ما زال البراد مليئاً بالبوظة الاسرائيلية، فبعد اقفال نحو اسبوعين منذ التحرير، عاد صاحبه ليفتتح استراحته الصغيرة عارضا ما تبقى من منتوجات اسرائيلية. »هي من أطيب انواع البوظة« يقول صاحب الاستراحة من دون اي حرج او حاجة للتبرير. فعين إبل، وكأنها استردت وعيها، بدأت تخرج الى شرفاتها وطرقاتها وتستعيد جرأتها على الافصاح عن خطابها »نحن جيل كامل لا يعرف الدولة، تربى مع اسرائيل لذلك لا يمكنه ان يكرهها« يقول شاب من عين إبل امضى سنينه الاثنين والعشرين في بلدته الحدودية لم يغادرها حتى للعمل في اسرائيل ولا في جيش لبنان الجنوبي. افتتح محلا للتزيين النسائي بعد انهاء المرحلة الثانوية، لم يهرب مع الهاربين لانه لا يريد، كما قال، ان يترك أرضه »فالذين هربوا الى اسرائيل لن يعيشوا بعز. نحن نرى كيف يعيش الفلسطينيون هناك«. كان هذا الشاب الذي لم يشأ ذكر اسمه يستظل الجدار المقابل لمحله المقفل مع مجموعة من الشبان عندما وصلنا. ولم يستلزم الامر اكثر من عشر دقائق لنستقطب عدداً كافياً من ابناء القرية المارين الذين التحقوا بنا للاطمئنان بعدما اثار اجتماعنا حفيظتهم. ويتضح بعد حين ان نحو نصف الشبان المتجمعين هم من سكان عين إبل في بيروت ممن لم يسكنوا البلدة بشكل دائم ولم يعملوا في اسرائيل ولا في جيش لبنان الجنوبي لكنهم يتحدثون عن اسرائيل بالطريقة نفسها. فهذه القرية المزدهرة عمرانا اقامت معادلة ابقتها مفتوحة على الخارج فلم تنكفئ عن العاصمة وتقفل على ذاتها وترتبط بأكملها مع اسرائيل عملا وتعاملا فتهرب بمعظمها الى اسرائيل وتفرغ او تخسر بطلها فتتيتم كما الحال مع دبل. فالقرية لم يهرب من اهلها سوى مائتي شخص على حد تقدير كاهن الرعية في البلدة الخوري ايلي بركات وفراغها يعود الى خلو البلدة من اهلها في هذا الوقت من العام لان ساكنيها الدائمين لا يتعدون الألف وخمسمائة شخص من اصل عدد اجمالي يناهز عشرة آلاف، ألفان منهم يسكنون بيروت والباقون في المهاجر وسكان بيروت لا يعودون الى القرية إلا بعد انتهاء الموسمين الدراسي والجامعي او خلال عطل نهاية الاسبوع. لكنها بلدة وهي الاكبر مساحة بين القرى المحيطة كما يقول مختارها صبحي خليل العامور، تبدو اكثر عمرانا وحداثة من قرية دبل المحاذية لها مثلا وطرقاتها اكثر اتساعا كما ان منازلها مبنية غالبا من الحجر الصخري والتي تقارب الفيلات وفي معظمها هي لمهاجرين في دول الاغتراب وخاصة الخليج. فقد ازداد عمرانها بنسبة الضعف خلال الحرب كما يقول رئيس نادي شباب عين إبل في بيروت ألفرد بركات. هاجر اهل القرية لانهم ومنذ وقت طويل رفضوا الوظيفة والانخراط في الجيش او الاجهزة الأمنية لضعف رواتبها واتجهوا نحو العلم والمهن الحرة والتجارة. الاسباب نفسها هي التي دفعت شباب القرية لاختيار بيروت بعد محاولات التجنيد القسرية المتكررة من قبل جيش لبنان الجنوبي وليس لسبب عدائي مع اسرائيل، يقول المهندس لويس دياب ردا على سؤالنا حول اسباب التمنع. ويقول منذر جابر في كتابه »الشريط اللبناني المحتل« ان تأخر وصول التنسيق مع اسرائيل الى البلدة بعد رميش ودبل، وفي احد أسبابه، قلة عدد العسكريين اذ لم يتجاوز في العام 1976 اصابع اليد الواحدة. وتأخر التنسيق لا يعني أبداً عدم حصوله لا بل اكتماله في فترة وجيزة. ادى الى اجهاض كل الآراء المعارضة وامتداده اي التنسيق لسنوات كرست الاسرائيلي حليفا »نحن الذين قدمنا خمسين شهيدا ودبل مائتين وعشرين نطلع في النهاية عملاء؟« يقول جورج مستغربا اي كلام يخطئ خيار اهل البلدة التي ارادت الدفاع عن نفسها، هي الواقعة بين المتصارعين. لذلك »فالشهيد هو من أراد الدفاع عنها«. »إن الفلسطينيين الذين استقبلناهم في بيوتنا عندها تهجروا هم الذين قتلوا ابي« يقول المزين النسائي الشاب الذي فقد والده في بداية الاحداث: »لقد اعطوهم دولة نحن ماذا جنينا« يقول بأسف. فبرأيه دفعت عين إبل وغيرها من القرى المجاورة في بادئ الامر ثمن قرار الفلسطينيين بتحرير أرضهم فكانوا يقصفون على اسرائيل من بين بيوتنا ويهربون ثم كان عليها مرة ثانية ان تدفع ثمن مقاومة حزب الله«. وبذلك تنتفي عن اسرائيل التي دخلت لتساعدهم لمقاتلة الفلسطينيين والتي امنت لهم معيشتهم لاحقا ولم تعتد عليهم، صفة »العدو«. لكنها في النهاية »عملت مصلحتها« كما يقول مبررا لها طريقة خروجها. لم تغيّر سياسة اسرائيل الكثير من موقف الشباب المتجمع اتجاهها، لم تزدهم إلا احساسا بالتهديد »كنا عايشين احسن، اجو وهربولنا ولادنا« تتدخل فجأة امرأة خمسينية بصوت غاضب ارادت فيه حسم النقاش. إن أمن البلدة الذي شكل الهاجس الاول والمبرر الاول للجوء الى اسرائيل جعل الشباب يجدون في رحيل »الجنوبي« تهديدا لوجودهم في ظل غياب الدولة. ودللوا على ذلك بروايات اصروا على صحة وقوعها بين ضرب واهانات وسرقة من قبل »الداخلين«، نفاها بعض الكبار في البلدة »فهي مبالغات لها ما يبررها برأيهم وهي احد الاساليب للدفاع عن النفس. هؤلاء الذين كبروا على »شهادة الجنوبي« لا يعرفون عن ابن بلدتهم، البطريرك مار انطونيوس بطرس خريش إلا اسمه، هو الذي عرفت عنه مواقفه الوطنية وفي بعض المناسبات ايضا الداعمة للقضية الفلسطينية. لم يبق من خريش في البلدة الا منزله الذي لا يمكنه وحده ان يحفز الذاكرة. فمن يحدثهم عنه؟ المختار نفسه يأخذ عليه ابتعاده عن القرية »عندما كان مطرانا كان يأتي احيانا وعندما اصبح بطريركا غاب تماما عن القرية«. ولذلك لا نفوذ له برأيه، »كما انه لم يقدم للقرية شيئا، كنا ننتظر منه على الاقل ان يبعث للمقاتلين بعض الطحين« ويقصد الكتائب الاولى المشكلة في بداية الاحداث لمقاتلة الفلسطينيين. ومما حد من تأثيره، برأي الخوري بركات »هو انقطاعه عن البلدة، فقد كان خوري رعية في حيفا وانتقل بعدها ليستقر في صيدا كنائب مطران«. بالاضافة الى كل العوامل الاخرى التي اجهضت دعوات وجهاء القرية وبعض الحزبيين فيها (نحو الثلاثين موزعين بين احزاب البعثي بشكل اساسي، القومي السوري وبعض الشيوعيين بالاضافة الى الكتائب) لمعارضة التنسيق مع اسرائيل والذين هجروا عن القرية، ومما سهل الامور عدم امتلاك هذه الاحزاب قواعد واسعة فأي من الاحزاب لم يكن يملك مقرا داخل القرية. اما الكنيسة »فلم يكن صوتها مسموعا« يقول الخوري بركات »اول وصول الاغراب نظمنا وفدا وذهبنا عند البطريرك خريش ثم الرئيس الجميل فأبلغناه عدم رغبتنا في المشاكل. فوعدنا ان يبعث ويسحب القوات المسلحة الآتية من بيروت. لكنه لم يسحبهم، وتبع ذلك عملية للفلسطينيين على احد الحواجز... فسقط بعض القتلى وبدأت الاحداث...«. ولم تتعامل الكنيسة مع الاحتلال يوما يؤكد الخوري بركات »لم اكن اتصورهم...