الواقع أكبر من حجم الرواية
في روايته الأخيرة «عجائب بغداد» للروائي العراقي وارد بدر السالم يحضر الحزن الجدّي، وبنفس الوقت لا يسعنا أن نتفادى ما كان يقوله يوما «بوشكين» وهو يسمع تلك القصص التي يرويها غوغول، يقول بين قهقهات مبهمة: «يا إلهي ما أتعس روسيا»، إنه الوصف المأساوي الساخر المثير للشجون في رواية «عجائب بغداد» بحيث نقول: «يا إلهي ما أتعس العراق» للروائي العراقي وارد بدر السالم حيث استوقفناه للمحاورة. «المتشائم، مثالي مستاء» عبارة تلاءم الروح التي كتبت بها روايتك الأخيرة «عجائب بغداد» هل ترى أن مهمة الروائي تعزيز الأمل أم التشكيك فيه؟ ^ ليس بوسع الكاتب أن يبعث الأرواح في المدن الميتة، ولا يصنع العطور من جثث الزهور. الأمل واليأس يقودانه إلى منطقة ثالثة ليس من السهل وصفها أو الإمعان في شرحها. تلك هي منطقة الكتابة المتحررة من عُقد الأمل واليأس، فالكاتب؛ والروائي هنا؛ خليط من الوصفتين أثناء الكتابة وبعدها، ويقيناً قبلها، وبالتالي فاقتناص أي من الوصفتين بفعل الكتابة هو إيحاء غير مفهوم أحيانا يتعلق بوعي الكتابة أساساً، وبروحها الممتدة تاريخيا في ذاكرة الزمان والمكان. ومن هنا ستكون «عجائب بغداد» غير معنية كثيراً بهذين القطبين، إلا بقدر عنايتها أن تكون صلة بين جسرين أو جسور فيها من التاريخية الواقعية ما يغنيها عن أن تتشبث بأي قطب، لا لأن الرواية غير قادرة على فعل ذلك، لكن ما يحدث في الواقع أكبر من حجم الرواية ومستقبلها حتى في تحديه للخيال والتاريخ معاً. وحده الروائي يمكن أن يكتب نصّا حديثا مُلحِقا فيه ما كان في عصور أخرى وقفا على السحر والأسطورة... نلمس شيئا من ذلك في مؤلفك الجميل «الهندوس يصعدون إلى السماء»، حيث تنقل لنا عوالمَ ساحرة من الهند وببراعة تصوغها مع مشاهد مؤلمة، من بغداد، هل تعتقد أن هنالك أملا باستلهام بعض ما تركه لنا الأسلاف لإفادة الأحفاد؟ ^ عملية الكتابة أصبحت أكثر تعقيدا وأكثر جمالية في تقارب الأجناس وهي تنشط في متن السرد... هذه معرفة مضافة إلى تاريخية السرد المعاصر، فحينما يكون النص غير عابئ كثيراً بمدرسيته القديمة أو تلك التي يضع النقاد مساطرهم عليه ليقيسوا درجة حرارته أو برودته، فإنه سيكون بمنأى عن تلك المساطر الهندسية، ويبني لروحه شكلاً من أشكال الحداثة في معماره الفني، ومن هنا تبلورت رؤيتي أثناء كتابة (الهندوس يطرقون باب السماء) بأن أكون منفتحا مع النص إلى أقصى انفتاح ممكن، يحيطني بالمعرفة الممكنة حيثما توجب استخدامها في المتن العام، أو استخدام تقنيات الفنون الأخرى إن كانت توفر شيئا مهما لإغناء النص روحاً وشكلا، لهذا فإن أدب الرحلات الغائب عن حياتنا الأدبية هو الأدب المقصي كثيراً عن مؤلفاتنا ورؤانا البصرية والفنية، وحينما تعاملت مع (الهندوس...) على أنه سرد مفتوح برحلة معاصرة لم تغب عني رحلات عربية وأجنبية معروفة، غير أنّ الكتابة في هذا المتن الطويل استقرت على أن تكون كتابة لا مذهبية مجنسّة ومحددة، سوى باسمها (أدب رحلات) لتقسيم حياة الرحلة إلى أزمان تستقطب الماضي على وجه التحديد لتحاكمه أو تنظر إليه بشك أو بأمل أو بيأس، تحت أرضية الواقع - الحاضر. أثبتت الرواية كفنّ أدبي أنها ليست منتجا جاهزا محددا ونهائيا، إنما هي دائمة التحول. وهذا التحول تحديدا يسمى عادة «الحداثة» التي تختلف في تمثلها عبر النص من روائي إلى آخر كيف تراها او تعرّف الحداثة، وكيف عبرت عنها في كتاباتك؟ ^ ليست الرواية ولا أي جنس أدبي آخر معنياً بالتعريفات المختلفة التي تصدّرها التحولات الطبيعية للخطاب الأدبي والثقافي بشكل عام، ولو تتبعنا هذه القضية تاريخيا لوقفنا على عشرات المحطات التعريفية منذ القرن السادس عشر وربما قبل ذلك وحتى اليوم، وهي رحلة طويلة الأنفاس في هذه الفاعلية الثقافية المتجددة، التي تحمل معها في كل مرة حمولات فكرية متعددة بأثواب جديدة ومختلفة المناشئ، لتوطد صلتها بالواقع الثقافي وتستشرف آفاقها المديدة عبر ترحال تجريبي في الكتابة. في التقدير العام لا توجد حداثة أدبية منفردة ما لم تكن هناك منجزات حضارية وعلمية وفنية وثقافية أسست لنفسها تعريفات ومواقف فكرية وجمالية في حشود أسماء حداثييها وبتعاقب الأجيال وعطاءاتها المتعددة في رفد الحياة الثقافية والعلمية والاقتصادية والمعمارية والفنية بكل ما هو جديد يتماهى مع روح العصر ويشكل خطابا جديداً له، فالحداثة بوصف أنها حركية ثقافية لا تقف عند حد، يستدعي أن نقيم مسحاً شاملاً لمنجزها التاريخي، لنصل الى قيم مختلفة في تقديرات الخطاب النقدي السائب حولها، وما تركه من مصطلحات كثيرة في الحداثة وما بعدها ومن خلالها تفريعات مفهومة ومدارس وايديولوجيات فكرية وما إلى ذلك... ذات يوم صرخ فلوبير «إيمَّا» هي أنا، كاشفا عن السر الداخلي في الواقعية حيث يجري التعبير عن الذاتية القصوى بموضوعية قصوى. إلى حد كنت «ذاتيا» في كتاباتك؟ ^ لا يخرج الكاتب عن ثوبه مهما افتعل من أزمات فنية وخيالية، وشطح الى سرود هجينة وغريبة لإبعاد شبهة الذاتية عنه. فالبعض يعدّ الكتابة الذاتية شبهة يجب التخلص منها، فهي اعترافات واعية ولا واعية تمرر مصائر كثيرة تحت هذه الواجهة، والبعض - في حداثة الكتابة ومسمياتها الجديدة - لا يرى الذاتية جنحة مخلة بشرف الكتابة، فشيوع الرواية السِيرية اليوم جزء من هذه المنظومة الموصوفة بالحداثة الروائية، ويمكن ملاحظة هذا التدفق السردي السيري بشكل غريب جدا، فالذات الراوية لا تبقى في حيزها الذاتي محدد السمات، ففي انتشارها الجمعي ما يشير الى إمكانية اقتناص الذات الروائية الشاهدة المحفزّة التاريخية الجمعية وكلها ذات لا تنفصل عن ذوات أخرى مرافِقة لها، تدعمها وتؤسس كيانها بظروف محتشدة، لا تتشابه طبعا من حيث التداخلات المتوقعة، سياسياً وثقافياً واجتماعيا. غير إنه يمكن ملاحظة الذات الشخصية في الرواية من منظورات نقدية متعددة الآليات، وبمثالك عن « ايما» تصح الإشارة الى الذاتية المفرطة التي جعلتها تصرخ ( لدي حبيب. حبيب) وهي صرخة تفضح الرومانسية السائدة في عصر فلوبير وتسخر منها أيضا، عبر شخصية ايما الباحثة عن (أناها) في أدغال الحياة، وهي (أنا) برع فلوبير في تقمصها ليتقمص عصراً بكامله ويرسم شخصياته بحرفية عالية المستوى. يشي عنوان عملك الأخير «اصابع السرد» بإيمانك المسبق بما قد يُنجزه النص الأدبي، ماذا يمكن أن تقول لنا عن هذا الكتاب؟ ^ أصابع السرد أفكار في الكتابة. خرجت من النصوص المتعارف لتشكل لها نمطا خاصا بها في كتابة حرة، تشكل لنفسها نصا مستقلا يقع بين القصة والوصف والنقد والممارسة الكتابية غير المجنسة. البعض يرى في هذه النصوص (نصاً ثالثا). آخرون يرون إن الانتباه الى موجودات الحياة الكثيرة، لاسيما المهمل منها والمنسي وغير اللافت للأنظار كليا، هو بؤرة الكتابة الجديدة التي تبحث في اليوميات البشرية وعلاقتها بمحيطها، لأنسنتها وإكسابها طابعا حراً من النصوصية المفتوحية على الحياة وعلى الكتابة في استشرافاتها الأدبية. ومثل هذه الكتابات الشحيحة في السرد العراقي هي نواة لابد من معاينتها في ظروفها الجديدة التي انفتح فيها الخطاب السردي المحلي على أنواع كتابية لم تكن مألوفة في المتن السردي العراقي. أجرت الحوار: لينا هويان الحسن