرطي أو المُفتي؟« ورددت بأنني »لست ضد حرية الخيال، ثم إن اعتقادي قبل اعتقاده بأن حرية الخيال رُخصَة لا يأذن بها »الشُرطي« ولا »المُفتي««. ثم أضفت »أنني قد أستطيع تَفَهُّم حرية في الخيال في ما يتعلق بالآيات الشيطانية« نفسها استنادا أو استغلالا لحديث »الغرانيق«، لكني لا أستطيع ولست بالمُتَعَصِّب في ما أرى أن أدافع عما وَرَدَ عن زوجات النبي كلهن بالاسم وبدون استثناء في ذلك الجزء من القصة الذي اختار له عنوان »عائشة««. وعاد »سلمان رشدي« فبعث إليَّ بردٍّ مُقتَضَب أعرب فيه عن اعتقاده بأنه »لا يَملِك أي مُثَقَّف، مهما كانت دعاواه، أن يتخذ لنفسه موقفاً محايداً في قضيته، لأنها بذاتها الصراع بين قوى التنوير وقوى الظلام«! ولم أجد داعياً لمواصلة الجدل، بظن أنه في مثل هذه الأحوال عقيم! 2 الشيطان لديه مصالح ... وخطط ! خلال شهور طويلة بدا العالم منقسماً بفكره: مع »سلمان رشدي« وضده. ومن اللافت للنظر أن كثيرين من المُشتَغِلين بالكتابة والثقافة في العالم العربي كانوا ضمن أعلى الأصوات تأييداً ل»سلمان رشدي« بدعوى الحق في »الإبداع« (وذلك لفظ مُعَبَّأ في ما أحس بالادعاء!)، كما أن »حرية الفكر والنشر« و»سُلطَة الخيال على النص الأدبي« لا ينبغي أن يَصُدَّهما عائق (كأنه يمكن الفصل بين روح الحرية وروح القانون). ومن المفارقات أن »الأزهر« (ربما بتوجيه من السياسة) خرج برأي يعارض فتوى »الخميني«، فقد صرح متحدث باسم المَشيَخة ونَقَلَت عنه وكالات الأنباء (رويتر ووكالة الأنباء الفرنسية ووكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية) ما نصه: »إن الشرع الإسلامي لا يقبل بتكفير سلمان رشدي، فليس في الإسلام ما يسمح بهدر دَم الناس دون محاكمة، خصوصاً إذا لم يكن الداعي جريمة قتل أو خيانة. إن مبدأ تكفير رَجُل بسبب آراء كَتَبَها غير مقبول«. ولم يَفُت على وكالات الأنباء الغربية أن تشير إلى أن موقف الأزهر ربما أملته خلافات عميقة الجذور بين السُنَّة والشيعة! وبدا من مختلف الآراء التي قيلت في مصر، سواء على مستوى المشتغلين بأمور الفكر والثقافة، أو المشتغلين بمسؤولية الإفتاء الديني، أن أحداً منهم جميعاً لم يَقرأ حتى تلك اللحظة قصة الآيات الشيطانية، واعترف بذلك كثيرون ممن تكلموا وأفتوا، وزادوا »أنهم اتخذوا موقفهم.. فعلوا ذلك استنادا إلى المبدأ العام بصرف النظر عن التفاصيل«! ومن حُسن الحظ أن الأصوات العربية ضاعت في هدير العاصفة. ................................... ................................... والآن كانت التظاهرات بحاراً هائجة، وكانت الاحتجاجات موجات مَدّ وجَزر تكتسح الشواطئ وترتد عنها لتكر عائدة إليها من جديد. ووجد »سلمان رشدي« نفسه دون غطاء يكفيه، وحاول أن يُدافِع عن نفسه. وفي 14 فبراير 1989 نَشَرَت الصحف البريطانية وبينها »التايمز« تصريحاً له يقول فيه: إن ما يقلقني أشد القلق أن هؤلاء الذين يتظاهرون ضد الكِتاب لم يقرأوه. إنهم يثورون، ويُحَطِّمون، ويحرقون الأعلام لسبب ليس له وجود بالنسبة لهم، ذلك أن كتابي لا يُباع في أي بلد إسلامي!«. ثم أضاف في أحاديث لوسائل إعلام عربية تأكيدات أقسَمَ عليها بأغلَظ يمين أنه »آخر إنسان« يُسيء إلى الإسلام وهو الدارس المتَعَمِّق في تاريخه، ثم إنه على العكس مما يقول به أعداؤه »يعتقد أنه خَدَم الإسلام إذ أظهره كنزاً للفن ومُستَودَعاً لرؤى جمالية بلا حدود«. وبينما الجَدَل مُحتَدِم حول »آيات شيطانية« وهل هي: »تُحفة أدبية« أو »إهانة للإسلام« وحول »سلمان رشدي« وهل هو: »مُرتَد عن الإسلام« أو »مُؤمِن مُتَمَسِّك بإيمانه« دَخَل البيت الأبيض في واشنطن على الخط، فقد التقط الرئيس »جورج بوش« (الرئيس الأمريكي وقتها) حَبْلَ الجَدَل وأفتى هو الآخر بتصريح صحافي حَكَمَ فيه بأن »كتاب سلمان رشدي يمكن أن يكون جارحاً لكن التحريض على قَتْلِ المؤَلِّف عَمَلٌ لا يستطيع العالم المُتَحَضِّر أن يسكت عليه«. ثم زادَت الأمور وضوحاً مع بيانٍ أصدرته وزارة الخارجية البريطانية نصه: »إن الحكومة الإيرانية عليها أن تقرر إذا كانت تريد علاقات طبيعية مع بقية العالم أم لا. وإذا كانت تريد علاقات طبيعية فأول ما يَتَعَيَّن عليها أن تفعله هو التَبَرُّؤ من هذه الفتوى التي تُحَرِّض المواطنين في بلدان خارج إيران على التظاهر والعنف والقتل!«. وأخيراً »صَدَرَ القرار« كالعادة من واشنطن، وملخصه »أن آية الله الخميني هو السُلطة الأعلى في نظام الثورة الإسلامية بوصفه مرشدها، وصدور الفتوى منه بردَّة سلمان رشدي عن الإسلام وإهدار دمه يعتبر رعاية رسمية من الدولة الإيرانية للإرهاب وتصديراً له« وإذا لم تتراجع الحكومة الإيرانية عن ذلك الموقف فسوف تُوضع على قائمة الدول المُصَدِّرة للإرهاب، ثم تطالها الإجراءات المقررة للدول الراعية للإرهاب، وهي واصلة إلى درجة العزل والحجر، وما هو أشد وأقسى«! وفي ذلك الوقت بدا »سلمان رشدي« في حالة تَخَبُّط، فهو يتمسك بما قال في قصته يوماً، ثم يستدرك بعد ساعات بالاعتذار عنه ثم يجيء في يوم آخر ليلفت نظر مُنتَقِدي كتابه إلى أنهم لو التفتوا بدِقَّة إلى صياغة عباراته لاكتشفوا أنه قال ما قاله في نصوص عمله الروائي »وهو في موضع النائم يحلم وهو بالطبع ليس مسؤولاً عن الأحلام لا هو ولا غيره ممن تجيئهم الأحلام وهُم نيام«. ثم يتساءل: »هل يُعاقَب رَجُلٌ على ما يحلم به في نومه؟«. لكنه في يوم ثالث بعد الإنكار والعدول عنه وبعد الأحلام تزور أصحابها بغير مسؤولية عليهم يصل إلى »التسليم بأن بعض ما وَرَدَ في كتابه يمكن اعتباره »نوعاً من الرِدَّة«! لكنه وقد رأى الحق الآن تائِبٌ إلى الله وعائدٌ لإشهار إسلامه على الملأ أمام جمع من العلماء المسلمين. وكان بعض هؤلاء العلماء قد قاموا في لندن بمحاولة للحَدِّ من ضرر الحملة التي لحقت بالإسلام في حسبانهم وهكذا وَقَف »سلمان رشدي« أمامهم وراح يُكرِّر شهادة »أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسوله«. ثم اكتشف »سلمان رشدي« في لهْفَتِه لدفع تُهْمَة الرِدَّة عن الإسلام أنه سوف يفقد »قضيته« في الغرب، وكذلك عاد وتراجع أمام لائميه (هناك) مُعتَذِراً لهم بأنه لم يَتَراجَع ولم يَتَخاذل، وإنما هو »رَجُلٌ يحاول الدفاع عن حياته، فهو مَرصود في دائرة القتل طول الوقت بينما حكومات الغرب تتبنى قضيته بالكلام دون أن تُوَفِّر له الحماية، لأنها لا تضغط علي إيران بما فيه الكفاية حتي تَسْحَب فتوي الخميني«. وكان أن شُدِّدَت الحراسة حول »سلمان رشدي« ووَضَعَت سلطة المخابرات البريطانية الداخلية M. I. 5 تحت تصرفه عدة بيوت آمنة يتنقل بينها مُتَخَفِّياً حتي يضيع أثره من أي قاتل يتربص به. ورَوَت زوجة »سلمان