As Safir Logo
المصدر:

فاصلة

"أمير الشعراء الكرد"

المؤلف: بزون احمد التاريخ: 2013-08-06 رقم العدد:12548

"لا تنتظروا، صاحبكم قتل".. هذا ما يقوله الكرسي الفارغ عندما ينتظره الناس ولا يأتي. وهكذا تكلم الشاعر العراقي الكردي شيركو بيكه س، في مجموعته الشهيرة "الكرسي"، التي أنسن فيها الكرسي، وجعله يتكلم ويتذكر سيرته من الغابة إلى النجار فالمدينة فالمقهى... إلى أن يصبح هذا الكرسي متعلماً، فينطق ويفصح عن أن صاحبه الشاعر قتل في "الأنفال". لم يقتل بيكه س، لكنه كاد، فقد عَبَر بحياته الكثير من المخاطر، إلى أن قتله المرض أخيراً، وبقي كرسيه يتكلم عنه. الكرسي نفسه الذي بحث عنه عندما عاد إلى الوطن. فالملحمة التي كتبها تحت عنوان "الكرسي" كانت بين يديّ العام 2007، وأنا أستمع إلى صاحبها يقرأ، في المهرجان الثقافي الذي أقيم تحت راية الجواهري، بعضاً من قصائده البرقية، لتظهر لنا المسافة بين ما نسمع ونقرأ، أي يظهر ذلك التنوع الذي كان يضج في شعر أهم شاعر كردي في كردستان العراق، إذ يضم النقائض في طبيعة الشعر، تماماً مثلما هي مشاهد الطبيعة الكردية التي تغنّى بها كثيراً في شعره. أقول "تنوعاً" لأنه في الحوار الذي أجريته معه حينها رفض أن يسمّي انتقاله من السرد إلى الشعر إلى المسرح، بـ"النص المفتوح"، إنما اعتبره نصاً متنوعاً. فهو الشاعر الذي لم ينوّع في شعره وحسب، إنما نوّع في حياته، فكان يعتبر الحياة أوسع من الشعر، فالشعر نفسه ليس إلا تنويعاً في الحياة. وحياته التي تنقل فيها بين الشعر والترجمة والانضمام إلى صفوف البشمركة ثم انضمامه إلى حكومة كردستان وزيراً للثقافة، ليست إلا تعبيراً عن هذا التنوع في شخصيته، والذي لا يفسر إلا بالغنى وسعة الاهتمامات، التي من شأنها أن تجعلنا ننظر إليه من زوايا مختلفة، وبشكل عام، فهو شاعر مبدع وسياسي في آن. قد نختلف مع أحلام بيكه س، التي لم تقف عند المطالبة باستقلال كردستان العراق، بل تعدت ذلك إلى حلم أكبر طالما صرح به، وهو "كردستان الكبرى"، الحلم الذي لا يتحقق اليوم إلا بمزيد من الجراحات الدموية، وإن لم يرد شاعرنا تحقيقه إلا سلماً، على حد قوله لي... قد نختلف معه في هذا البحث المتأخر عن الصفاء العرقي، في الوقت الذي يتجه العالم الحديث إلى الاختلاط والتمازج والتعايش وتغليب الحس الإنساني الأممي في بناء الدول على الحس العرقي والقبلي والطائفي والمذهبي، والوصول إلى مجتمع لا فضل فيه لانتماء على آخر إلا بمقدار وطنيته... لكن الاختلاف السياسي لا يحكم تقديرنا الكبير لواحد من الشعراء الذين تركوا إبداعهم الساطع يرثهم. يعترض بيكه س على أحمد شوقي لأنه لم يُشهر كرديته. فهو لو فعلها لخسر لقبه، في حين أن شاعرنا الراحل الذي يقدّره العرب، وكل نتاجه ترجم إلى العربية، ويعرفه العالم، وقد ترجم إلى أكثر من 15 لغة، كان يكتفي، برأيي، بأن يحمل لقب "أمير الشعراء الكرد".

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة