رمضان 2013
كما أجادت عين الكاتب المخضرم وحيد حامد انتقاء تفاصيل التفاصيل لشخصياته، كذلك أجادت في اختيار الفنانة الشابة رانيا حسين الشهيرة بـ «روبي»، لتغيّر مسارها الفني، أو فلنقل لتعيده إلى سيرته الأولى. وروبي من ذلك النوع الذي تتسبّب موهبته أحياناً في إيذائه أو تعطيله. فهي تجيد التمثيل والغناء والرقص، وإن كان بنسب متفاوتة. إلاّ أن ما يجمع بين أدائها في المجالات الثلاثة، هو امتلاكها الإحساس الكافي لإيصال ما يريده المخرج، من دون أن تمتلك الخبرة الكافية لإدارة كلّ مواهبها. تلك التركيبة جعلت روبي دائماً مرهونة بمن يدير موهبتها، وبهدفه من ظهورها، وبرؤيته لها. قدمها محمد أمين في «فيلم ثقافي» العام 2000، ومهد لها الطريق يوسف شاهين في «سكوت هنصور» العام 2001، ليلتقطها المخرج شريف صبري، ويخوض بها تجربة سـاعدتها كثيراً، وعطلتها كثيراً. تجربة صبري أسهمت في نجاح روبي، وجعل اسمها في الصف الأول للنجمات لوقت، عندما قدمت كليب «إنت عارف ليه» العام 2003، ومن بعده «ليه بيداري كده» العام 2004. هذا عن الفائدة. أما الضرر الذي لحقها فهو حصارها في خانة المطربة التي تقدّم الحد الأدنى من الغناء، الحد الأدنى من الاستعراض، الحد الأقصى من الأنوثة، وذلك لسنوات... قبل أن ينتهي عقد رعايتها مع المخرج العائد من أميركا العام 2007، بعد فيلم لم يدفعها خطوة إلى الأمام، بل عشر إلى الخلف «سبع ورقات كوتشينة» (2004). وبعد فترة من عدم الاتزان الفني، يلتقطها وحيد حامد ليعود بها إلى سيرتها الأولى، ممثلة تمتلك طاقات غير محدودة تنتظر الإفراج عنها. وذلك ما رأينا بشائره في فيلم «الوعد» لمحمد ياسين (2008)، ثمّ في عدد من الأعمال مع آخرين، قبل أن تخطو خطوتها الكبيرة هذا العام مع المؤلف صاحب العلامات في السينما والتلفزيون والإذاعة، والمخرج الواعي تامر محسن، من خلال مسلسل «بدون ذكر أسماء». التحدي الأكبر الذي واجهته روبي في هذا المسلسل هو الشخصية التي تلعبها. كثيرات غيرها لعبن دور فتاة الشوارع المتسكعة التي تمارس التسول والدعارة. بل يمكن القول إن السنوات الأخيرة شهدت كمّاً من الأعمال تجعل من غير المتصوّر أن تأتي إحداهنّ بجديد في هذه المنطقة. لكنّ ما فعلته روبي، بإدارة ممتازة من محسن وحامد، هي أنّها قدمت الشخصية بطريقة جديدة تماماً، تعتمد على تجاهل التنميطات. تقدم شخصية فتاة إنسانة اسمها «مبسوطة» تعمل في التسول، ولم تقدم دور فتاة شارع اسمها مبسوطة، والفارق هنا كبير. في هذا الدور لم تعتمد روبي على الأدوات: الماكياج، والملابس، وطريقة نطق الحروف. فكل هذه الأمور في النهاية هي مجرد أدوات، وإن كانت متقنة. أما الأساس في الدور فهو أداء الشخصية نفسها. وهنا نلاحظ قلة مساحة كلام الشخصية، لصالح تعبيرات الوجه، الذي يقول الكثير، إلى الأداء التمثيلي كتقبيلها باب السيارة كرد فعل على نجاحها في بيع الفل الذي تدور به في الشارع. وإن كان من أهم علامات نجاح الممثل أن يقود الشخصية لا أن تقوده، فإننا نعتبر هذا الدور نجاحاً كبيراً لصاحبته، ولصناع العمل، حيث لا مبالغة في أية ملامح ــ على رغم ضبط مخارج الألفاظ في نطق الأحرف مثلاً ــ إلا أن هذا لا يعني الإفراط فيه لإظهار القدرة عليه، بل ينساب في الحوار ليأتي في مكانه من دون زيادة أو نقصان. الصلابة التي تتميز بها شخصية مبسوطة في مواجهة الحياة لا تعني الجمود، درجة الحرارة العالية في ردود فعلها لا يعني الاستسهال في ذرف الدموع. التحوّل من فتاة الشارع، إلى مساعدة مطربة أفراح، لا يعني التخلص من طريقة كلام مبسوطة، ولا من طريقة اختيارها ملابسها. ميزان الذهب هو ما تتعامل به روبي مع مبسوطة، ونظنّ أنها لم تطفف الكيل. يبقى أن تتعلم الفنانة العائدة لفنّها أن مبسوطة لا تعني وصولها إلى بر الأمان بعد سنوات من «التوهة»، وإنما هي خطوة كبيرة، يجب أن تعقبها خطوات في هذا الاتجاه... وإنا لمنتظرون.