« يقول ذلك من دون رغبة في تفصيل الكلام، وكأن القرية ما زالت تخضع لسلطة الاحتلال. »إن خط البطريرك خريش اثر ايجابا لكن كان هناك مخططات عالمية لاشعال الحرب، يقول المهندس دياب و»ما زال لديه اليوم حظ كبير كان مغلوبا على امره اثناء الاحداث«. فقد تحولت عين ابل وفي فترة وجيزة الى مركز للتدريب العسكري. وقد صعد إليها مسلحون من بيروت عن طريق حيفا في آب 1976 ودعوا البلدة الى التسلح لمحاربة الفلسطينيين. واقدموا بعد اسبوعين على التصدي لمجموعة من اربعة عناصر من »التنظيم الشعبي اللبناني« التابع لحركة فتح كانوا يعبرون عين إبل عائدين من قرية حانين فقتل افراد هذه المجموعة الاربعة مع ثلاثة من مسلحي عين إبل. لقد دفعت هذه الحادثة اهل البلدة الى تقبل السلاح ومباشرة التدريب وانشاء قيادة عسكرية موحدة جامعة وكان صعود مجموعة ثانية الى البلدة »مجموعة الشيف ادوار« (الذي يعترف حبيقة في مقابلة له مع مجلة الوسط بأنه هو نفسه ادوار قائد هذه المجموعة) دفعا بالعلاقة مع اسرائيل وتأجيجا للصراع الدموي المكشوف، هذا بالاضافة الى العداء الذي بدأ يستحكم مع الفلسطينيين بعد عدد من حوادث الخطف والاعتداء، ويشار ايضا هنا، الى استخدام ذاكرة البلدة عن الاحداث الطائفية منذ 1860 واحداث 1920. بعد انقضاء الفترة الساخنة استعادت القرية استقرارها مع ثبات الاحتلال وتكريس »الجنوبي« ابن البلدة مشرفا على أمنها وضابطا لمعادلة جعلت البلدة مناصرة له ومفتوحة في الوقت نفسه على الخارج بشكل واسع. فمضت عين إبل، تكمل ما كانت قد بدأته قبل الاحداث بكثير، اي تعليم ابنائها في القرية وخارجها وفي المهاجر ايضا، فالجامعيون من شبابها تفوق نسبتهم الثمانين بالمائة وفيها العديد من الاطباء البارزين والمهندسين واصحاب المهن الحرة والمتمولين. وقد اقلعت القرية منذ زمن بعيد عن الاهتمام بأرضها وبزراعة التبغ كمصدر رئيسي. لقد شكلت عين إبل اساسا محور استقطاب علمي في المنطقة، وانشئت فيها العام 1860 تقريبا مدرسة لليسوعيين تحولت في العام 1954 الى تكميلية وفي العام 1962 الى ثانوية اصبح القسم الابتدائي فيها بعهدة راهبات القلبين الاقدسين والمتوسط سمي بثانوية مار يوسف التابعة لمطرانية صور المارونية. كما انشئت في العام 1970 مدرسة رسمية كما ذكر الخوري ايلي بركات الذي ترأس المدرسة اليسوعية سابقا. استقطبت هذه المدارس محيطها الشيعي وسجل ما نسبته ستمائة طالب شيعي في مدرسة الراهبات من اصل ثمانمائة مطلع السبعينات. ويروي الخوري بركات انه كان بين اساتذة المدرسة العديد من الاساتذة الشيعة من القرى المجاورة. وامنت الاسبقية في التوجه نحو العلم للقرية موقعا وافقا اكثر اتساعا من محيطها المسيحي والشيعي على حد سواء. يضاف الى ذلك وربما ربطا به موقع البلدة السياسي المتقدم بالمعنى التقليدي. ويقول رئيس جمعية ابناء عين إبل الخيرية الاجتماعية يوسف الخوري صادر ان القرية كانت تشكل محورا انتخابيا اساسيا، فهي كما غيرها من القرى المسيحية لم تملك مقعدا مارونيا. لكنها كانت تعتبر ثقلا حاسما في المعارك الانتخابية في بنت جبيل التي كانت تنقسم انتخابيا في خريطة عائلية تحددها معركة الزعامات الشيعية. »كنا نمشي مع الاكثرية الشيعية التي كانت مع آل الاسعد عادة. فإن 65$ من القرى المسيحية كانت تناصره« يقول صادر ويبرر ذلك »نحن اقلية ومستوانا لا بأس به وخاصة عين إبل التي كان عداد مجلس بلديتها قبل الاحداث اثني عشر عضوا، لذلك كنا نشكل ثقلا انتخابيا معنويا ورائدا في المنطقة نناصر فيه الزعيم الشيعي الاكثر تمثيلا«. وكانت القرية تنقسم بين تشكيلة عائلات تدعم الاسعد والتشكيلة المتبقية تدعم الزعيم الخصم. »كان الزعماء يجوا ليخلفونا مع بعضنا« يقول مختار القرية الذي لم يتسلم هذه المهمة الشكلية في البلدة مع تحكم »الادارة المدنية بزمام الامور، إلا في العام 1995 اثر وفاة سلفه. فما يعرفه عن القرية لا يزيد عن ما يعرفه اترابه بشكل عام، ويجيب »نعم ربما كانت البلدة مقسومة انتخابيا وفق طائفتيها المارونية والكاثوليكية (الكاثوليك لا يشكلون اكثر من ثلاثين في المئة من اهل القرية، يملكون كنيسة لكن كاهن الرعية غير مقيم في البلدة) فالاغلبية المارونية تؤيد آل الاسعد واقلية كاثوليكية تؤيد آل الخليل«، ثم يعود لينفي »لا هذا التوزيع لم يكن ثابتا. فالطائفتان كانت تنقسم عائلاتهما بين المرشحين«. وصادر الذي اكد نيته العودة الى البلدة واستئناف الحياة فيها قال ان من كان يؤيد آل الاسعد سيؤيد على الارجح الرئيس نبيه بري اليوم، معتبرا هذه الخطوة هي متابعة ل»سياسة التعايش في المنطقة مع الجار الشيعي«. لا تبدو الامور في عين إبل اليوم على هذا القدر من الحسم. فالاغلبية الساحقة من البلدة تسكن المهاجر في دول الخليج والولايات المتحدة الاميركية وكندا واوستراليا ونسبة أقل منها بكثير في بيروت وضواحيها. خاصة مناطق الاشرفية، سن الفيل، الدكوانة، الروضة، البوشرية، الجديدة، جل الديب وصولا لمقالب كسروان. وقد ارتبط هؤلاء بمصالح اقتصادية لا يمكن توفرها في البلدة إلا ب»اعجوبة« كما قال رئيس نادي شباب عين إبل في بيروت ألفرد بركات، فاهل البلدة مرتبطون بقريتهم فهم يبنون فيها منازل »صيفية« ويعودون إليها بزيارات غالبا ما تكون قصيرة لكن لا يمكن لمعظمهم العودة، وهو واحد منهم، فمن كان يعيش داخلها اما لارتباطه ببعض الوظائف الرسمية واما بسبب العمل في جيش لبنان الجنوبي وفي اسرائيل، والبعض منهم بسبب مصالح تجارية محدودة داخل القرية توقفت تقريبا مع هروب المنتجين الاساسيين من ساكني القرية، فانطوانيت التي تملك محلا للثياب داخل القرية لم تفتحه إلا رفع عتب »صرت إنسانة على حافة الطريق« تقول من دون ان يكون لديها اي حافز آخر للكلام. فزوجها الذي كان يعمل في الخليج وعاد منذ فترة لا يعمل الآن ومن كانوا يعتمدون عليه اليوم »انقطع رزقه«. لا يمكن لانطوانيت ان تفرح كثيرا بالتحرير، لقد جردت من كل أواصرها الاقتصادية والعائلية، فحتى عائلة ابيها التي تسكن بكاملها داخل اسرائيل لم تكن تزورها سابقا مراعاة لوضع زوجها في الخليج. واليوم لم يعد لديها ما ترجو منه خيرا لحياتها، فهي تجلس امام شرفة محلها تنتظر زبونا يمر بالخطأ. والبلدة التي ابتعدت كثيرا عن ذاكرتها لم يكن من السهل ان تجد من يخبرنا فيها عن علاقتها ما قبل 1948 بفلسطين واهلها. ما يذكره المختار ان عددا من اهل القرية يقارب المائة عائلة كانت تسكن في حيفا وتعمل في المطاعم والبلديات وقلة مع الجيش الانكليزي. ويقول الخوري بركات ان القرية التي عمل قسم كبير من اهلها في فلسطين قبل النكبة استقبلت المنكوبين واسكنتهم في منازلها ما رفع عدد سكان القرية من ألفين الى عشرة »كانوا من كل القرى المسيحية والاسلامية... لكن الوجود الفدائي هو الذي اثر على هذه العلاقة«. لا بد ان تختم الروايات، كل الروايات عن الفلسطيني لهذا التحوّل عند كبار القرية، اما شبابها فلا يعرفون عن الفلسطيني إلا »هذا المسلح الذي اراد التحكم بالأرض وتهجير اهلها... أليس هو من قتل القضاة الاربعة او ليس هو من سرق مصرفا؟. يتساءل المزين النسائي الذي لا يعرف عن اخبار الخارج، اي خارج القرية، إلا الاخبار عن الفلسطيني المهدد لأمن وطنه المفترض اي لبنان، فكل الخارج هو جبهة ما زالت نفسها »الفلسطيني وحلفائه«.