ابن يكتب عن أبيه. سينمائيّ يستعيد سيرة رسّام. العلاقة مزدوجة. العلاقة قابلة لفتح أبواب الذاكرة، ولسرد فصول من ذكريات تخرج على سياقها الطبيعي، كي ترسم بالكلمات حكاية رجل وعائلة وزمن وتبدّلات. السينمائيّ يُدعى جان رينوار. الرسّام هو أوغست رينوار. السينمائي يعود إلى والده في كتاب يجمع السرد الروائي بالسيرة الحياتية، ويجعل النصّ الذاتيّ نواة قراءة شخصية لواقع وأعمال وتاريخ وبيئة: «هذه السيرة الحياتية تعيد، بحبّ كبير، إحياء رجل ونتاج معروفين تماماً من قبل الجمهور العريض». تعليق نقدي (الموقع الإلكتروني Evene.Fr، 23 شباط 1999) متعلّق بكتاب «رينوار» الصادر عن منشورات «هاشيت» في العام 1962، ثم عن منشورات «غاليمار» (سلسلة «فوليو») في العام 1981 بعنوان «بيار ـ أوغست رينوار، والدي». تعليق نقدي يُشكّل اختزالاً إنسانياً وأخلاقياً لنصّ أدبيّ مكتوب بشفافية سينمائيّ مشحون بعشق كبير لصورة أبدع في تحويلها إلى كلمات وجمل. «كان أبي يسرد هذه الذكريات على نحو عشوائي، لكني أعتقد أني نجحت في ترتيب الوقائع» (ص. 77). بهذا، يُمكن تقديم القراءة النقدية الخاصّة بالترجمة العربية التي قام بها عباس المفرجي بعنوان «رينوار... أبي» (دار المدى). فعلى الرغم من أن جان رينوار لا يتذكّر أحاديثهما، والده وهو، كلمة كلمة، إلاّ أنه يحاول إعطاء أفضل صورة ممكنة عنها «حتى لو بدا بعض الأحداث ساذجاً» (ص. 116). يُضيف السينمائي أن هدفه كامنٌ في إعانة القارئ على تشكيل فكرة واضحة عن رجل «فنّه محطّ إعجاب هذا القارئ أصلاً» (ص. 116)، علماً أن السينمائي لم يُحاول ردم الفجوات في حكايته بالاستعانة بأعمال أخرى مكتوبة عن الفنان، ولم يشأ تبديل الصورة التي كوّنها هو عن أبيه «في سبيل حقيقة أكثر صدقاً من حقيقتي» (ص. 118). لهذا، يواصل السينمائي «الاتّكاء فقط على أحاديثي مع رينوار، ومع الشهود الذين كانوا جزءاً من عالمه» (ص. 118). بعيداً عن الأخطاء المتنوّعة التي يتضمّنها النصّ العربي، لغة ونحواً وترجمة (وهذا يؤثّر سلباً في متعة قراءة كتاب مليء بحيوية الكلمات، القابلة لأن تكون مرايا ذات ومجتمع ومسارات تاريخية وتحوّلات جغرافية ومفاهيم إنسانية وحياتية وفنية وثقافية)، يبدو «رينوار... أبي» مرتكزاً على ثنائية واضحة في استعادة ماضٍ وتفاصيل: قدرة السينمائي على التذكّر، وقدرة النصّ على الغوص في أفكار ومعطيات تنطلق من الشخصيّ البحت، لتبلغ أقصى مدى ممكن في السياسي والثقافي والاجتماعي. ثنائية جعلت الذكريات/ السيرة الحياتية (هناك تعليقات للسينمائي خاصّة بما هو وارد في كتب متعلقة بالرسّام) مدخلاً إلى مزيد من التعرّف إلى رسّام لديه تناقضات عدّة في أنماط التفكير، ومغامرات مُساهِمة فعلياً في تكوين ذوقه الإبداعي، وثقافته الإنسانية، ومواقفه العلنية إزاء الحرب والمرأة والألوان والصداقات والطبيعة والعمارة والسياسة والسلطة... إلخ. لكن الكتاب لن يكون معقوداً على الرسّام فقط، وإن سرد حكايته، لأنه (الكتاب) جزءٌ من التكوين الثقافي الإنساني للسينمائيّ أيضاً، لأنه «يُقدّم متعة هائلة، حين يستكشف أفكار اثنين من أعظم الفنانين» (ص. 12)، كما كتب الناقد الفني والأستاذ الجامعي روبرت أل هربرت في تقديم الكتاب. رينوار الابن متوافقٌ وهذه النظرة. ففي مطلع الكتاب، يضع السينمائي خلاصة المضمون كلّه، المتمثّلة بحوار مقتضب جداً بين القارئ والمؤلّف، إذ يقول الأول: «هذا ليس رينوار الذي تُقدّمه لنا. إنه تصوّرك الخاصّ به»، فيُجيب الثاني: «بالطبع، فالتاريخ جوهريّ ذاتيّ» (ص. 6). يستحيل اختصار «رينوار... أبي» بمقالة واحدة. الحكايات فيه متشعّبة في أمور شتّى. قراءته مدخلٌ إلى اكتشاف لغة أخرى في أصول التخاطب بين ابن وأب صنعا جزءاً من التاريخ الإنساني العام. نديم جرجوره