As Safir Logo
المصدر:

سليمان العيسى: إيقاع مرحلة

المؤلف: محمود ابراهيم التاريخ: 2013-08-13 رقم العدد:12552

رحل الشاعر سليمان العيسى في 9 آب 2013 وله من العمر اثنان وتسعون عاماً، وقد ترك وراءه أكثر من أربعين كتاباً ما بين شعر وهو الغالب، بدءاً من «مع الفجر» (1952)، و«أعاصير في السلاسل» (1954)، و«كلمات مقاتلة» 1986، إلى جانب أعمال شعرية أخرى للأطفال: ديوان شعر للأطفال 1969، والصيف والطلائع 1970، غنوا أيها الأطفال 1977، ونصوص شعرية مسرحية للكبار، مثل: ابن الأيهم، الإزار الجريح1977، وللصغار، مثل: النهر1969، ونثر، مثل: كلمات للألم، وأحلام شجرة التوت... الخ، يمكن تلخيص سيرة حياته بأنها في منتهى المأساوية، إذ حاول أن يقدّم أقصى ما عنده، إنما من منظور حزبي عروبي في المجمل، لعل ارتباطه بأنطاكية في لواء اسكندرون حيث ولد فيها ونزح منها، والحنين المستمر إليها اعتماداً على كمّ وافر من الوعود وتجييش المشاعر القوموية، وانتسابه المبكر إلى حزب البعث، وهو من مؤسسيه، وفكرة العروبة في ظل التشديد على مفهوم الوحدة العربية، ويقينه أن انتماءه الحزبي: البعثي هو الطريق الأسلم لتحقيق هذا الحلم... الخ، كان وراء هذا الكم الوافر من المجموعات الشعرية بإيقاعها القومي العروبي وفي سوريا بالذات، دون أن يشك مرة واحدة أن الانتكاسة، لا بل الهزيمة: هزيمة الفكرة على أرض الواقع تتربص بحلمه القومي الذي تملَّكه. لا يعني ذلك في الحال أن في الكتابة ذماً لفكرة القومية أو الرابطة القومية، وإنما بالطريقة التي يتم هضمها على مستوى المعايشة الأدبية أو الشعرية بداية، وحين يأتي تسخير القريحة الشعرية هنا لخدمة المتلقى قومياً، ومن ذلك من إطاحة بجماليات الأدب أو الفن أو الشعر في الواجهة. كان لدينا شعور ونحن صغار، وعلى مقاعد الدراسة الابتدائية أن ثمة شاعراً واحداً وحيداً في سوريا يكتب للأطفال، من خلال تكرار اسمه في الصفوف الأولى، وخاصة الصف الأول، إلى درجة أننا كنا نحفظ القصيدة عن ظهر قلب، ونضم إليها اسمه في الحال، وكأنه جزء منها: ماما ـ يا أنغاما... بابا بابا ـ يومك طابا... أرنب أرنب ـ يجري يلعب... ولاحظنا ذلك بعد تقدمنا في الدراسة وما كان يجري في المهرجانات المعتبرة مهرجانات الطلائع، وتلك القصائد والنصوص الشعرية التي كان يكتبها ويجري تمثيلها أو أداؤها، كما في: الصيف والطلائع، وربما كان ذلك تبنياً كاملاً للشاعر العيسى بصفته الشاعر الذي لا ينازَع للقومية العربية في منظورها العروبي: الإيديولوجي: البعثي، وكان ذلك يتجاوب مع مشاعره، لا بل مع رغبته الواعية في أن الذي اختاره هو أفضل تعبير لما يمكن للقيام به في الربط بين الشعر والجاري واقعاً. إن ما حاول القيام به سليمان العيسى على مدى أكثر من نصف قرن، هو كيفية لفت الأنظار إلى أن خير مدخل إلى عالم الشعر الفعلي والالتزام بروحه هو التثقف القومي العروبي المؤدلج، دون أي مراجعة لخاصية الشعر ومقام الشاعر الذي يتجاوز التقمقم الشعاراتي، ويسهل القول أن اسم العيسى كان كثيراً ما يشار إليه بين المقبلين على تذوق الشعر وقول الشعر من منظور إبداعي ومختلف، بصفته الضحية الكبرى في عالم الكتابة الشعرية قبل كل شيء، وكمثال حي مضروب من باب الطرافة والتأسي، وفي الوقت نفسه، للإفصاح عمن يزج بروح الشعر في جسد محكوم بأكثر من قيد شعاراتي. صحيح أن الشاعر العيسى حاول أن يخلص لمبدئه في قول الشعر الذي يؤكد على وجود رموز قومية عربية، وضرورة الاحتفاء بها، باعتبارها ممثلة الجماهير العربية، إلا أن الذهاب بفكرة المبدأ على أرضية الشعر يضعنا في مواجهة العالم الفني المتشكل بين جنبي الشاعر، وتحديداً من قبل شاعر لم يتعرض للتشكيك فيما انطلق منه أو آل إليه الوضع ذو الصلة بما هو حزبي وكيفية إدارة الحزب وموقع الجماهير والوطن والمجتمع فيه، كما لو أن الطريق الطويل الذي سلكه وقطعه الشاعر أحال دون نظرة نقدية مطلوبة إلى الوراء، والشعور بما كان كارثياً، حيث أن العيسى المعتبَر شاعر أمة وهي ممزقة في المنظور القومي العربي الحديث، كان يلحِق شعره بتطلعاته الإيديولوجية، كما لو أنه كان يحكم الحصار على روحه الشعرية، ليكون لديه الجمع الغفير ممن يعنيهم بشعره في « القاطرة» القومية العربية المتحزبة، حيث يندر وجود مثيل له في كل هذا الاندفاع وراء الهدف المرسوم والرغبة بجعل المقروء معتقدياً إمكاناً محققاً، على الأقل من خلال موقعه في الخريطة الأدبية السورية، ومن خلال ما كان يَعلم به فيما يُتداول باسمه في الممارسة التربوية التحزبية الموجَّهة، وما في ذلك من عنف، وليكون له دور هو ذاته في هذا التمييع لمفهوم الشعر، لا بل الأدب في بلد متعدد باتجاهاته وميوله وأعراقه، ويكون هذا الذنْب مضاعفاً لأنه هو الذي اختاره وتلذذ به، إن جاز التعبير، على حساب عشرات الكتاب، وضمناً الشعراء المبدعين من مجايليه، حيث كان يستشعر بنشوة الكتابة عما هو قومي دون النظر أن ذلك يتم تحت مظلة متحرَّكة سياسياً وعلى أعلى مستوى، وبالتالي كانت الكلمة تخفق في التعبير عما هو منشود إزاء انفتاحها على الآتي، حيث المتخيَّل مجيَّر، والروح مكبَّلة بولاء سلطوي، وكأني به كان يتنمر حتى على نظرائه من الشعراء. ما أكتبه ليس تشفياً موقعاً باسم الراحل سليمان العيسى، وإنما أقرب إلى المؤاساة والأسف إزاء الشاعر الذي ينظر في اتجاه واحد وبدرجة رؤية واحدة ووفق إيعازات ـ ربما ـ واحدة قومية، والراحل العيسى مثال حي في هذا المقام. إبراهيم محمود

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة