1 الانسحاب الأخير للبرادعي البرادعي خرج من الدائرة. لكنه ليس كما دخلها بالتأكيد انسحب الدكتور محمد البرادعي فجأة من تركيبة الحكم بعد 30 يونيو. فعلها في قلب «المعركة» كما رأتها الدولة الامنية وجوقتها وجمهورها. انسحاب في غير وقته، وان كان متوقعا، فهو غاندي الذي أرادته الظروف أن يلعب دور نهرو، أو الداعية الذي دفعه الفراغ السياسي الي لعب دور السياسي، وهو ترنح على الجسر بينهما. جاء البرداعي من خارج دائرة النخبة المعارضة بعد عودته في شباط العام 2010، يصاحبه سحر الإنجاز في الخارج، جائزة نوبل وإدارة هيئة الطاقة الذرية. هابط من سماء اخرى وهذا ما جعله مربكا للجميع: من يبحث عن بديل ومن يرفض البديل. انه بمعنى ما لم يكن البديل للجنرال ولا يمكنه الدخول في حرب الآلهة على المقعد الفخم في مصر. إنه سهم قادم لكسر الدائرة المغلقة على نفسها. سهم حكيم هادئ لا يدّعي امتلاك الحل السحري أو مفاتيح الجنات المغلقة. البرادعي، كانت طبخته جديدة. وتلعثمه الذي انتقده مدمنو الحلول الجاهزة، إشارة الى حيوية القوى الجديدة في المجتمع... قوى هاربة من الاستقطاب بين النظام والإخوان المسلمين، وتفك عزلة مصر عن تيارات التغيير في الألم وتجعلها أعجوبة أو قائدة في دول الأعاجيب العربية. الفاشية كما عرفتها مصر دائما كانت بليغة وتصنع نماذجها المخدرة ببراعة في العصر الفضائي، وتنتقل من شرفات الحكم الى الشوارع مثل المخدرات السهلة. وفي المقابل كانت ثقافة التغيير ترتبط بتلعثم ما للخروج عن النص السائد... وهذا ما وضع البرادعي في موقع مميز، أيقونة من الثورة المصرية رغم أنه إصلاحي، و لا يحب السياسة، ونضاله أوروبي الملامح. ظل البرادعي خارج الدائرة، بالاستغناء عن المناصب، والمسافات بينه وبين الشعبوية بأشكالها، والدائرة القديمة للنخبة ليكون «حكيما» و«دليل طريق» كلما تحققت نبوءاته التي بدا انه يقرأها من «كتالوغ» الدولة الحديثة في أوروبا. لم يقطع البرداعي المسافات، لكن القوى السياسية كلها قطعت المسافات اليه واختارته مفوّضاً وممثلا في تركيبة الحكم بعد 30 يونيو. ولأنه من الذكاء ليعرف أن وجوده يحمي ما حدث من وصف «الانقلاب العسكري»، فإنه تعامل كما لو كان هذا «الوجود المميز» ورقته الوحيدة. لم يسع للبناء على هذه الميزة لتقوية «المكوّن السياسي» في تركيبة الحكم، كما غابت عنه إرادة بناء موقف سياسي بدلا من الاكتفاء بالتهديد بالانسحاب. البرادعي كان هدفاً، قبل إعلان تركيبة الحكم، لجوقة الجناح العسكري، وبدا ان هناك «عشاءً اخيراً» سيعدّ له عاجلا أو آجلا... قبل «الفض» أو بعده. لم يحاول البرادعي استكشاف البيئة التي وصل فيها إلى السلطة ـ تصور انه سيسمح له بصنع معجزة من دون ان تظهر بوادر سحره ـ لم يرَ شبكة بروباغندا تلتف لتصنع جمهورا من المنتظرين للمنقذ العسكري من الوحش المقيم في «رابعة العدوية». جمهور لم يفكر البرادعي في تقديم «حل آخر» يقوّم به السحر القديم للدولة الأمنية. هل كان يجب أن يبقى في تركيبة الحكم ليمنح ترخيصاً للفض الدموي؟ وهل فعل البرداعي ما يجعل موقفه أقوى وأكثر فعالية من مجرد «تسجيل موقف أخلاقي»؟ هل استوعب البرداعي الانتقال من موقع المعارضة الى السلطة؟ هل استنفد أساليب بناء موقف سياسي لا يترك تركيبة الحكم عارية في مواجهة الدولة الأمنية؟ وهل كان البرادعي بمفرده في تركيبة ما بعد 30 يونيو، أم كان ممثلا/مفوضا من تحالف سياسي اعتمد عليه في «تسييس» السلطة لكي لا تقع أسيرة الدولة الأمنية ورغبتها في إعادة ترميم كيانها؟ الاجابة عن الأسئلة لا تخص موقف البرادعي، وبالتالي لا تنشغل بجوقة الاتهامات له بالخيانة والعمالة، وهي جوقة صوتها أقبح مما نحتمل. كما ان أصوات الدفاع عن البرادعي باعتباره «أيقونة الثورة» لا مجال لرومانتكيتها في إطار تقييم ما حدث. مرة اخرى التفكير لا يخص البرداعي قدر ما يعتني بمستقبل تركيبة 30 يونيو ومصير مصر في لحظتها المعقدة. الدولة الامنية أرادت ان تسبق الجميع، رغم أنها غير محترفة، وخبراتها لا تؤدي إلا الى الكوارث، وقدراتها لا تحقق الأمن. والنتيجة كما عشناها بعد خطة «الفض»: مذبحة لا تنسى وفوضى أمنية لم تتم فيها حماية أرواح اخرى (كالمسيحيين مثلا) ولا منشآت (كنائس ومحاكم). هل هدف الخطة هو إعلان استعادة الشرطة لقوتها قبل يناير 2011؟ وزير الداخلية قال تصريحا خطيرا: نعدكم بعودة الأمن كما كان قبل يناير 2011. هل هذا هدف خطة «الفض»؟ لم يكن هناك أمن قبل يناير 2011، كان قمعا، وإدارة لعالم الجريمة، والحل الامني كما اختاره مبارك دفع الدولة كلها الى كارثة كما عانينا منها في مصر وكانت سبب انفجار الثورة. وما لا يعلمه الوزير ان الدولة لن تستمر بالحل الامني، ولن تبني من جديد إلا بمحو آثار سنوات حكم «الدولة الامنية». وان هذه الدولة لن تخرج من نفقها/مأزقها/مصيرها إلا بعودة الاجهزة الامنية الى دورها في «الحماية» لا في الحكم وقيادة البلاد تحت إيقاع «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة». المعركة لا تخص الأمن ولن يحلها الأمن، والإرهاب تربى في ظل الدولة الامنية بعد أن تصوّرت أنه تحت سيطرتها وطوع صفقات أمراء الإرهاب وجماعاته معها. الإرهاب هو قرين الدولة الأمنية، والحرب إن استمرت بينهما أو بقيادة الأمن للسياسة فسنصل الى وضع «الدولة الفاشلة» التي تتضخم فيها مؤسسات وتصل الى أحجام غير طبيعية، وتعجز عن إدارة البلاد. المرعب هنا أننا ننظر الى مذبحة كاملة الأوصاف، يقوم بها الأمن ليحمي المجتمع من جيوش كان يربيها أمراء الإرهاب ليقتلنا. نعم تحاصرنا الكوابيس ونشعر بالألم على «مشاريع قاتلينا»... ولا يمكننا الرقص مع جوقة الدولة الامنية على الجثث. لكن التعاطف/الألم يزداد تعقيدا وغموضا عندما نرى المليشيات الباقية من جماعات الإرهاب تنشر الرعب وتحرق كل شيء لأنهم فقدوا السلطة ومعها القدرة على تحويلنا الى قطيع يسمع ويطيع أمراء الكراهية. الفاشية وحدها هي القادرة علي وضعنا في هذا المأزق. فاشية الإخوان التي تمنح مبررا لدى الشعب العاجز للوقوع من جديد في كارثة اختيار الطغيان... وغسيل سمعته... وهنا السؤال عن التعاطف مضلل. ولا يمكن أن ترسم أو تحدد المواقف السياسية بالألم، من قتل المعتصمين تحت راية الإرهاب، أو ونفس هؤلاء الضحايا وهم يقتلون ويسحلون ضابط شرطة. المواقف تبنى من أجل عدم تكرار هذا المشهد/المذبحة. وعدم الوقوع مرة اخرى في موقع المتفرج على حرب بين «قاتلين»، والحياة فترات تحت وقع «طرطشة» الدماء. لا يمكن الوقوف سلبا بينما تستعيد الدولة الامنية موقعها في الحكم، القمع وجماعات الإرهاب في المظلومية، والسيطرة على المجتمع من أسفل. هذه لحظة مواجهة، إما أن تبقى القوى السياسية الجديدة في الساحة أو تظل تبحث عن معنى كبير وراء التراشق بالتعاطف، وما يتبعها من اتهامات بالتخوين والعمالة... وإما ان تساق الدولة كلها الى ثنائية «الارهاب/الدولة الامنية» ويعود تأسيس الدولة وفق معطيات (الامن اولا) ويفور العفن الكامن من سنوات الاستبداد ليغرقنا تحته في دولة الفشل الكبير. 2 «ساعة الحظر ماتتعوضش» القاهرة موحشة. فارغة كأنها ابتلعت سكانها. العدو الاليف يقتحم المدينة. يخرج هاربا/مجروحا/ضحية من مستعمرته (في تقاطع رابعة) لينتقم من الجميع ويحرق المدينة. لم ير أحد أسرار مستعمرة رابعة. أسراب الضحايا أثقلت العين والقلب والروح، لكنها لم تزل الشعور بالخطر. والجنرالات الطيبون أصدروا قرار حظر التجول لتبتلع القاهرة أهلها وتترك عدوّها الاليف وحده في شوارع تبدو كمكان حرب لم تحدث، ولم تكتمل. قرار الحظر هذه المرة مختلف. ساعات الليل قصيرة، لكنها طويلة. في الحظر الاول بعد اختفاء الشرطة في 28 كانون الثاني العام 2011، لعبت المدينة مع فراغها. استثمرت في علاقات اكتشاف الشوارع والجيرة، والاستمتاع بالكسر الجماعي للحظر... هي ساعة لا تعوّض، التمرد فيها مصحوب بالقوة، والتمرد وليس الخوف والرعب من أعداء سكنوا داخلنا، بجوارنا، تحت جلد المدينة نفسها. كنا نسخر بتكرارها "ساعة الحظر ما تتعوض". استمتاع طفولي بكسر الأوامر. والخروج من تربية عاطفية صنعتها ماكينات الترويض العمومية. الماكينات تمتص العصير من البرتقالة لتتحول الى برتقالة بلاستيك، تشبه البرتقال، لكنها ليست إلا "برتقالة آلية"، كما أسميناها في فيلم ستانلي كوبريك. ماكينات محترفة في صناعة قطيع من "الآليين" منزوع منهم حق الاختيار، يسيرون وفق "كاتالوغ" من القيم والأخلاق والمشاعر يجعلهم مثلا يخافون من قرار إنهاء حظر التجول، لأن هذا يعني أنه سيكون أمامهم الاختيار، وهم تعودوا على الخضوع للأوامر والتعليمات. كوبريك حكى عملية تحويل "اليكس" من زعيم عصابة ليلية الى مواطن طيب يكره العنف، عبر ماكينات ترويضه في السجن، التي أفقدته "حق الاختيار". هل تغير الشاب المتمرد؟ ام ان إرادته سلبت ولم يعد أمامه إلا السير في "الطريق الصحيح" من وجهة نظر المروّض؟ كان هؤلاء يشعرون بالأمان في ظل حظر التجول، لأنه قرار بمنع الاختيار، والسير حسب تعليمات سلطة عليا، خبيرة في برمجة البشر داخل مصانع عملاقة، لها أفرع في كل مدرسة وبيت لكن معرضها الرئيسي في التلفزيون، مروّض الشعوب الاول. ... التربية هنا هي نزع حرية الاختيار، وتصنيع شخص لا يختار الأخلاق الرشيدة لكنها تفرض عليه، لا يتحمل مسؤولية أفعاله، لكنه يسير حسب خط سير القطيع. لا عواطف شخصية ولا حق في الاختيار، ميزة الإنسان الأولى، لهذا يرفض البعض إلغاء الحظر، كما يحبون الرقابة، ويبكون عندما يظهر مبارك في خطابه العاطفي، ويلغي به كل إمكانية للتفكير، ويوقظ التربية الآلية، فالرجل الكبير يكاد يبكي، وهذا يكفي. لا أحد يفكر في استبداده، ولا فساده، المهم أنها صورة تثير الشجن، وتحرك العواطف الآلية، والديكتاتور يعرف مفاتيح الترويض. العواطف جاهزة، والدموع مبتذلة تتحرك كأنها مكتوبة في نص لا يراه صاحب الدموع، لكنه نص مكتوب من زمن طويل، تستجيب فيه العواطف الى اكليشيهات محفوظة وجاهزة وتعاد كأنها سر الكون. كتالوغ ترويض لا يفكر الملتزمون به مرة واحدة في انهم محرومون من الاختيار، وكل محروم من الاختيار هو عبد يسير في طريق واحد، منزوعة منه روح التمرد، وممنوع عليه التفكير في ما يراه. كيف يمكن البكاء على ديكتاتور قتل وسرق؟ أو الموت في سبيل عودة ديكتاتور فاشل الى كرسي فقد شرعيته؟ وكيف يمكن إجبار شاب على دراسة لا يجد هواه فيها لأنها ستحقق أحلام أبيه؟ هل الأمان في الحظر أمان؟ وهل الأخلاق عندما تكون مفروضة بكتالوغ العواطف الجاهزة أخلاق؟ في المرة الاولى كانت "ساعة الحظر متتعوضش" لأنها ساعة التمرد على قوانين البرتقالة الآلية... أما الآن فساعة الحظر طويلة/مرعبة، لأنها أخرجت الأشباح من تحت سريرنا. 3 حفلات التحرش هكذا أصبح الواقع السياسي لمصر شبيها بهندسة قلب القاهرة، حيث الممرات بين شوارعها مغلقة... أي سدت الشرايين التي وضعها المصمم الأوروبي، من اجل التجول بحرية. التجول أصبح اقرب إلى المستحيل. القاهرة في العيد، حيث حفلة موسمية لخروج الانحطاط من مكمنه، الجغرافي في المستعمرات البشرية المحيطة بالعاصمة، والنفسي، حيث إن الهامشيين ينطلقون إلى قلب المدينة في رحلة انتقام صارخ، وبدائي. اعتداء رمزي كل موسم، على قلب المدينة الحديثة، التي لم تمنحهم نفسها أبدا، ولا استسلمت للتفاهم مع المدينة «القديمة» بقلوبها المتعددة، الإسلامي والقبطي والفرعوني. القلب الحديث أصبح مقرا لنوستالجيا، تمصمص الشفاه من الإهمال المزمن، وتعيش على ما كانت تقوله المدينة لساكنيها: انتم هنا في قلب الحداثة... كرنفالات الهجوم البدائي على هذا القلب... لم يعد يسمع فيه صوت المدينة. المدينة صامتة رغم كل هذا الصخب... لا شيء غير ذبذبة ما زالت تتجول في الشوارع. المعنى السياسي لحفلات التحرّش الجماعي ربما يكون صادماً لبعض المنتظرين لأمل الإصلاح، لكنه معنى يكبر كل يوم. «التغيير سيأتي مثل حركة البخار في إناء محكم الإغلاق». النظام، بأجهزته الأمنية وصحافته، أنكر «حفلات التحرش الجماعية» قبل عام، لكنه هذه السنة لم يستطع إلا الاعتراف بها. طارد مراهقين عشوائيين هبطوا على المدينة في عصابات شبه منظّمة، يمارسون الفرحة بالعيد على طريقتهم. «إذا كان هذا هو الفرح، فكيف سيكون الغضب؟» كان السؤال، وإجابته المتاحة: «اقتناص المتع بهذه الطريقة سيصبح عادة، وسيهبط المطرودون من رحمة النظام على قلب المدينة. يحاولون استعادة