رشدي« التي عاشت معه تلك الأيام، وهي الكاتبة الأمريكية »ماريان ويغِنز« أن »سلمان« كان سعيداً وهو يستمتع بالضجة التي ثارت حوله، وبالشُهْرة التي تحققت له، وأن حجم مبيعات كتابه وحساب عوائدها كان شاغِل آماله طول الوقت. ثم رَوَت أنها كانت تتابع تصرفاته طوال تلك الفترة، وأنها وَجَدَته رَجُلاً أنانياً بلا قضية حقيقية، وأن الضجة من حوله أضافت إليه »وَرَماً« من الغرور »بحجم فيل«، وتآكل وتلاشى إعجابها به، وكذلك حبها. وقَرَّرَت أن تنفصل عنه ناجية بتوازنها العقلي والنفسي من عالمه »المجنون«، ثم إنها سوف تطلب الطلاق منه وتغادر بريطانيا عائدة إلى وطنها في الولايات المتحدة (وكذلك فَعَلَت). والحاصل أن »سلمان رشدي« لم يُغلِق الأبواب على نفسه كما كان يقول ويُقال عنه، وإنما كان »يذهب« كل ليلة ل»مفاجأة« بعض أصدقائه يزورهم ويحضر سهراتهم وحفلاتهم، وبعد دخول أبواب بيوتهم يخلع ذقناً مُستَعاراً يُعَلِّقه حول وجهه، ويرفع قُبَّعَة من الصوف يُغَطّي بها رأسه، ثم يقدم نفسه سعيداً لجمهور من »أصحاب البيت والضيوف« والكل يُرَحِّب بظهوره مُصَفِّقاً، بينما هو يقول للجميع: »ها أنذا حَيٌّ بينكم على الرغم من الفتوى«! ................................... ................................... وفي تلك الأيام وأثناء وجودي مرة في لندن سألني »إدوارد هيث« رئيس وزراء بريطانيا السابق »عما إذا لم يكن هناك حل لهذا الحكم بالقتل ضد سلمان رشدي؟«. وحاولت أن أشرح له بمقدار ما أفهم فارق ما بين »الحُكم« وبين »الفتوى« في الشرع الإسلامي. وبمعنى أن »الحُكم« قرارٌ من مُختَص بينما »الفتوى« رأيٌ من مُجتَهِد. وسألني »هيث« يومها: »ليكن... أليس من الممكن سحب هذه الفتوى أو إلغاؤها؟«. وحاولت كذلك بمقدار ما أعرف توضيح أن الفتوي باعتبارها اجتهادا لفقيه رأيٌ يَخُصُّه، والرأي قائم إلا إذا رأى صاحبه تعديله أو تبديله مُعَبِّراً بذلك عن تغيير طرأ على فكره. والفتوى في هذه الحالة صادرة من »آية الله الخميني«، والرَجُل لم يُغَيِّر رأيه، وكذلك فكره، والمأزق أن الجميع أمام فتوى وليسوا أمام حُكم ! ثم حدث أن ما سمعته كلاماً من »إدوارد هيث« تَحَوَّلَ إلى سياسة في لندن وواشنطن، فقد راحت العاصمتان ووراءهما جيوش جَرّارة: سياسية وإعلامية، يُشَدِّدون جميعاً على سَحب فتوي »الخميني« ضد »سلمان رشدي« أو إلغائها، وإلا فهو العقاب. وبالفعل بدأت إجراءات العقاب شديداً وشاملاً. ................................... ................................... وبَقي ذلك الطلب بسحب الفتوى أو إلغائها إنذاراً قائماً وسارياً حتي بعد أن توفي »آية الله الخميني«. وفي تلك الأيام حاول الرئيس الفرنسي »فرانسوا ميتران« أن يتدخل في الأمر »كمثقف« مُهْتَم بحرية الفكر والنشر. وكان بين حُجَج »ميتران« وقتها أن هذا »التعصب« الإيراني العنيد يعيد تجديد النزاع بين »الإسلام« و»المسيحية«، وبين الشرق الأوسط وأوروبا، وبالفعل بعث الرئيس »ميتران« برسالة تحمل هذا المعني إلى الرَجُل الذي خَلَف »آية الله الخميني« كمُرشِدٍ ثانٍ للثورة الإسلامية في إيران وهو السيد »علي خامنئي« الذي رَدَّ عليه بخطاب تَحَيَّرَ »ميتران« حَسَب روايته في فك رموزه ربما بسبب دِقَّة الخط الفاصل بين الفتوى والحُكم. فقد قال له »خامنئي«: »إنه لسوء الحظ لا يستطيع أن يفعل شيئاً في ما طلبه »الرئيس الفرنسي« منه لأن القضية تتجاوزه، ذلك أن فتوى الإمام مثل سَهمٍ انطلق في الفضاء ولم يَعُد في مقدور أحد أن يَسْتَرِدَّه«! ................................... ................................... وكان أن بدت القضية في بلدان الغرب جميعاً وكأنها بَوادِر حرب صليبية تَتَجَدَّد، وأحس الفاتيكان أن التيار يندفع إلى حيث لا يريد أحد، وهكذا صَدَرَ بيان عن المقر البابوي في روما نشرته صحيفته الرسمية »الأُوسِّرفاتوري رومانو« جاء فيه: »إن ملايين المسلمين أحسوا بالغضب لما قرأوه في قصة »سلمان رشدي«. ومن الضروري لكل مسيحي احتراما لدينه على الأقل أن يستاء من أي إهانة تُوَجَّه إلى ديانات غيره، وعلينا أن نتذكر أن قداسة العقيدة لا تقل أهمية عن قداسة الحياة«! ثم صَدَرَ حُكمٌ بريطاني عن كبير القضاة Lord of Justice في دعوى قضائية رَفَعَتها بعض الجمعيات الإسلاميَّة (من أعضاء يحملون الجنسية البريطانية) ضد مُؤَلِّف الكتاب وناشره على أساس أن قصة »آيات شيطانية« تتضمن »إهانة« للإسلام blasphemy . وكان الحُكم الصادر عن المحكمة في نوفمبر 1991 إرساءً لقاعدة جديرة بالاهتمام والاحترام، لأن كبير القضاة بدأ حكمه بقوله ان »المحكمة تجد نفسها في وضع لا يسمح لها بالفصل في موضوع هذه القضية«. والحيثيات أن الموضوع من جانبين: الجانب الأول أن القوانين البريطانية تسمح لمن يشاء بإنكار الدين أو بمناقشة تعاليمه وأحكامه، وذلك عَمَلاً بمبدأ حرية كل إنسان في ما يُؤمَن به من عقيدة. لكن القوانين البريطانية في نفس الوقت لا تسمح بإهانة الدين blasphemy لأن ذلك يخرج عن مبدأ حرية كل إنسان في عقيدته، باعتبار أن إهانة أي دين هي عدوانٌ على عقائد المؤمنين به، تمس ضمائرهم، وتجرح شعورهم«. والخلاصة هنا أن إنكار الدين أو مناقشته يمكن أن يكون من أعمال حرية الفكر، لكن إهانة الدين اعتداء علي حرية آخرين لهم الحق في كرامة عقائدهم. وأما الجانب الثاني في تقدير كبير القضاة فهو أن المحاكم في بريطانيا لا تملك من القوانين ما يسمح لها بتطبيق مبدأ عدم إهانة الدين على أديان أخرى غير المسيحية، فهذه الديانة هي وحدها التي تشير إليها النصوص الحامية للأديان من الإهانة. ويتصل بذلك أن المحكمة لا تستطيع لغياب النصوص اللازمة أن تنظر في قضية تتعلق بإهانة دين آخر غير المسيحية. على أن المحكمة في هذا الصدد تلفت نظر البرلمان إلى أنه وقد أصبحت بريطانيا بلداً تَتَعَدَّد فيه الديانات على عكس ما كانت الحال عليه عندما وَضَعَت نصوص حظر إهانة الدين المسيحي فإن حقوق غير المسيحيين من المواطنين البريطانيين قد تتطلب إجراء تعديلات أو إلحاق إضافات للقوانين تحمي الأديان الأخرى غير المسيحية من الإهانة blasphemy . ومع ذلك وبرغم مرور السنين، وبرغم وفاة الفقيه صاحب الفتوى (يوم 4 يونيو 1989)، وبرغم أدبيات كثيرة تُفَرِّق بين الفتوى والحكم، وبرغم وَقْفَة عَدل من كبير القضاة في بريطانيا فإن الحملة استمرت وإن تفاوتت شدتها بين وقت وآخر. وفي ذلك الوقت فكرت إحدى مجموعات التلفزيون الدولية أن تنظم حوارات على الهواء مع عدد من زعامات الشرق الأوسط، وعُرِضَ عليَّ أن أشارك في هذه الحوارات. واشترطت لأسبابٍ تتعلق بي أن لا يكون مطلوباً مني إجراء حوارات مع زعماء من العرب وقبل أصحاب العرض، وقبلت. وكان نصيبي ثلاثة لقاءات (كل منها ساعتان) مع السيدة »بي نظير بوتو« رئيسة وزراء باكستان، والسيد »تورغوت أوزال« رئيس الجمهورية التركية، والسيد »علي أكبر هاشمي رفسنجاني« رئيس الجمهورية الإسلامية في إيران. وتقرر أن يكون الحوار مع الرئيس الإيراني هو البداية، خصوصاً أن موضوع الإرهاب على رأس قائمة أولويات العالم، ثم إن الفتوي الخاصة ب»سلمان رشدي« هي العَلَم الذي يُرَفرِف كلما طُرِحَ موضوع الإرهاب! وهكذا استبقتني إلى طهران مجموعة مقدمة تضم إداريين ومخرجين ومصورين، ثم وصلت في الموعد المحدد (الساعة العاشرة من صباح التاسع من نوفمبر 1993) لإجراء اللقاء مع الرئيس الإيراني في القصر الجمهوري، وإذا الترتيبات تأخذني مباشرة إلي قاعة استقبال واسعة دخلت من أحد أبوابها ورأيت الرئيس »رفسنجاني« داخلاً في نفس اللحظة من بابها المقابل، لأن المخرِج رأى أن تكون لحظة لقائنا الأول تحت الأضواء وأمام العدسات! ولم أجد ذلك الترتيب مناسباً. وقلت للرئيس »رفسنجاني« والأضواء مُسَلَّطة والعدسات مُوَجَّهة ما مؤداه »إنني أرجوه تَعديل هذا الترتيب الذي ارتآه مخرج البرنامج بالاتفاق مع المسؤولين عن المراسم في القصر الجمهوري«. وأضفت »أنه وأنا غُرَباء نلتقي للمرة الأولى، فإذا جلس كلانا أمام الآخر على الفور ودون تعارف إنساني مسبق فسوف يبدو المشهد لقاء غُرَباء بارِداً مثل وشاح الثلج الذي يظهر أمامنا من بعيد فوق رأس جبال شمران«. وفوجئ الرئيس »رفسنجاني« على ما بدا بما قلت، وسألني »ماذا نفعل الآن؟« وقلت »نُطفئ الأنوار ونقفل العدسات ونخرج من هنا إلى مكتبك نُخَفِّف الغربة بكسر ثلوجها، ونتعارف إنسانياً قبل أن نجلس معاً لتَعارُف إنساني بين: رئيس وصحافي!« وأمسك الرئيس »رفسنجاني« بيدي يقودني إلى مكتبه، والأضواء والعدسات مُفاجأة بما جرى أمامها علي عكس السيناريو الموضوع والمقرر، وقد راحت هذه الأضواء والعَدَسات لثوانٍ تواصل عملها بينما أطراف المشهد يخرجون من إطاره! وجلسنا لحديث طويل، وفناجين من القهوة والشاي، وتجارب وحكايات، واتصل به مرشد الثورة الإيرانية السيد »علي خامنئي« أثناء جلستنا وأبدى آراء وتعليقات حول محاضرة كنت ألقيتها في محفل عام بالإسكندرية قبلها بأسابيع وقد وصلت إليه مترجمة إلى الفارسية.... وبعد قرابة الساعة (خمس وخمسين دقيقة بالضبط) وكانت ألفة التعارف قد أذابت ثلوج الغربة، قلت للرئيس »رفسنجاني«: »الآن نستطيع أن نجلس تحت الأضواء وأمام العدسات، دون أن يحس أحد بلسعة البرودة في الجو«! وابتسم الرَجُل ابتسامة ودودة، وعدنا إلى حيث كنا قبل ساعة، وكان الطقس كله قد اختلف. وفي تلك الجلسة التمهيدية مع الرئيس »رفسنجاني« في مكتبه حرصت على أن لا أقترب من أي سؤال أنوي توجيهه إليه، ولو كنت فعلت لبَدَت إجابته اللاحقة تحت الأضواء وأمام الكاميرات رَدّا فَقَدَ طلاوته من تكراره على لسان قائله أكثر من مرة في مسافة زمنية قصيرة. وتحت الأضواء وأمام العدسات طوفت بالحديث مع »رفسنجاني« إلى قريب وبعيد، ثم سألته دون تمهيد عن فتوى »الخميني« ضد »سلمان رشدي«؟ وراح »رفسنجاني« يُرَدِّد حُجَجاً معروفة: »إن الفتوى رأيٌ وليست حُكماً، وأنه في مجال الرأي فإن صاحب الرأي وحده هو الذي يملك تغييره أو إلغاءه، وأنه إذا أراد غيره إصدار فتوى فهذا حقه، لكن المشكلة بالنسبة للدولة في إيران أنه نظراً ل»مقام الإمام« فإن أحداً لن يُقدِم على مخالفته علناً، حتى وإن تبدى له غير ما رأى«. وضَرَبَ »رفسنجاني« مَثَلاً وجده تقريباً للمسألة إلى الأذهان »بأنني لو كتبت كتاباً وعارضني فيه آخرون، فهؤلاء الآخرون ليس في استطاعتهم إلا واحد من اثنين: »إما أن يُقنِعوك برأي مختلف «.. »وإما أن يكتب أحدهم كتاباً آخر بوجهة النظر الأخرى«. ولا يمكن أن يكون حلاً أن ينوب عنك غيرك في تعديل الكتاب إذا اقتضى الأمر، أو في سَحبِه تماماً إذا اقتنعت برأي مخالف. والمشكلة في الحالة القائمة أن »الإمام الخميني« عَبَّرَ بفتواه عن اقتناعه برأي، وهو لم يُغَيِّر رأيه حتى اليوم الذي فارق الحياة فيه وبعدها لم يعد في مقدور أحد أن يصل إليه بعرضٍ لمتغيرات الزمن لعله يرى في فتواه السابقة رأياً لاحقاً«. وقلت للرئيس »رفسنجاني« إنني أستطيع تفهم ذلك كله، ولكن ما أريد أن أسأل فيه هو موقف الدولة الإيرانية من فتوى »الإمام الخميني«؟ ورد »رفسنجاني« بعد تفكير استغرق ثواني قائلاً: »أرجوك أن تسمعني جَيِّداً.. إن الدولة الإيرانية لا تعتبر نفسها مُكَلَّفة بتنفيذ فتوى الإمام. الفتوى قائمة، لا يملك أحد تغييرها أو إلغاءها وهي رأيُ مُجتَهِد قاس بفكره على باب »سَب النبي« صلاة الله وسلامه عليه، ومع ذلك فالدولة الإيرانية غير مُكلَّفة بتنفيذ الفتوى، وهذا أقصى ما نستطيع أن نؤكده ونَتَعَهَّد به أمام العالم«. وقلت ل»رفسنجاني« ان »ما صرح به الآن فيه الكفاية، وظني أن كثيرين في العالم سوف يكونون علي استعداد لمعاودة التفكير على الأقل«! لكن العالم، أو ذلك الجزء منه الذي يَتَحَكَّم في باقيه، لم يعاود التفكير، فقد انهمكت الولايات المتحدة ومن تابعها في ذلك الوقت في إحكام قبضة احتوائها المزدوج لإيران وللعراق: »إيران حصاراً قاسياً يتعلل بالفتوى ضد »سلمان رشدي« طالباً إلغاءها بالكامل أو تعديلها.. والعراق حصاراً قاتلاً يزعم أن العراق »ما زال قادراً علي تهديد جيرانه« بأسلحة للدمار الشامل ما زال يملكها أو يملك أسرارها، ولا بد من التأكد أنها جميعاً سلاحاً وسِرًّاً قد جرى نزعها!« وكان ظاهراً للعيان أنها سياسة تتعلل بالأسباب وهي تعرف مَوانِعَها، وتقول بظاهر الحق وهي تعرف أنه في الباطن قصد آخر، لكن السياسة تحتاج دائماً إلى ذرائع أخلاقية أو تبدو كذلك حتى لا تظهر الأنياب والمخالب عارية تثير شكوك ومخاوف الناظرين والسامعين. ومع ذلك فقد كان مما يدعو إلي الاستغراب أن دولاً إسلامية راحت تناشد إيران أن ترفع عن نفسها تُهْمَة الإرهاب »بإلغاء فتوي تعرف هذه الدول الإسلامية أن إلغاءها لم يَعُد ممكناً فِقهياً أو حتى عملياً«! فالفتوى صَدَرَت عن صاحبها في حياته، وقد انقضت الآن حياته ولا يستطيع أحد أن يتَعَرَّض لتراثه إلا بالفحص والدرس، ثم إن رئيس الجمهورية الإيرانية أعلن على العالم أن »الدولة الإيرانية مع احترامها لاجتهاد الإمام وذكراه لا تعتبر نفسها مُلزَمة ولا مُكلَّفة بتنفيذ فتواه«! وبنفس المعيار فإن عدداً من الدول العربية »الساعية بالخير« راحت تظهر وجعها مما يتعرض له شعب العراق بسبب الحصار، لكنها اعتبرت النظام العراقي مسؤولاً لأنه لا ينصاع بالكامل لقرارات مجلس الأمن والشرعية الدولية(!!) ]والكل يعرف أنه ليس مجلس الأمن وإنما الولايات المتحدة وأنها ليست الشرعية الدولية وإنما هو الإصرار على عزل وتدمير وطن عربي.