لا تعرف مقاهي تونس في ليالي رمضان للسكون طريقا، حيث ترى روادها يسرعون الخطى نحوها بعد الإفطار، طمعا في جلسة مع الرفقة لتجاذب الحديث أو للعب الورق، وبطبيعة الحال فإنّ «مشموم» الفل أو الياسمين يكون رفيق الجماعة الذي يعبّق الجو بروائح تزيد من تلطيفه. لـ«المشموم»، وهو ترميز للسلة أو الباقة التي تملأ بما يشم من الزهور لرائحته الطيبة وخاصة من الفل والياسمين، عند التونسيين مكان خاص جداً. ففي فصل الصيف يتهافت التونسيون عليه في سهراتهم وفي جلساتهم وفي أفراحهم، ويتفنن مصمموه في تصفيف زهرات الياسمين وضمها بعضا لبعض في شكل باقة صغيرة متناسقة. وفي تونس، تعرف منطقة «الوطن القبلي»، أي محافظة نابل، بتخصصها في إنتاج زهر الفل وزهر الياسمين الذي يشترط مناخا رطبا للنمو. وتروي الأحاديث الشعبية في تونس قصصا كثيرة عن الياسمين. ومنها أن «المشموم» يذبل في يد العروس إذا أحس بالغيرة من جمالها. وكذلك، فعند رد التحية الصباحية على الأصدقاء يقول التونسيون «نهارك فل وياسمين». بين أزقة العاصمة تونس ومن مقهى إلى آخر يتنقل بائع «المشموم» صفوان توهامي (20 عاما)، مرتديا جبة تقليدية وحذاء من الجلد وشاشية حمراء، أي طربوشاً، والابتسامة لا تفارق تقاسيم وجهه، فيما رائحة الياسمين تسكن الأماكن التي يمر بها. ويتحدث صفوان عن أجندته اليومية مع الياسمين، ويقول «مع خيوط أشعة الشمس الأولى أتجه نحو مدينة سليمان (شرقي العاصمة تونس) حيث أتعامل مع منتجي الياسمين والفل هناك، وذلك بعدما يتم قطفه وجمعه في سلات مبللة بالماء ليلا كي لا يذبل ويموت وأجلبه معي إلى العاصمة»، مضيفاً أنه في «أيام الصيف ورمضان يكون هناك إقبال كثير على الياسمين منه على الفل». ويعود صفوان أدراجه إلى البيت آتيا من مدينة سليمان محملا بسلات الياسمين حيث يجلس في ورشته ويبدأ العمل طيلة اليوم. يأخذ سعفة صغيرة تقطع من أشجار النخيل، ويرشق فيها بتأن زهرات الياسمين أو الفل. بعد ملء السعفة، يتشكل «المشموم»، ويلف صفوان حوله خيطا رقيقا لكي يتماسك، ويغرسه مباشرة بالقرب من باقي «المشاميم» في وعاء صنعه من الحلفاء الطبيعية، وهو نوع من الأعشاب السميكة، التي تساعد على الحفاظ على درجة الرطوبة. قبيل الإفطار تكون «المشاميم» كلها جاهزة ويبدأ صفوان بالاستعداد للخروج إلى الأسواق والشوارع. ويروي قائلاً انه أينما يكون السياح ورواد السهر في شهر رمضان «أبيع كل ليلة ما يقارب مئة مشموم كمعدل»، موضحاً أنّ «التونسي يقبل على المشموم فلا يبرح طاولته في المقهى». وخلال جولته، يتسلل البائع الجوال بين صفوف كراسي المقاهي هنا وهناك في شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة، بحثا عن السياح الأجانب الذين يقبلون على شراء المشموم حيث «يتلذذون برائحته الزكية والأصيلة، فهم لا يعرفونها إلا في العطور الفخمة التي يشترونها بمئات الدولارات»، وفقاً لصفوان. (عن «الأناضول»)