حقوقهم، وساعتها سيأتون على الأخضر واليابس». المتحدث مخرج سينمائي يتخيل مشهد «ثورات الجوع» في الأفلام التاريخية، بينما السياسي المخضرم تمهّل قبل أن يقول: «أحزمة البؤس المحيطة بالعاصمة ستنتقم، وستوجّه انتقامها إلى منتجعات الأغنياء. وسيكون هذا هو ردّ الفعل المتاح على سنوات الظلم والطرد من العناية». ربما كانت حفلات التحرش، في شكلها الأولي، رد فعل على تحوّل القاهرة إلى مدن بلا شوارع وبلا مكان عمومي لممارسة الحرية. الحرية في تصميم النظام السياسي ليست علنية، بل سرية، ومن حق أقليات مختارة، وتُمارس خلف أسوار مستعمرات الأغنياء. والنخبة السياسية، حتى المعارضة، لم تهتم بتحرير الشارع، إلا مع تظاهرات «كفاية»، التي حاولت كسر الأسوار. وحدهم «العشوائيون» و«الرعاع» القادمون من جهات الفقر في القاهرة هم الذين يحاولون كسر علامات السلطة في وسط المدينة. يحاولون اقتناص مساحتهم، رغماً عن قوانين السلطة، فيسيرون في منتصف الطريق في شوارع وسط البلد، ويحتلّ بائعو البضائع الرخيصة الأرصفة وتقاطع شوارع العاصمة. هكذا يمكن اعتبار حفلات التحرش «هستيريا جماعية» خارج السيطرة. جمهور الهياج الجماعي كله من المراهقين والشباب. ثورات القطيع أو الرعاع أو العشوائيين هي الظاهرة الأكثر استعداداً للاتساع. ثورة ليست ضد السلطة، ولكنها ضد المجتمع. النخبة القديمة والعجوز قد لا تهتم بحرية امرأة في السير بحريتها في الشارع من دون تحرشات. لا تعتبر النظرة التقليدية للسياسة أن حرية السير في الشارع هي حق سياسي، وأن الهستيريا الجماعية التي تتحرك مثل القطيع وراء قطعة لحم يريدون تعريتها أو لمسها بالقوة. قوة القطيع وفوضى الرغبات المكبوتة، هذه الهستيريا هي تعبير سياسي، وإن كانت التعليقات المكتوبة في المدوّنات فيها بعض المبالغة أو التهويل. ثورة الجوع الجنسي سياسية بمفهوم أوسع من الذي تعوّدنا عليه. وهي ليست مجرد سقطة أخلاقية جماعية أو أخطاء أمنية في حماية المواطنين. لكنها جزء من فكرة أكبر، وهي أن المجتمع في مصر فاقد للتنظيم، وبلا قانون يرسم العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين الفرد والسلطة. يمكن لضابط في شارع طلعت حرب أن يستمتع بتوقيف شباب يحملون زجاجات بيرة ليلاً ومضايقتهم، رغم أن هذا ليس من حقه ولا من حق أي شخص، ما داموا لم يعتدوا على حرية أو أمان أشخاص آخرين. لكن الضابط يرى أنه وحده، وفي المساحة التي يقف عليها، ملك. يطبق قوانين من صنع هواه وخياله. وهو هنا يتصور أنه مراقب أخلاقي، لا منفذ قانون. لا يُمنع المواطنون من شراء البيرة أو شربها في محال يقوم الضابط نفسه بحمايتها. وهو المنطق نفسه الذي يطارد به الشباب فتاة في الشارع، فهم طامعون فيها، لكن قبل ذلك يقومون بتعريتها من حقها ويمارسون عليها رقابة أخلاقية تضعها في خانة «المثيرات جنسياً»، ويحق عليها العقاب: التحرش والمضايقة كنوع من ممارسة سلطة سلبية تمنع النساء من حق الحرية والأمان في الشارع. ربما لا تكون ثورة الجوع الجنسي جديدة. لكن هناك حاجة إلى «ثورة مضادة» تطالب بشارع نظيف من التحرش. وربما ستكون حركتها هي الأقوى في طريق الإصلاح السياسي، لأنها ترفض سيطرة الغوغاء على الشارع بنفسية الضعيف الذي يقتنص فريسته، وفق قانون يخضع للأقوياء ويحميهم، بينما يترك الضعفاء في حرب أهلية. إنها ثورة ضد الخوف، ضدّ السلطة والغوغاء معاً. الانفجار الجنسي علامة فوارة على المطالبة بالحق السياسي الضائع. الحق في حياة آمنة تضمن أبسط الحقوق الإنسانية. وهذه أحلام بعيدة في مجتمع تحكمه الأنانية المفرطة ويعيش في غيبوبة تشبه حلقات الذِّكر. في حفلات الذِّكر يذوب المتصوف في ذات أعلى، وفي حفلات التحرش يعلن الهائج عن ذات غير موجودة، مسحوقة، لا تعرف من الجنس إلا الجوع. والجوع هنا يقابله إفراط في مستعمرات الرفاهية المغلقة على أصحابها، حيث تقام حفلات جنس جماعي أسطورية، لكن بقوانين أخرى وطقوس ترتدي فيها الهمجية قفازات من حرير. من يتابع الشارع المصري الآن فلن يتعرف إلى العصر ولا إلى الناس. هناك أقصى موجات الحجاب والنقاب: من الحجاب السعودي إلى الأفغاني والإيراني والتركي ونقاب الجزيرة العربية. في المقابل هناك أحدث صيحات الموضة مستوردة من باريس وروما ونيويورك. بين هذا وذاك لا مكان لملامح المرأة المصرية الآن. جسدها مخنوق في ملابس صممتها عقليات لم تفكر فيه. جسد محشور في ملابس لم يصنعها، استورد أذواقها وطريقة صنعها. وفي مقابل هذه العشوائية، هناك عشوائية «التحرش الجماعي» أو «ثورة المقهورين» اجتماعياً. ثورة العشوائيات المعمارية والأخلاقية على المدينة التي تحتضر. وما حدث كان أقوى علامة على تحلل الدولة أو تفككها، أو عدم قدرتها على السيطرة على ثورة رعاع قادمة من المحرومين من أبسط حقوقهم، وتحاول إشباع الملذات البعيدة عن متناول اليد بالقنص أو الاستيلاء. وطبعاً أسهل فريسة هو جسد المرأة. أصبحت الحبة الزرقاء صديقة الرجل في الريف والمدينة. بها استمرت سلطة الرجل في البيت. وأخرجته موقتاً من طابور الـ40 في المئة من المصابين بالعجز في مصر. وربما تكون أنقذته من الدخول في دائرة الدراويش أو المتطرفين. كلاهما محاولة للخروج من الأزمة مع متعة الدنيا إلى انتظار متع ما بعد الموت. وتعويض الهزيمة أمام نساء الدنيا بجائزة إلهية من حور العين؛ ملكات جمال وعذراوات دائمات. وحلم الجنة مرتبط أيضاً بانتصار الذكورة النهائي على الأنوثة المتوحشة المختفية تحت تلال من الأقمشة. «الفياغرا» في مصر هي علامة على استهلاك معجزات الطب في العالم، ووضعها في ماكينة جنس معطلة، من دون تغيير في مفاهيم الجنس ذاته. «الفياغرا» دليل على الرغبة في استمرار قوة الرجل الجنسية فقط. وهي رغبة تزداد معها هستيريا تغطية المرأة، حتى في لحظات الاستمتاع بالماء والهواء. وهي علاقة تحتاج إلى تأمل من نوع خاص. فـ«الفياغرا» تعبر عن رغبة في قوة الفرد. والحجاب ثم النقاب رغبة في أن تكون المرأة جزءاً من القطيع. هناك صراع خفي لبقاء قوة السلطة (الرجل)، التي تسعى إلى أن تكون فردية وخالدة ومعلنة بقوة. وفي المقابل تُقهر المرأة، ولا تحصل على اعتراف إلا عندما تشبه زميلاتها في القطيع. غير ذلك تصبح منبوذة