[ وعلي غير انتظار ويوم 24 سبتمبر 1998 أي عشر سنوات من الحصار والعَزل والحجْر علي إيران تَغَيَّر المشهد بطريقة بدت »صاعقة«. ففي أثناء انعقاد الدورة العادية للجمعية العمومية (1998) وقف وزير خارجية إيران السيد »كمال خرازي« يعيد ما سبق أن قاله هو بنفسه مرتين ومن على نفس المنبر (وما سمعته من الرئيس »رفسنجاني« قبل ذلك بخمس سنوات) ونصه: »إن حكومة الجمهورية الإسلامية لا تنوي اتخاذ إجراءات لتنفيذ فتوى الإمام الخميني التي أصدرها في شأن الكاتب البريطاني »سلمان رشدي«. وكانت المفاجأة أن وزير خارجية بريطانيا »روبين كوك« التقط الإشارة ووَقَفَ يَرُدُّ عليها قائلاً إن »ما وَرَدَ في خطاب وزير الخارجية الإيراني يُعتَبَر بادرة جديدة تستحق التشجيع، ولذلك فإن »حكومة صاحبة الجلالة« سوف تدخل في حوار مباشر مع الحكومة الإيرانية لإعادة علاقات الود التقليدية بين بريطانيا وإيران إلى مكانها الطبيعي«؟ وأضاف وزير الخارجية البريطاني إلى ذلك ملاحظة قال فيها إنه »يظن أن ما سمعه من وزير خارجية إيران يعكس النهج الإصلاحي الجديد الذي يمثله الرئيس محمد خاتمي«. ولاحظ كثيرون (في الصحافة البريطانية وفي مجلس العموم، وكذلك لاحظ عدد كبير من المحللين والكتاب في الولايات المتحدة) أن »موقف الحكومة البريطانية مراوِغ ويدعو إلى الدهشة«. ورَدَّ وزير الخارجية البريطاني مُدافعاً عن نفسه بقوله: »إننا سمعنا كلاماً جديداً من وزير خارجية إيران«؟ ولم يَشأ وزير الخارجية الإيراني أن يترك الأمور عند هذا الحد، فإذا هو يَعقِد مؤتمراً صحافياً في مبني الأمم المتحدة يعلن فيه: »إننا لم نقل كلاماً جديداً يتغير به رأينا في شيء قلناه من قبل. فنحن رأينا وما زلنا نرى أن ما كتبه سلمان رشدي رِدَّة عن الإسلام، لكننا لا نعتبر أنفسنا مكلفين بتَعَقُّبِه ولا بعقابه«. ولم يُعَلِّق وزير الخارجية البريطاني بشيء. ثم زادَ الطين بلَّة (كما يقولون) حين أعلنت جمعية أهلية إيرانية، هي مؤسسة »خرداد« أنها مُصَمِّمة على تكرار ما أعلنته من قبل عن أنها على استعداد لمكافأة من يقتل »سلمان رشدي« تنفيذاً لفتوى »الإمام الخميني«. ثم »إنها الآن على استعداد لمضاعفة مبلغ المكافأة ورفعه من مليون دولار إلى مليونين لمن يبادر ويُنَفِّذ الحُكم في المرتَد«! وكانت »البلَّة« الزائدة على »الطين« في هذه الصُوَر المتناقِضة أن الذي وقف ليعلق على بيان مؤسسة »خرداد« لم يكن وزير الخارجية الإيراني، وإنما وزارة الخارجية البريطانية التي صرح متحدث باسمها بقوله إن »البيان الصادر عن إحدى الجمعيات الأهلية الصغيرة في إيران لا يُعتدّ به، ومن الصعب اعتبار الحكومة الإيرانية مسؤولة عنه« ! وكان ذلك غريباً ! لكن المَثَلَ العربيَّ صادق حين يقول إنه »إذا عرف السبب بَطُل العجب«، ذلك أنه من بداية التسعينيات حتى آخرها وَقَعَت تطورات ثَبَتَ أنها تملك القدرة على تغيير المواقف »المعلنة« والمبادئ »المشهرة« والقيم »الحضارية« من أولها إلي آخرها!! والتطورات التي وقعت لم تكن أدبية ولا فكرية ولا فقهية وإنما كانت تطورات إستراتيجية اقتصادية سياسية وكلها تتعلق بالبترول: موارده وأسواقه وأسعاره! والحاصل أن من أوائل التسعينيات وإلى قرب نهاياتها طرأت على الطقس الإقليمي تغييرات: 1 أن الوجود الغربي (الأمريكي في المقدمة، والبريطاني في المؤخرة) استقر وتمكن في المواقع التي نزل إليها واحتلها في شبه الجزيرة العربية والخليج، في أعقاب تحرير الكويت (وتدمير العراق) سنة 1991. 2 أنه من نتيجة الاطمئنان على تدفق النفط بأمان، فإن أسعاره أصبحت تحت السيطرة بالكامل، ولعلها فرصة لترويض مجموعة الدول المصَدِّرة للبترول »الأوبك«، وكذلك راحت الأسعار تتدنى حتى وصل سعر برميل البترول سنة 1998 إلى أقل من عشرة دولارات (وذلك بالقيمة الحقيقية للنقود يجعل سعر النفط أقل كثيراً مما كان عليه قبل حرب أكتوبر 1973) وقد أدى ذلك إلى غضب دُوَل عديدة مُنتِجة للبترول. وهذه الدُوَل ألقت على أطراف عربية معها في »الأوبك« مسئولية الانصياع للرياح الغربة (وكانت إيران أول الغاضبين). 3 ثم إن دُوَلَ النفط العربية وَجَدَت نفسها مُعَرَّضة لابتزاز »جريء« يستنزف جزءاً كبيراً من مواردها، فهي مطالبة بأن تدفع إتاوات ثلاثية: إتاوة للصرف علي نفقات الوجود العسكري وتكاليف قواعده على أرضها. وإتاوة للصرف على صفقات سلاح لا تحتاجه هذه الدول، إما لأن لديها بالفعل حماية يُوَفِّرها الوجود الأمريكي البريطاني، وهو وجود تم شراؤه مَرَّة ومَرّات، وإما لأن هذه الدول لا تريد مزيداً من السلاح، لأنها لا تحتاجه، وأيضاً لا تستطيع استخدامه! ثم إتاوة ثالثة تدفعها هذه الدول لشراء صمت آخرين في المنطقة قد تأخذهم العزة بالإثم يوماً، ثم إذا هُم يتحدثون أو يتصرفون بما يحرج أو يجرح! 4 إن الدول المعنية وجدت مواردها تتناقص بهبوط الأسعار، والطلبات عليها تتزايد بتزايُد الإتاوات ولم يجد بعضها غير الغش في الحصص المقررة لها بمقتضي قرارات »الأوبك« التي وضعت سقوفاً على الإنتاج طالبة من الأعضاء أن يلتزموا بها حتى ترتفع الأسعار (وكانت إيران من أعلى الأصوات داخل منظمة الأوبك تلفت النظر إلى الغش وتطالب بوقفه رغم أنها مارسته بعض المرات!). وبدوره فإن الغش أدى إلى زيادة العرض على الطلب في سوق البترول وأخذ أسعاره إلى المنحدر. ومعنى ذلك أن الدول المصَدِّرة للنفط تضخ أكثر وتحصل على أقل! 5 وتحت ضغوط تناقص المال في الخزائن، ولوم اللائمين في منظمة »الأوبك« من الغِش بالمخالفة لسقوف الإنتاج المتَّفَق عليها بدأت بعض الأطراف في شبه الجزيرة والخليج تشكو من أزمات جاءتها مع »ضيق ذات اليد«! واتخذت بعض الدول المعنية إجراءات بينها وقف مشاريع التنمية وضغط الإنفاق الجاري في الميزانية العادية، لكن بقيت هناك طلبات وضغوط من جانب أفراد وعائلات وقبائل تعتبر أن لها عند الخزائن العامة مُستَحَقّات، وكان أصحاب المُستَحَقّات أعلى صوتاً من ميزانية التنمية ومن مقررات الإنفاق الجاري، وارتفعت أصوات بالنقد لم تُسمَع من قبل، وظهر تَملمُل عَبَّرَ عن نفسه بأساليب مختلفة. ثم أصبح »أولو الأمر« أمام حل من ثلاثة: إما الالتزام الجدي والعمل لرفع أسعار البترول.. وإما تقليل تكاليف القوات الغربية.. وإما الاستغناء عن بعض صفقات السلاح. وهذان البندان الأخيران كانا خارج أي مناقشة لأن تكاليف القوات لن تقل، كما أن وجود هذه القوات في الخليج قَدَرٌ مَقدورٌ إلى زمن غير منظور. ثم إن صفقات السلاح حتى وإن لم تكن مفيدة للعرب، مفيدة لغيرهم لأن تكاليفها بالضبط هي حجم الاعتمادات اللازمة لتطوير السلاح الغربي وتحديثه وضمان تَفَوُّقه في السباق! وفي نهاية اتصالات