وشاردة عن القطيع، وتخرج عن الحماية لتكون فريسة لذئاب مكبوتة جائعة محرومة من حقها في اللحم العاري. المرأة من دون حجاب أو نقاب عارية ومنتهكة، ليس لأنها غير متدينة، بل لأنها خارجة عن القطيع. اختارت، واختيارها خاص بجسدها، وهذه وحدها كارثة، لا تقدر عليها حتى أقراص «الفياغرا» الجماعية.... بعد الثورة خرجت «قوة ضد التحرش»... اسم المجموعة الفدائية التي تواجه وحوش التحرش والاغتصاب. وهم مدهشون يتطوعون في ما لا يقبل عليه الكثيرون... بل تخشى قطاعات من مواجهته، إما نوعا من الشماتة في الثوار أو صمتا من الثوار أنفسهم، كي لا نمنع الناس من النزول للثورة...وكما أننا غادرنا بالونات الخوف وكسرنا جدار برلين الذي كان يحمي كلا منا بمفرده ، وكما لم يعد تكالب السلطة على متظاهر يثير الهرب ولكن المواجهة، فإن الحاجة اليوم إلى مواجهة مجرمين يشبهوننا، لكنهم يتحولون ساعة وقوع الفريسة، إلى وحوش للجنس العشوائي... يفجرون مكبوتهم علنا وأمام الجميع وبمنتهي الفجاجة والعنف... والمتحرش هو منفلت يبحث عن مسرح لانفلاته، ويتصور أن المرأة هي الكائن الضعيف المناسب للعرض الذي ينفس عن الكبت والنظرة المريضة للجنس... ويمكن للمتحرش أن يرى كل النساء عاريات في رأسه. هذه أمراض لا تتعلق بنوع الملابس، لكنها بنوع من التفكير وجد من يسانده حينما دافعت نائبة في البرلمان وغيرها عن المتحرش، باعتباره ضحية فتنة النساء. إننا جميعا شركاء في هذه الجريمة، إما بالصمت أو الإنكار أو التعامل السطحي على أنها «ليست مشكلتنا». ما دام الذئب البشري بعيدا عنا فنحن في أمان، رغم أنها من الجرائم التي تفسد علينا الحياة، وتشعرنا بالمهانة بمجرد القراءة او السماع... فما بالك بالتفرج على الجريمة، كأنها فيلم تنتظر منه المتعة. الفرجة هي انتهاك جديد للضحية وللمتفرج شخصا... كيف تتصور انك ستعيش وسط الذئاب سليما؟ من سيحميك مثلا اذا قررت مجموعة تجربة التحرش أو اغتصاب الذكور؟ حدث هذا في اقسام الشرطة، وكان البعض يتعامل معها على انها جريمة موجهة ضد «متهمين» يستحقون ذلك، وساعتها قلنا ان هذه النظرة تمثل ضعفا وتواطؤا يحمي المجرم، الذي لن يوقفه احد عندما يختارك الضحية المقبلة. فكر فيها فعلا: ما رأيك إذا حدثت حفلات اغتصاب جماعي للذكور؟ فكر أيضا في أنها جريمة منظمة، بداية من الجهات السرية التي ترسل إلى الميدان مجموعات تثير هياج الجموع العريضة، ولا تنتهي عند إشاعات «البروباغندا» الرسمية عن وجود حفلات جنس جماعي في الميدان، من الممثل الكومبارس التافه الذي قال ذلك عن «ثوار 25 يناير» الأولى مروا بصحافيين وسياسيين من بباغاوات المجلس العسكري وحتى الكورس القبيح في قنوات المشايخ. الإشاعات تخلق جمهورا يندس في الميدان ليتفرج على العاريات في الميدان. وتأتي هنا المجموعة المنظمة لتثير غريزته كما يفعل الدم في الذئاب عندما تجرح الفريسة. لا احد يستحق الاغتصاب أو التحرش... كما لا احد يستحق القتل أو السرقة. وإذا بررت الاغتصاب فمن السهل أن يبرر القتل، لأنك لا تعجب القاتل والسرقة لأنك تمتلك ما لا يمتلكه اللص.