وشفاعات فقد سُمِحَ للدول المصَدِّرة للنفط بأن تقوم بما يؤدي ل»تحريك« أسعار البترول إلى أعلى، على أن تعثر على الحل الوسط الذهبي، فلا ترتفع الأسعار بحيث تتضايق الدول الصناعية (ويتأثر موقف نائب الرئيس الأميركي »آل غور« في انتخابات الرئاسة القادمة لأن الناخب الأمريكي يشعر يومياً بأحوال الاقتصاد من دفع فواتير البنزين للسيارات!) وفي نفس الوقت لا تنخفض هذه الأسعار بحيث تعجز الدول المعنية »عن الوفاء بالتزاماتها« سواء للدول الكبرى أو للعائلات الكبيرة! وبالفعل راحت أسعار البترول تتأرجح صعوداً وهبوطاً باحِثةً لنفسها عن »حَلٍّ وَسَطٍ ذَهَبِيٍّ« تقف عنده! 6 وفي هذه الظروف تأكد للجميع أن الاحتواء المزدوج لإيران والعراق لم يُحَقِّق هدفه، ثم إن استمرار الاحتواء على الاثنين إلى الأبد يُؤَدّي إلي خَلَلٍ محسوسٍ يُؤَثِّر على ضوابط ومرونة توازنات القوة والسياسة والاقتصاد في الخليج، وكان الغرب في حاجة إلى أحدهما : إيران أو العراق. وتَرَدَّدَت دول الغرب المعنية لبعض الوقت تفكر أي الدولتين يُسمَح لها بالخروج من إطار »الاحتواء« المزدَوَج: إيران أو العراق، ثم كان أن وقع الاختيار علي إيران لتخرج أولاً، ورجح ذلك الخيار أن البعض في الغرب تَصَوَّر أن السياسات الجديدة للرئيس الإصلاحي »محمد خاتمي« والقائمة على فكرة حوار الحضارات بدلاً من صراعها ربما تسحب منطقها على العلاقات بين إيران وإسرائيل، وزَيَّنَه أيضاً أنه قد يكون في الإمكان سحب إيران بعيداً عن سوريا، وتقريبها أكثر من تركيا في وقت بدا فيه أن المفاوضات بين سوريا وإسرائيل مُشَجِّعة، وعلى هامش هذه المفاوضات فإن إيران تملك نفوذاً على »حزب الله«! كان ذلك هو التخطيط، ثم تَداخَلَت الخطوط عندما قامت إيران بالقبض على ثلاثة عشر يهوديّا بتُهمَة أن المخابرات الإسرائيلية (الموساد) جَنَّدَتهُم لحسابها. وعادت دُوَل الغرب تطلب من إيران وتلح عليها كى تُفرِج عن جواسيس إسرائيل دون مُحاكمة أو أحكام حتى لا تَتَعَطَّل عملية إعادة إيران إلى مجتمع الدُوَل المتَحَضِّرة لسَبَبٍ لا يَستَحِق ولا يُساوي، مع تَعَقُّل أن تجنيد الجواسيس من حقائق الحياة، وحقائق الحياة لها أسبَقِيَّة على قوانين الدُوَل! ................................... ................................... وعلى هذه الخلفية الاستراتيجية الاقتصادية السياسية (المتَّصِلة بالبترول وليس بحرية الفكر والنشر، والموصولة بمفاوضات الشرق الأوسط ومواقف تركيا وسوريا ولبنان و»حزب الله«) تَقَرَّرَ رفع فتوى »آية الله الخمينى« من ميادين السياسة ودفعها إلى ملفات الأرشيف! 3 عندما يُكَرّر التاريخ نفسه... من الحِكَم المشهورة التى تستحق الحفظ وتستحق الاستعادة عبارة ل»كارل ماركس« مُلخَّصها أن »التاريخ لا يكرر نفسه، وإذا فعل فهو فى المرة الأولى صانع »دراما« كبيرة، وهو فى المرة الثانية صانع »مهزلة« (والمهازل لا تحتاج إلى أوصاف تقيس حجمها!)«. وكانت قصة »آيات شيطانية« دراما كبيرة، وإن كان ظني وهو إحساس قارئ، أن القصة نَصٌّ »مخل« فضلاً عن »تجاوزه« وفى النهاية فقد أراحني حُكم كبير القضاة في المحكمة العليا في لندن، واعتبرت أن »تعبيره عن روح القانون جاء كأرفع ما يكون« كلمة »مُحترمة« تَصون لحرية الفكر والتعبير والنشر حقوقها وتَحفظ لهذه الحقوق كرامتها وجلالها. على أنه بصرف النظر عن كل ما شاب قصة »آيات شيطانية« وعلق بها فإن المكانة الأدبية العالمية التي كان »سلمان رشدي« يحتلها، منذ ظهور كتابه »أبناء منتصف الليل« حقيقة يصعب إنكارها. كما أن مصدر إلهامه مع أن الهدى تخلى عنه كان مصدراً بالغ الاتساع وشديد الغنى، وربما من هنا ومن مؤثرات هندية تَشَرَّبَ »سلمان رشدي« أساطيرها أن الرَجُل تاه على الطريق وشَرَد! وأتَحَفَّظ أنني بما قلت لم أصدِر حُكم قيمة فى الموضوع، بقدر ما حاولت الاقتراب من قضية الحرية الأدبية والفنية مُتَصَوِّراً أنني تعرفت يوماً على ساحتها، وتعاملت مع الحركة فى ميادينها، وشعرت بالألفة مع أحوالها وأجوائها. وكان ظني أنني على هذه الخلفية أستطيع الاقتراب من قضية الحرية الأدبية والفنية بضمير مستريح، وبعد تجربة عملية في »الأهرام« طالت ثمانية عشر عاماً. ................................... ................................... في تلك الفترة كان »الأهرام« موطناً وعَمَلاً لأكبر وأشهر مجموعة من الكُتّاب المصريين تجمعوا في مكان واحد، وكتبوا له ونشروا فيه: »توفيق الحكيم«، و»نجيب محفوظ«، و»زكي نجيب محمود«، و»يوسف إدريس«، و»أحمد بهاء الدين«، و»عائشة عبد الرحمن«، و»لويس عوض«، و»حسين فوزي«، و»صلاح جاهين«، و»لطفي الخولي«، و»غالي شكري«، و»فاروق جويدة« وهو أيامها مَوهِبة تَتَفَتَّح وعشرات غير هؤلاء لم يكن »الأهرام« مجرد عَمَلهم، وإنما أصبح بيتهم كذلك. وكان هؤلاء ممن ذكرت وغيرهم من »الكبار« القادرين على الخلق الأدبي والفنى على أوسع أفق، ثم إنهم يفعلون ذلك بعلم وفهم. والعلم هنا طاقة الكاتب أو الفنان، وتمكنه من موضوعه وأدواته. والفهم هنا إدراك الكاتب أو الفنان لاتساع الأجواء أمامه، وثقته بأنه قادر على الغوص عميقاً والتحليق عالياً. وأضرب مثالاً ب»توفيق الحكيم«. كان »توفيق الحكيم« »أستاذاً« يعرف الفارق بين التقرير الصحافي والنص الأدبي، وكان يُدرك أن التعبير الفني لا يلقي بالأفكار والصُوَر خاماً، وإنما هو يستوعبها ويعيد صياغتها حتى تصل إلى الفكر والوجدان، ثم تستثير قارئها وتشغله، وتأخذه إلى أجوائها وسمائها. وجاءني »توفيق الحكيم« يوماً بقصته الشهيرة »بنك القلق«، وقال لى أنها محاولة تجريبية يريد رأيي فيها. وحين قرأت نصه، كان واضحاً أمامي أن القصة نَقْدٌ فى الصميم لأجهزة الأمن والمخابرات فى ذلك الوقت، لكن النَقْدَ لم يكن تقريراً أو مقالاً، وإنما كان عملاً أدبياً وفنياً يصوغ همومه بحرارة تلك الجذوة المقدسة الصانعة لكل خلق أدبي وفني. وحين عرف »توفيق الحكيم« أن قصته سوف تنشر، عاد يُؤَكِّد مرة أخرى أن محاولته كانت للتجريب، ثم يسألنى ما إذا لم يكن من الأوفق أن نتروى قبل أن تظهر القصة على صفحات »الأهرام«؟ وأتذكر عبارة تَكَرَّرَ نشرها كثيراً بعد ذلك، وكان هو الذى أذاعها، وفي هذه العبارة فإنى قلت ل»توفيق الحكيم«: »إذا كانت لديك الشجاعة لتكتب، فلديّ الشجاعة لأنشر«. وأثار نشر »بنك القلق« ضجة كبرى لكنها الضجة الخيرة كما أقول تُنبِّه وتُوقِظ، تُحذِّر وتُحَفِّز، وتلك كلها مسؤوليات الأدب والفن حين يقارب قضايا السياسة، ويتعرض لإشكالياتها. نفس الشيء وهذا مثال آخر مع »نجيب محفوظ« فى قصصه الأشهر والتي أحصتها له لجنة جائزة »نوبل«، مثل »اللص والكلاب«، و»السمان والخريف«، و»ثرثرة على النيل«، وغيرها، وكلها أحدثت نفس النوع من الضجة الخيرة، تُنبِّه وتُوقِظ، وتُحذِّر وتُحَفِّز لكنها لا تصدم قراءها حتى وإن صدمت غيرهم. بل إنه نفس الشيء أيضاً مع قصة »نجيب محفوظ« الشهيرة »أولاد حارتنا«. كان »نجيب محفوظ« قد سلم تلك القصة لمدير تحرير »الأهرام« فى ذلك الوقت (الصديق الأستاذ »علي حمدي الجَمَّال«)، ورأى الأستاذ »الجَمَّال« أن يحملها إليَّ بنفسه لأنه كان قلِقاً منها وقضيت مع فصولها ساعات، ثم دعوت الأستاذ »الجمال« ورأيي »أن الأهرام لا بد أن ينشر القصة أو يحاول، وذلك من تقديرٍ لاعتبارات متعددة: أولها الإدراك لقيمة »نجيب محفوظ«، وأن هذه القيمة تجعله مسؤولاً عما يكتب أمام الناس. والثاني أننا هنا أمام مسألة تتعلق بحرية كاتب يعرف حق الحرية عليه. والثالث أن »نجيب محفوظ« في ما كَتَبَ أخذ بمنطق العمل الأدبى، فهو لم يكتب إنشاءً أو خطابة، وإنما كَتَبَ رمزاً وإيحاءً! والرابع أن »نجيب محفوظ« طرح الأسئلة الحرجة من منظوره الإنساني والفني وهذا حقه خصوصاً إذا كانت محاولته سؤالاً لا ينتهي بإجابة قاطعة تدّعي امتلاك الحكمة، ثم تضع الجميع فى النهاية أمام جدار مسدود! وكذلك بدأ »الأهرام« فى نشر قصة »نجيب محفوظ«. ولم يكن النشر مع التحسب لردود فعل المؤسسة الدينية نوعاً من العناد، وإنما كان تقديراً للكاتب وتَشَوُّقه إلى التجريب مستطلعاً ومستكشفاً، وطارحاً أسئلة تستمد مشروعيتها من أنها خطرت له وألَحَّت على عقله وعلى ضميره، ثم إنه برصيده عند الناس مُصَدَّق ! ولقد أوردت هذه اللمحات من تجارب سابقة لكي أضع السجل فى محله حين أقول إن ما أثير حول قصة نُشِرَت فى مصر بعنوان »وليمة لأعشاب البحر« لم يكن فى حقيقة أمره مسألة تتصل بالحرية. وبمعنى أن إشكالية الحرية كانت واردة ومطروحة فى شأن القصة عندما ظهرت حيث ظهرت أول مرة (بيروت أو دمشق أو غيرهما) فهناك كان قرار النشر حرية كاتب له الحق مهما كانت قيمة ما كتب في أن يرى ما كتبه منشوراً على الناس. لكن الذى حدث في مصر لم يكن كذلك. ................................... ................................... الذى حدث في مصر وهذا جوهر القضية أن مؤسسة من مؤسسات الدولة أعادت النشر، ومعنى ذلك أن النشر وإعادة النشر هذه المرة يُعتَبَر قراراً بتزكية العَمَل عن رغبة في تعميم فائدته الأدبية والفنية. ويزيد على ذلك أن هذا الاختيار يتضمن فعلاً قراراً بدعم مالي لعملٍ »يعتقد أن تعميم فائدته مطلوب«، فتكاليف الكتاب بالحجم الذى أعيد به نشره أكثر من عشرة جنيهات، ووزارة الثقافة تبيعه بأربعة جنيهات، أي إن الكتاب مدعوم بأكثر من ثَمَن بيعه على حساب اعتمادات رسمية تهدف إلى إتاحة ما هو عزيز على عامة القراء وهنا المشكلة. المشكلة ليست النشر أو عدم النشر وإنما المشكلة جهاز دولة مسؤول عن الثقافة ومُكَلَّف بتقديم »الأنفع والأرفع« من عيونها (على حد تعبير »توفيق الحكيم«) ومستوى اختياره ل»الأنفع والأرفع« هو بذاته مستوى أدائه ودرجة مسؤوليته! ................................... ................................... وعند هذه النقطة بالتحديد وليس عند غيرها على الإطلاق تختلف قضية »وليمة أعشاب البحر« عن سوابق جرى الاستشهاد بها دفاعاً عن الحرية مثل »طه حسين« في »الأدب الجاهلى«، والشيخ »علي عبد الرازق« فى »الخلافة وأصول الحُكم«. في تلك الأمثلة السابقة والتى جرى الاستشهاد بها فى غير موضعه كما أظن كانت هناك بالفعل قضية حرية. أي ينشر »طه حسين« أو لا ينشر، ويخرج رأيه للناس أو يُصادَر رأيه ويُعاقَب عليه! وأي ينشر الشيخ »علي عبد الرازق« أو لا ينشر، ويخرج رأيه للناس أو يُصادَر ويُعاقَب عليه! وفي الحالتين كان المفكر والكاتب وحده مع قرائه وأي تدخل بالسلطة كان موجهاً ضد الاثنين الكاتب والقارئ وضد الحرية في نفس الوقت! وأما في قصة »الوليمة« فإن الأمر ربما كان كذلك في الطبعة الأولى، وهذه الطبعة دَخَلَت إلى مصر بدون عوائق، وطُرِحَت في مكتباتها ولم يعترض أحد، وأما صدور طبعة مصرية بقرار مؤسسة دولة وبأموالها فمسألة أخرى! وهنا نشأت المشكلة! ................................... ................................... ربما أضفت في هذا الموضع أنني على شبه اقتناع بأن إعادة نشر هذه القصة (في الملابسات التي رافقت ذلك في مصر) لم يكن اختيارا مقصوداً، ولعله زحام الأعمال أكثر منه التخطيط المسبق. وفي لحظات المشكلة المبكرة فقد أحسست فعلاً أن وزارة الثقافة وفيها وحَوْلها جَمعٌ من العُقلاء فوجئت بالضجة التي أثيرت حول النص، وفوجئت أكثر ببعض ما ورد في النص ذاته وكأنها تقرأه أول مرة! ومن الحق أن أعترف بأن أوضاع وزارة الثقافة الراهنة مُحَيِّرة. فهناك وزير يبدو فاهماً لدوره، وأظنه قام بأعمال تثير الاهتمام، ثم إن هناك من حول هذا الوزير جمعاً من الرجال لبعضهم كفاءات تستحق التقدير لكن برغم ذلك فإن الصورة التى تطالع أي مُهْتَم بمستقبل الثقافة في هذا البلد، حريصٍ على دور وزارة تحمل مسؤولية هذا المستقبل تُثير أسباباً شتى للقلق، لأن التصرفات في بعض الأحيان عصبية، ثم إن هناك في بعض المرات مساحات رمادية تحتاج إلى شعاع ضوء كاشف. ................................... ................................... وعلى هامِش ذلك فإن الخطاب العام لوزارة الثقافة يحمل نبرة ثقة زائدة توحي لمن يهمه الأمر بأن وزارة الثقافة لها وضع خاص. والمعنى الكامن وراء الإيحاء أن هذه الوزارة ومثيلات لها قليلات تعتبر نوعاً من »المحميات السياسية« تشبه المحميات الطبيعية (كمنطقة الشُعب المرجانية على مدخل خليج العقبة) وهذه المحميات (الطبيعية والسياسية) مناطق يكون الدخول إليها باحتراس، والتعامل معها بحذر، والخروج منها برِقَّة ! وكانت الثقافة على مَسار التاريخ ولا تزال في حاجة إلى »رعاية« الأمير لكن »رعاية« الأمير تختلف عن »حماية« الأمير. ................................... ................................... وربما لو أن سياق الحوادث في قضية »الوليمة« اتخذ لنفسه مساراً طبيعياً لصَدَرَ عن وزارة الثقافة توضيح معقول لتصرفها تبقي به المسألة في حجمها الطبيعي. لكن اعتبارات السياسة تَدَخَّلَت بعنادٍ يتنادى إلى مواجهة لا لزوم لها فى معركة لا تستحق، ولهدفٍ غير مُحَدَّدٍ! (ثنائيات مُتَصَادِمة: الحكومة أو المعارضة نحن أو هُم نغلب أو يغلبون)، وهكذا أصبح الخطأ أزمة، وأصبحت الأزمة معركة. وكانت معركة قصة »آيات شيطانية« عاصفة عاتية بالفعل على اتساع الإعلام العالمى بأسره وأما في حالة »الوليمة« فإن الزوبعة كانت هَبَّة ريح خماسينية داخل مصر وقريباً منها! وكله مما تنطبق عليه مقولة »كارل ماركس« من أن »التاريخ لا يكرر نفسه !« وفي نفس السياق فإن الرجال الذين ظهروا على مسرح صناعة التاريخ اختلفوا. في المرة الأولى حالة »آيات شيطانية« كان التاريخ موكلاً بقوة رَجُل من وزن »آية الله الخمينى«، وقد أقدم الرجل على مهاجمة »آيات شيطانية« بمرجعية فقيه، وبعُنف ثائر، وبمشروعية زعيم مشى على فضاء ساحة إنسانية في مقدمة تيار هائل هو مجال الفكر والعمل الإسلامى. وأما في المرة الثانية حالة »الوليمة« فقد تَقَدَّمَت إلى الساحة جريدة مُعارضة اتخذت لنفسها أسلوباً مشكوكاً في قيمته: لأن التعسف فيه ظاهر، والتحريض سافر، واللهجة العامة فيه توحي أنها ليست تلقائية الانفعال بقدر ما هو افتعال الانفعال إذا جاز التعبير! وسمعت في تفسير هذا الأسلوب رأيين: رأي يقول بالشك أن القصد من هذا الأسلوب أن يكون بمثابة قصف تمهيدي لعملية تحريض وتهييج تتمنى خلق حالة من الفوضى مقصودة قبل انتخابات مجلس الشعب القادمة، ولعل الفوضى تسمح باقتحام العوائق، والدخول إلى مجلس الشعب بقوة تُمَكِّن للحزب الذى تنطق الجريدة المعارضة باسمه (وهو حزب العَمَل) وتسمح أيضاً للتنظيم السري المحظور الذى يتخفى وراء حزب العَمَل (وهو جماعة الإخوان المسلمين). والرأي الثاني يقول بالشرح ان هؤلاء الذين يكتبون أو كانوا يكتبون في الجريدة المعارضة تعبت أقلامهم، وبَحَّت أصواتهم من كثرة ما كتبوا ونَشَروا، ثم أدركوا بعد عناء طويل أن الأمور سائرة إلى حيث لا يريدون (وغيرهم مُصَمِّم). وقد جَرَّبوا لفت أنظار الناس، لكن الناس في شغل عنهم بهموم الحياة المباشرة. وكذلك لجأوا إلى الصراخ والاستغاثة والإمساك بالتلابيب، عسى أن يلتفت إليهم أحد ولو لسؤالهم عما جرى لهم، ومُستَفسِراً منهم عن أصل »الخناقة«؟!! وكلا الرأيين سواء كان »التَحايُل« أو »اليأس« لا يُنبئ عن »دراما كبيرة«، وإنما يستكمل مقولة »ماركس« الشهيرة إلى آخرها ! وفي المرة الأولى حالة »آيات شيطانية« فإن شعارات المعركة كانت قادرة على »التعبئة« وعلى تحديد »خطوط المواجهة« واستدعاء »المقاتلين« إليها! والحدود فاصلة : موقف »الخميني« ببساطة هو : »الدفاع عن الإسلام«. وموقف القوى الكبرى بريطانيا والولايات المتحدة ببساطة أيضاً هو: »مقاومة الإرهاب«. وهذه رايات فوق الخنادق لها قوة جذب مغناطيسي غالب (بصرف النظر عن إخلاص النية وصدق الطوية). وفي المرة الثانية التى كرر فيها التاريخ نفسه، فإن شعارات المعركة جاءت غليظة من ناحية ثم إنها جاءت مُتَهالكة من الناحية الأخرى: من ناحية تَكَثَّفَت الغلاظة ملء صفحات تدعو للجهاد حيث لا قداسة، وتثير الدنيا لتَقلِبها وليس لتَعدِلها، وتبالغ وتُهَوِّل في ما كان لَفْت النظر إليه يكفي. وما هو أكثر من لَفْت النظر يَتَحَوَّل إلى ترويجٍ للضَرَر أكثر منه تَوَقِّياً أو شفاءً له! وعلى الناحية الأخرى كان الأسلوب الذى لجأ إليه الدفاع عن »الوليمة« هو الاستدعاء الوهمي لقِيَم عظيمة في غير مجالها. مثل الحق والحرية، ومثل الاستنارة والتنوير، ومثل العِلم والثقافة. وجرى رسم الخطوط لمعارك مهيبة مثل الانتصار للعقل ضد الخرافة، والوقوف مع الفن والأدب ضد الجهل والأسطورة، والتقدم مع جيوش النور حتى تندحر جيوش الظلام، وغيره.. وغيره. والحقيقة أنه ليس هناك ما يسيء إلى القِيَم مثل استدعائها إلى غير مجالها، فذلك يَدفَع إلى ميادين القتال جيوشاً بلا خُطط، ويَحمِل إلى المواقع ذخائر بغير مَدافِع، ويلقي على الأرض شحنات قابلة للانفجار دون قوة إطلاق تأخذ حمولات النار إلى هَدَف! ونفس الفارق بين المرة الأولى، وبين تكرارها مرة ثانية ظهر في إدارة المواجهة: في المرة الأولى كانت إدارة أزمة »آيات شيطانية« إدارة تتعامل على خط انفلاق عميقٍ بدا محفوراً على سطح الكرة الأرضية كأنه أخدود. وفي المرة الثانية وعندما تَحَوَّلَت »الوليمة« إلى أزمة بدا كل شيء مُرتَجَلاً ومُرتَبِكاً. وظَهَرَت الصورة أقرب ما تكون إلى ما يسمونه فى المسرح بال:farce ، وتعريف هذا النوع من الأعمال المسرحية أنه نوع من »كوميديا المصادفات« يعتمد على مواقف لا يربطها عقل، ولا يصل بينها سياق، لأن قصدها الوحيد هو استثارة الضحك وتسلية المتَفَرِّج. وقد تواصلت المشاهد في »كوميديا المصادفات« مُتَعَثِّرة تَتَخَبَّط: وزارة الثقافة التي فوجئت بما قيل حول »الوليمة« راحت تتصرف على عَجَل كما يتصرف رَجُل وقعت من حوله الجدران أثناء وجوده فى الحَمّام، وأخَذَته المفاجأة ولم يعرف كيف يَتَصَرَّف. ولجنة من أدباء وكُتّاب تحاول أن تجد مَخرَجاً، وقد ظَنَّت أنها وجدته فى مطلب الحرية والتنوير. ولم يكن ذلك موضوع الأزمة لأن موضوعها كان تزكية عَمَل، والرغبة فى تعميمه وتدعيمه ليُباعَ رخيصاً بأموال دافع الضرائب طلباً ل»الأنفع« و»الأرفع« على حد تعبير »توفيق الحكيم«. وفي رغبة هؤلاء الأدباء والكُتّاب للدفاع عن هامش للحرية يريدون الاحتفاظ به ولهم العُذر وعن زملاء لهم بين العاملين فى وزارة الثقافة يحاولون الحفاظ عليهم ولهم الحق فإن هؤلاء الأدباء والكُتّاب ذهبوا خطوة أبعد إلى اعتبار أنفسهم »هيئة مثقفين« لها تكوين وتنظيم وسُلطة دون معيار مُتَّفَق عليه، وبغير اعتراف يمنح الشرعية بالقبول ثم صَدَرَت بيانات لم يَتَنَبَّه أصحابها إلى أنهم خسروا المعركة قبل الطلقة الأولى، فقد استطاع الآخرون وضعهم في موقف يبدو وكأنه مُعادٍ لقِيَم الدين والفضيلة، أو مُقَصِّر على الأقل في حق هذه القِيَم. والغريب أن بعضاً منهم شَعَرَ مُبَكِّراً بأنها المعركة الخطأ في المكان الخطأ وفي التوقيت الخطأ بالذريعة الأكثر خطأً! لكن التيار كان مُندَفِعاً ! ................................... ................................... نسي البعض أنه في كل قضية يوجد طرف على هذه الناحية وطرف ثانٍ على الناحية الأخرى، وبين الطرفين جبهة عريضة من جمهور لا يعرف عن موضوع القضية غير ما يسمعه وقت عرضها على الملأ. وأصحاب أى قضية مطالبون بأن يعرفوا أن النجاح والفشل معقود للطرف الذي يستطيع أن يجذب بآرائه وحُجَجه أوسع كتلة من الجبهة العريضة لجمهور يَتَلَفَّت إلى هذه الناحية أو تلك ثم يختار وينحاز. وفي اللحظة التى تَوَرَّط فيها »المثقفون« في معركة يبدو موضوعها بصرف النظر عن النوايا صراعاً يتصل بقِيَم الدين والفضيلة فإن المعركة تنتهى قبل أن تبدأ. لا تُسْمَع دعوة الحرية لأنها سوف تبدو تساهُلاً وتفريطاً. وتُسْمَع دعوة التشدد لأنها سوف تبدو حرصاً على القِيَم وغيرة. ................................... ................................... والمزعج أن العجلة فى الرد استجابة لحالة طوارئ أعلنتها وزارة الثقافة وَرَّطَت بعض »المثقفين« فى مقولات يصعب التسليم بها. بين المقولات أن النص الروائي يفهمه« المتَذَوِّق الفني وليس القارئ العادي. وذلك منطقٌ يجعل العَمَل والنقد »الأدبي« »وَنَسَة« (على حد التعبير السوداني) أي »دردشة« بين أفراد صفوة تعرف بعضها، وتتلاقى في دوائرها، وتُتقِن لغة خاصة يجرى بها الحديث بين أصحابها بما يغني عن الكلام مع بقية الناس! وبين المقولات إيحاء بأن أي نص »أدبي« لا تصح مقاربته دون إرشاد من »ناقد« وذلك معناه أن هؤلاء الذين يرفضون تَعَرُّض »المشايخ« و»الكهنة« للعمل »الأدبي« و»الفنى« تَحَوَّلوا هُم بدورهم إلى »مشايخ« و»كهنة«. ذلك أنه إذا كان هناك من لا يرى موجباً لوصاية »الشيخ« أو »الكاهن«على النَص »الديني«، فإن وصاية »الناقد« على النَص »الأدبي« و»الفني« هي الأخرى بلا حق! وبين المقولات ثالثة تُلِح على أن بعض العبارات المقتطفة من نصٍ »أدبي« اجتزاء مُتَعَمَّد لبعض نصوصه. ومثل هذه المقولة يصعب أن تكون صحيحة على إطلاقها ذلك أن »المثقفين« (على فرض أن هناك هيئة يحق لها أن تحمل هذا الاسم) أول من يعرف أن جمهورهم لم يقرأ أعمال »أفلاطون« أو »أرسطو«، ولا رسائل »إخوان الصفا« أو »ابن خلدون« لكن هؤلاء القراء اطلعوا على أجزاء وإشارات أعطت للجزء مِصداقية الدلالة على الكل (وذلك ينطبق أيضاً على مقولة »أن الغاضبين على »آيات شيطانية« و»أعشاب بحرية« لم يقرأوا ما غضبوا عليه أصلاً«. وعلى سبيل المثال فلم يَتَذَكَّر أحد أن كتاب »رأس المال« ل»كارل ماركس« لم يقرأه كاملاً أكثر من بِضع مئات من العُلَماء والدارسين على امتداد قرنٍ ونصف القرن من السنين ! ومع ذلك فإن الكتاب قَسَّمَ العالم إلى مُعسكرَيْن عقائدِيَّيْن ونووِيَّيْن على نحوٍ لم يسبق له مثيل كاد أن يقود العالم إلى كارثة ولم يكن هناك مَن قرأ، وإنما كان هناك مَن سَمَعَ!!) من المقولات التى انفرطت أثناء المشادة ما يمكن اعتباره بالضبط أصداء عائدة لأصوات سبقت. منها أن »أعشاب البحر« دافَعَت عن الإسلام (وهو صدى متأخر لدفاع »دارس الإسلام« القديم في جامعة »كامبردج« عن »آياته الشيطانية«!) ومنها أن أبطال »أعشاب البحر« عليهم وحدهم مسؤولية ما نطقوا به في حوارات »المُتَخَيِّل« من مشاهد القصة (وهو صدى لدفاع »سلمان رشدي« بمقولة أن المغضوب عليه فى سياق »آيات شيطانية« لم يكن غير أحلام رآها النائم فى نومه، »وهل يُسْأل نائمٌ عن الأحلام حين تَزور؟«!). حتى في مثل هذه المقولات بدا الماضي مَجروراً بالحِبال ليكون فى خِدمة التاريخ حين يُكَرِّر نفسه (أو حين يَتَوَلّى الآخرون مُهِمّة التكرار نيابة عنه!). وظنى أن تلك وغيرها كانت من نتائج »العجلة« عندما تَحَوَّل الخطأ إلى أزمة، وإلى معركة، وإلى حرب على مذهب »نحن أو هُم«! وهو مذهب خطر إذا عجز عن الانتصار ذلك أن أي تَلَعثُم في لهجته أو ارتباك في مَنطَقِه، واضطراره إلى التراجع نتيجة لذلك يؤثر سلباً على قوته الذاتية، وأكثر من ذلك يسحب هذا التأثير على الأفكار والقِيَم التي يقوم بالدفاع عنها. وهنا قاعدة ملخصها أن كل »مثقفٍ« مُكَلَّفٌ بتوسيع دائرة الحرية، وعليه أن يختار ميادينه وحَرَكَتَه عليها بدِقَّة لأن أي تراجع يُفرَض عليه معناه أن خطوط الحدود ضاقت، وأن بعض المكاسب على الأرض ضاعت. وعلى الناحية الأخرى وإحقاقاً للحق فإن الطرف الآخر الذى ضبط وزارة الثقافة في حالة انكشاف، مضى يُشَدِّد ويَضغط غير مُدرك أنه حين يصبح الخطأ مصيدة فإن المواقف المبدئية تتحَوَّل إلى نوعٍ من الابتزاز، يَتَحَوَّل فيه المبدأ إلى كرة قَدَم في ملاعب السياسة. ولقد كان واضحاً لكل من يريد أن يرى أن وزارة الثقافة وَقَعَت فى خطأ. وكان في مقدور أى نقد نزيه أن يشير إلى موضع الخطأ وأن يترك الفرصة للتصحيح، ولكن الضغط على الجرح في زمن وجيعة اجتماعية واقتصادية وفكرية كان نوعاً من القسوة يَستَدعي قسوة مضادة، يضاعف من خطرها أن تكون لهذه القسوة المضادة سُلطة لها قبضة تُطبق فتخنق، خصوصاً إذا أحَسَّت هذه السُلطة أنها أمام محاولة للتطويق! ومن المفارقات أن وزارة الثقافة التى تمسكت بحرية الفكر كانت هي التى دعت الأزهر إلى الفتوى لأول مرة في أمور النشر الثقافي بعد غياب طال سنوات ذلك أنه بعد إعداد تقريرٍ من الأدباء والكُتّاب طلبه منهم وزير الثقافة لتقديمه إلى رئيس الوزراء كان الرأي إرسال هذا التقرير وغيره إلى مَشيَخَة الأزهر! وتصل المفارقات إلى حد لافِت بموقف مَشيَخة الأزهر. في حالة »آيات شيطانية« وهي إساءة للإسلام عارفة بما تفعل، عالمة بخطورته فإن الأزهر رأى ضرورة »أن يظل الفكر حُرّاً لا سلطان على كلماته غير ضمير أصحابها«. وأما في الحالة الثانية، وهي مسرحية مصادفات، فقد مضى الأزهر إلى حَدِّ التكفير، وتَفَوَّق في صفحة واحدة على كل ما كتبته جريدة »الشعب« على مدى أسابيع مُتَّصِلة! وكانت المقارنة بين الحالة الأولى التي صنع التاريخ فيها نفسه والحالة الثانية المكررة داعية لأسى كبير. في الحالة الأولى كان الذين رأوا الفرصة وأرادوا استغلالها يعرفون ما يريدون. انتهزوا مناسبة فتوى »الخميني« ثم وضعوا إيران كلها في القفص بتهمة الإرهاب، وأعطوا أنفسهم سُلطة القانون وحَكَموا. لكن عندما تَغَيَّرَت الظروف، واقتضت موازين القوة في الخليج، وحكمت اقتصاديات البترول فإن الإستراتيجيات والسياسات تَغَيَّرَت مع تَغَيُّر المصالح. وكذلك لم تَعُد فتوى »الخميني« أمراً بقتل »سلمان رشدى«، وإنما أصبحت مجرد صَيْحة تلاشت أصداؤها وذَهَبَت إلى النسيان (دون حاجة إلى توبة أو إلى غفران). في الحالة الثانية كانت »القوة« التي انتهزت فرصة »فتاوى« جريدة »الشعب« حكومةً تقول أنها تُمَثِّل حِزب »الأغلبية«! ولم تكن تُوَجِّهها إستراتيجيات وسياسات، وإنما كانت تغويها »غنائم« صغيرة وآنية عاجلة ومخطوفة! أخطأ حزب من الأحزاب في أسلوب تعبيره، وغضب أو ادعى الغضب، واندفع إلى التهييج بدلاً من التنبيه. وهنا وقع »التَصَيُّد«! واتخذ الخطأ ذريعة لحل حزب (قيل إن الخطر وراءه مُتَرَبِّص)، ولوقف جريدة (قيل إن الشيطان نفسه استولى عليها). لكن إلغاء حزب، ووقف جريدة، قضية شديدة الخطورة لا تُعالج بتَصَيُّد الأخطاء ولا باصطناع الذرائع. والشاهد أن الحكومات الشرعية لا تترك أهواءها تتجاذبها الغوايات صغيرة أو كبيرة، ولا تتعلل ولا تتسلل في العَتمة أو في الظُلمة، وإنما واجبها أن تذهب إلى الناس تَطرح عليهم وتسمع منهم.. تشكو لهم وتَحتَكِم إليهم. وأخيراً.. لا يُكرر التاريخ نفسه.. وإذا فعلها... ................................... ................................... وكذلك اشتعلت المعركة وخَمَدَت، ثم تَرَكَت آثار جروح وكسور، ومَضَت دون أن تُعَلِّق وساماً للشجاعة أو الاستحقاق على صدر أحد ! محمد حسنين هيكل

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة